سيلفان تيسون أمضى الكثير من لحظات حياته وهو في حالة عبور . هكذا عاش منذ عام 1991، عندما قام بـ «حملته»الأولى إلى ايسلندة كـ «مغامر». ومن مغامراته يخرج بهذه الجمل القصيرة التي لا تخص موضوعا واحدا وإنما تشمل كل المواضيع: السفر والمرأة والمعتقدات والطبيعة والحياة...
وفي كل الحالات تمثل الجمل المأثورة اللحظات التي يحتوي عليها هذا الكتاب، نفحة ما من الشعر أو من الحكمة أو من التأمل أو من الانفعالات، أو خاصة من ألوان الفكر وحكمة الشعوب. وبكل الحالات تثير لدى قارئها إحساسا ما. هذا على الرغم من أنها دائما جملا قصيرة رغم أنها ممدودة على ما يزيد على مئة صفحة. وإلى جانب تزيين العديد من الصفحات بـ «رسوم بالأبيض والأسود» وقليل جدا من اللون الوردي، إنها ألوان الأفكار المتوحشة كما يقول لنا المؤلف الذي يدعونا في البداية إلى تصفّح هذه الأوراق التي »تنبثق منها ألف حقيقة وحقيقة. الجمل القصيرة المأثورة على صفحات هذا الكتاب الصغير الحجم وإنما اللامتناهي الأبعاد ، لا تترك القارئ حياديا. ففيها الشعر مثل تلك التي تقول: عندما يموت الريح من سوف يلتقط أنفاسه الأخيرة؟ . السؤال مشروع، فهل بعد النهاية نهاية أخرى؟!
ولا حيادية أيضاً أمام سؤال آخر يطرحه المؤلف في جملة قصيرة يمكنها أن تختزل مفهوم الحرية كله. جملة تقول هل هناك بحار مصفّدة بالأغلال ؟ لقد ارتبط البحر الواسع بمفهوم الحرية كثيرا لدى الكثير من الكتاب والمبدعين وليس أقلهم شأنا البير كاموا صاحب الغريب وصديق البحر. لكن سيلفان تيسون يحكي عن البحر كرمز للحرية التي تستطيع أن تتمرّد على كل القيود.
و لكن ما هو الضباب ؟ يسأل مؤلف هذا الكتاب ويجيب: إنه أنفاس الفجر بعد ليلة مضطربة . هكذا إذن تغدو الأشياء المشوشة مصدرا للصفاء ولنهاية التشوش ذاته. إنها حكمة الطبيعة التي تستطيع بكل تعبيراتها أن تقدم مخارج لكل من يحاول أن يفهم دروسها. هذه الطبيعة التي تعرف كيف تنتقم لنفسها، مثل الدروب التي تطأها أقدام البشر . تقول إحدى الجمل: ذات يوم سوف تنتقم الدروب كون أنّهم قد وطؤوها .إنه قانون الفعل ورد فعل.
إن المؤلف ومن خلال الكم الكبير من الجمل القصيرة التي يسوقها يؤكد على أهمية اللحظات القصيرة في الحياة. تلك اللحظات التي يقول ان الإنسان يعيشها وكأنه في »حالة طوارئ«، بحيث انه لا يمتلك الزمن الكافي لتطويرها« ولا »المجال الكافي لجعلها تطول أكثر . وهذا ما يعتبره »عبقرية كيمياء اللحظة العابرة«، إنها »الاستمرارية« في حالة عبور دائم من لحظة قصيرة إلى لحظة قصيرة أخرى.
كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب الرحالة الذي لا يستقر على أن اللحظات العابرة وما ينتج عنها من تعبيرات ـ جمل قصيرة ـ تختلف تبعا لحالة الإشراق التي يعيشها صاحبها. ذلك أن رامبو، الشاعر الكبير، قد كتب «إشراقاته» في لحظات من التجلّي والإلهام وما كان له أن يكتبها في سياق آخر.
وهكذا يتم التفريق بين جمل قصيرة ناجحة وجمل قصيرة أقل نجاحا . المقياس الذي يقول به المؤلف هو لنجاح هذه الجملة المأثورة أو تلك هو ما تثيره من انفعالات ومن تجليّات لدى قارئها. ومن هنا تتم صياغة التعريف القائل: إذا كانت هناك جملة قصيرة مأثورة، فإن الكلمات التي تتكوّن منها تستمر في الاحتفاظ بدلالاتها فترة طويلة بعد قراءتها . أما التشبيه الذي يقدّمه المؤلف لمثل هذه الكلمات فيجده في أوراق الشاي التي تتفتح وتنشر عبقها بعد نقعها في الماء الساخن حتى الغليان .
وما يشير به المؤلف هو أن الجمل القصيرة المأثورة تتفتح وتزدهر أثناء الأسفار ومثل الفراشات ، تتحول الكلمات إلى أفكار و تطير بخفة في فضاء المشاعر الرحب. ثم إن المسافر يلج دائما الدروب ومعه شبكته لاصطياد الفراشات ـ الكلمات . هكذا نجده أمام أي مشهد أو أمام لقاء تأتي به الصدفة أو حتى أمام أي حدث صغير غير متوقع يشحذ فكره وينقل ما يعطيه ذلك من مأثورات على دفتره الصغير.
هذه الكلمات المدوّنة على أوراق مبعثرة أحيانا تعيد إلى الذاكرة عند قراءتها من جديد لحظات فريدة و أحاسيس بالسعادة مثلما أمام شلال ماء أو عند هبوب رائحة الفجر أو مع تعرجات درب وسط التلال.
كتاب ـ مجموعة من الجمل القصيرة التي قد تبدو للوهلة الأولى مبعثرة ، مشتتة ، لكن يربط بينها كلها خيط رفيع منسوج من حب الاكتشاف ورغبة معرفة ما يفعله الإنسان حقيقة في أحضان هذا الكون الجميل. إنها جمل قصيرة ولكنها تستطيع أن تأخذ قارئها معها إلى نهاية العالم. ويقول سيلفان تيسون نفسه: الجملة القصيرة المأثورة تسمح بكسب الوقت عبر اختزال الحيّز المكاني .
الكتاب: جمل قصيرة
مأثورة تحت ضوء
القمر وأفكار متوحشة أخرى
تأليف: سيلفان تيسون
الناشر: اكواتور
باريس 2008
الصفحات: 10 1 صفحة
القطع: الصغيرة
Aphorismes sous la lune et autres pensées sauvages
Sylvain Tesson
Equateurs - Paris 2008
P .110

