«مسرح الأفكار» هو عنوان الكتاب الحالي ولكنه أيضا عنوان لنوع مسرحي خاص تحت التسمية نفسها كان قد جرى تأسيسه منذ عام 2004 ويتولّى المشرف على هذا الكتاب إدارته.

هكذا يتداخل «مسرح الأفكار» مع الكتاب الذي يحمل نفس العنوان والذي هو في واقع الأمر ثمرة للسنوات الأربع المنصرمة من النقاشات التي شهدها المسرح الذي يستضيف مفكرين من مختلف المشارب للنقاش حول المسائل المطروحة على العصر، ومن هنا جاء العنوان الفرعي للكتاب «50 مفكرا من أجل فهم القرن الحادي والعشرين». المساهمون إذن في هذا الكتاب كانوا قد «مرّوا» قبل ذلك على خشبة مسرح الأفكار حيث أدار النقاش معهم المشرف على هذا الكتاب نيكولا تروونغ. وهؤلاء المساهمون يضمّون فلاسفة من أمثال ريجيس دوبريه ، صديق تشي غيفارا سابقا، وأحد أبرز الأخصائيين الفرنسيين اليوم بمسائل الإعلام وآليات عملها، وميشيل اونغراي،الفيلسوف وصاحب مبادرة إنشاء الجامعة الشعبية للذوّاقة .

وجاك ديريدا، أحد أبرز فلاسفة فرنسا في القرن العشرين، وعلماء اجتماع مثل ادغار موران، صاحب المواقف النقدية الشهيرة لإسرائيل، ومفكرين سياسيين الذين ليس أقلهم شأنا فرانسوا جوليان، الخبير بالشأن الصيني، ومن بينهم أيضا مفكرون من مختلف المشارب الأخرى. مع ملاحظة أنه لا يوجد بين هؤلاء المساهمين رجال علم ، ولعلّ هذا هو أحد جوانب النقص الأساسية في هذا الكتاب.

وما يؤكده المشرف على هذا الكتاب منذ الصفحات الأولى للكتاب هو أن اللقاءات التي أجراها في إطار «مسرح الأفكار» مع الشخصيات الفكرية المعنية حول مسائل مبرمجة ضمن نشاطات مهرجان افينيون المسرحي تبيّن مدى اهتمام الفن اليوم في محاولة تقريب العالم الذي نعيش فيه إلى البشر المعنيين من خلال التعرّض إلى مواضيع مختلفة تطال ما يمس حياة البشر وطريقة تفكيرهم مباشرة.

وبهذا المعنى يمكن لمساهمات هذا الكتاب أن تمثل توصيفا للحالة العيانية التي يشهدها الفكر الفرنسي والإشكاليات التي تواجهها الحداثة بشكل عام في السياق الراهن للعولمة. وتشمل المواضيع المطروحة مسائل راهنة مثل العلاقات بين الغرب والشرق وأزمة التمثيل السياسي الكبير للمقدسات والمعتقدات الدينية ومسائل العمل وقضية الهوية التي تواجه المجتمعات الإنسانية ومفاهيم المقاومة والإرهاب والعديد من المسائل الأخرى. وبكل الحالات يتم تعريف مسرح الأفكار على أنه: مجال نقدي يتماشى مع المواضيع المطروحة في إطار مهرجان افينيون من أجل المساهمة في التأمل بقضايا العالم بنظرة نقدية .

وتضم المساهمات التي يحتويها هذا الكتاب على تلك المساهمة التي دشّن فيها الفيلسوف جاك ديريدا قبل وفاته بعدة أشهر عام 2004- مسرح الأفكار بنقاش تحت عنوان «القوة العنيفة للأفكار» من أجل توصيف القرن الحادي والعشرين. وتتم الإشارة بمناسبة تدشين «مسرح الأفكار» أنه يأتي كاستجابة إلى الذهنية التي أنشأ فيها جان فيلار المتوفي عام 1971- مهرجان افينيون المسرحي بحيث يكون المسرح «في خدمة جمهور الأفكار».

ومن الأفكار التي يرددها جاك ديريدا في المساهمة الخاصة به في الكتاب موجها الحديث إلى أوروبا الجديدة القديمة ، قوله: إنكِ تنخرطين في درب أنتِ الوحيدة القادرة اليوم على ولوجه. درب بين نزعة الهيمنة الأميركية والأفكار الأصولية والصين .

وفي المحصلة يعلن الفيلسوف عن حلمه بقيام أوروبا ذات نزعة عالم ثالثية تمتلك الإمكانيات حتى العسكرية من أجل أن يكون لها وزنها على مستقبل المؤسسات الدولية.ويبحث الفيلسوف ميشيل اونغراي في موضوع أي علم للجمال بعد موت الجمال .

ويبدأ حديثه بالتذكير أنه ابن عامل زراعي وخادمة في المنازل، وبالتالي لم تطأ قدماه أبدا أبواب أية مدرسة للفن . ثم يشير إلى أنه نظر طويلا إلى علم الجمال على أنه مفهوم افلاطوني وعلى أن الفن ظل مدة 15 قرنا يحدد تعاريفه بالقياس إلى فكرة الجمال.

وهو يؤكد في تحليله على أهمية مفهوم الحرية في الفن ودون أية حدود. ويضرب على ذلك مثال الفنان دو شامب الذي جعلت عبقريته كل شيء ممكنا،لما هو أفضل وما هو أسوأ. ولا يتردد من توجيه النقد الشديد ل«رجعيي الفن» الذين لا يحبّون اليوم إلا ما يشابه ما كان موجودا في الأمس. ويخص بالنقد في هذا الإطار زميله الفيلسوف آلان فينكلكراوت عندما يقول: أصبحت الموسيقى ضجيجا والمسرح صرخات والرسم غيابا لأي شكل .

ويحاول عالم الاجتماع والمفكر ادغار موران أن يجيب في مساهمته على سؤال: أية مقاومة اليوم ؟ ويبدأ بطرح سؤال آخر: كيف يمكن المقاومة أثناء الاحتلال ولكن أيضا عندما يتم احتلال الأرض والمخيلة ؟ تجدر الإشارة إلى أن ادغار موران من أشد المؤيدين لحق الشعب الفلسطيني في المقاومة وفي تقرير مصيره.

الكتاب: مسرح الأفكار، 50 مفكرا من أجل فهم القرن 21

تأليف: نيكولا تروونغ وآخرون

الناشر: فلاماريون

باريس 2008

الصفحات: 381 صفحة

القطع: المتوسط

Le théâtre des idées, 50 penseurs pour comprendre le XXIe siècle

NiccolasTruong

Flammarion-Paris 2008

P.381