أبدت مجلة «نيويوركر» اهتماماً استثنائياً بالكاتب النيجيري يويم أكبان مع صدور أول مجموعة قصصية له بعنوان «قل إنك واحد منهم» فأجرت هذه المقابلة معه ونشرتها في عدد واحد مع قصته «وليمة عيد الميلاد» التي تضمها المجموعة، وقد بادر إلى إلقاء الضوء على العالم الوحشي الذي يعيش فيه العديد من أطفال إفريقيا وما يتعرضون له من ضغوط بفعل الحروب الأهلية والصراعات القبلية وانتشار الإيدز والمخدرات والاتجار في البشر في العديد من أرجاء القارة السمراء.

وأشار إلى تأثير دراسته للكتابة الإبداعية في ميتشجان على أسلوبه في الكتابة، مشدداً على أن قصصه تنطلق من الخيال في المقام الأول وتستلهم تجاربه ومعارفه في عدد من دول إفريقيا، وقال إن إجراء الأبحاث لدعم العمل الإبداعي هو أمر مهم، لكنه قد يعترض العملية الإبداعية ذاتها في بعض الأحيان، وفيما يلي نص المقابلة، التي أجرتها معه كريسيرا ليشون نائبة قسم الأعمال الإبداعية في مجلة «نيو يوركر».

تدور قصتك «وليمة عيد الميلاد»، التي تعد أبرز قصص مجموعتك «قل إنك واحد منهم»، حول عائلة تعيش في شوارع العاصمة الكينية نيروبي.

متى بدأت التفكير في هذه الشخصيات والعالم الذي تقطنه؟

عندما ذهبت إلى نيروبي لدراسة اللاهوت في عام 2000، أذهلتني ظاهرة أولاد الشوارع، ولم أكن قد شهدت نظيراً لها من قبل قط، وأردت أن التقي هؤلاء الأطفال، لذا فقد درجت على زيارة وسط المدينة في بعض أيام السبت، حيث كنت أتابعهم من بعيد، خائفاً لأنهم يمكن أن يكونوا متوحشين. ولم أكن أعرف اللغة السواحيلية، وقد كان هذا حاجزاً أيضاً. ولم أكن أفكر في الكتابة وقتذاك، وإنما كنت مندهشاً ومفتوناً حيال الصمود الذي رأيته فيهم .

هل أجريت الكثير من الأبحاث عندما كنت تشتغل على هذه القصة؟ ما مدى أهمية الأبحاث في اعتقادك؟

إجراء الأبحاث عمل مهم، ولكنني أبدأ عادة بكتابة القصة أولاً، فالخيال يأتي أولاً، وقد أردت الكتابة عن عائلة مشردة في الشوارع لأنني أعتقد أن ذلك سيكون أكثر امتلاء بالتحديات، حيث أنني لم أكن قد رأيت مثل هذه العائلة من قبل، وإنما رأيت أولاد شوارع فحسب، وعملية البحث تأتي في وقت لاحق، وإلا فإنها تعرقل الإبداع. هل لك في أن تحدثنا عن القصص الأخرى التي تضمها مجموعتك والتي تقع أحداثها في عدد من الدول الإفريقية ؟

لقد أردت أن أقدم كتاباً يدور حول ما يعانيه الأطفال في هذه الصراعات التي لا تنتهي التي تشهدها إفريقيا، وأردت حقاً أن أعرف كيف يواجه الأطفال القتل الجماعي في دارفور. وأي عذاب يواجه طفل يتعرض لظاهرة أقرب إلى التسونامي الرهيبة؟ أحببت أن أعرف ما الذي يفكر فيه الجنود الأطفال في سيراليون. إنه وضع مؤلم ورهيب، والعالم يشيح بناظريه بعيداً عنه. وأعتقد أن الكتابة الإبداعية تسمح لنا أن نجلس بعض الوقت مع أناس نفضل ألا نقابلهم.

متى قررت أن تصبح كاتباً قصصياً؟

بدأ الأمر نكتة في عام 1998، فقد رفضت صحيفة «غارديان» النيجيرية مقالين لي كنت قد بعثت بهما إليها. وكان ذلك أمراً طريفاً، لأنني كنت قد نشرت فيها بعض مقالات الرأي بعد إنهائي الدراسة الثانوية، وبعد تخرجي من الجامعة لم تقبل الجريدة نفسها نشر شيء لي.

وعندما ألقيت نظرة على عدد الصحيفة الصادر يوم السبت، لاحظت أنها تخصص مساحة للقصص القصيرة. لذا قررت تجربة كتابة قصص قصيرة، وقد نجحت المحاولة. وهكذا بدأت في الكتابة للصحيفة بصورة مكثفة، ولم تكن نوعية قصصي جيدة للغاية، ولكنني استطعت إثارة اهتمام القراء.

لماذا أردت الدراسة في إطار برنامج أميركي للكتابة الإبداعية؟ هل غيرت طريقة عملك؟

كنت أعرف أن كتابتي يمكن أن تتحسن، ولم يكن هناك مكان يمكننني الذهاب إليه لتحقيق ذلك. وبدا لي أن كل الكتاب ذوي المكانة البارزة من بلادي يقيمون في أوروبا أو أميركا. وكنت بحاجة إلى تعلم مهارات المهنة. وكانت لدي رغبة في قرارة نفسي قوامها أنني إذا مضيت إلى برنامج لنيل درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية فإنه سيتاح لي الوقت للعكوف على الكتابة.

وقد أردت أن ألتقي الكتاب، وبرامج الماجستير تتوافر لها الأموال والمكانة التي تجتذب كبار الكتاب، ومن دون ذلك لن يتاح لك أن تقابلهم، فهذه البرامج هي بمثابة ساحة للتدرب وتعلم أسرار المهنة. ولكنني يتعين عليَّ القول إنني قمت بالخيار الصحيح بقدومي إلى ميتشجان للدراسة فيها. وقد كانت تلك أول تجربة لي في ورش الكتابة الإبداعية، وكانت المجموعة متقاربة، والأساتذة معنا طوال الوقت، ولست أدري كيف كانوا يحققون ذلك، فهم أيضاً روائيون وشعراء وادباء، وكان لديهم الوقت دوماً لقراءة ما نكتبه وتشجيعنا على تقديم ما هو أفضل.

هل كتبت قصصاً تجري أحداثها في الولايات المتحدة؟

لم أجعل أحداث أي من قصصي تجري في الولايات المتحدة.. ليس بعد. فقد شعرت بأن هناك الكثير من الكتاب الذين.. يكتشفون التجربة الأميركية. وأنا أحس بأن الوضع في إفريقيا ملح للغاية، ونحن بحاجة للمزيد من الناس لمساعدتنا على إدراك مدى تعقد حياتنا. وقد قال بن أوكري إن الأدب الإفريقي هو أدب عالمي ثري.

في القصة التي نشرتها لك «نيويوركر»تحيا شخصيتان هي جيغانا وأخته ميشا في عالم شديد الضراوة. هل تعتقد أنهما سيقدر لهما البقاء على قيد الحياة؟

إن القارة السمراء تعاني أشد العناء، وكانت كذلك منذ بداية العبودية. والقيادة مشكلة كبيرة، وأملي أن الأمور ستتغير في إفريقيا.

وقد دارت الحروب في أوروبا في القرون الماضية، أما الآن فلديها الاتحاد الأوروبي بالفعل وليس بالقول كما هي حال الاتحاد الإفريقي. وآمل أنه سيأتي اليوم الذي ستنتهي فيه كل الحروب السخيفة في إفريقيا. وأنا مندهش حيال صمود الناس، سواء أكان ذلك في آسيا أو أميركا اللاتينية أو إفريقيا، حيث يواجهون ظروفاً بالغة الضراوة.

المؤلف في سطور

* ولد الكاتب النيجيري يويم أكبان في قرية إيكوت أكبان إيدا في نيجيريا، ودرس الفلسفة واللغة الإنجليزية في جامعتي كريجتون وجونزاجا، ودرس اللاهوت في الجامعة الكاثوليكية لشرقي إفريقيا، وحصل على ماجستير الكتابة الإبداعية من جامعة ميتشجان بالولايات المتحدة في عام 2006، وقام بتدريس اللغة والأدب الانجليزيين في المدارس الثانوية بنيجيريا قبل انتقاله للعمل بالتدريس في زمبابوي.

* نشرت صحيفة «غارديان» النيجيرية قصصه الأولى، مما شجعه على كتابة المزيد، وبصفة خاصة على هامش دراسته للاهوت في السنوات من 2000 إلى 2003، وهو يقول إن القصص التي أنجزها في تلك الفترة شكلت بؤرة القصص التي يقدمها للعالم اليوم.

*تعد مجموعة «قل إنك احد منهم» الصادرة مؤخراً عن دار ليتل براون اللندنية أول كتاب من تأليفه، وقد حظيت بحماس فوري من الكثير من النقاد والكتاب، خاصة بعد قيام مجلة «نيويوركر» بنشر مقابلة معه وإحدى قصص المجموعة في أحد أعدادها الصادرة مؤخراً.

منى مدكور