على الرغم من أن مجموعة «قل إنك واحد منهم» هي الكتاب الأول للكاتب النيجيري يويم أكبان وأنه يعمل حالياً بالتدريس في زيمبابوي بعيداً عن الأضواء التي تنهم على المبدعين من مواطنيه المقيمين في أوروبا وأميركا، فإن هذه المجموعة ظفرت باهتمام استثنائي على ساحلي الأطلسي، وصل إلى ذروته مع قيام «نيويوركر» بإجراء حوار معه ونشر قصة له في عدد واحد من أعدادها الصادر أخيراً، بالتزامن مع تباري كتاب ونقاد العالم في الإشادة بهذه المجموعة.
تفجر هذه المجموعة سؤالاً صارخاً: ماذا لو أن تضحية الآباء بحياتهم ليست كافية لضمان بقاء أبنائهم على قيد الحياة.
وأهمية علامة الاستفهام هذه تنبع من أنها تمثل الوضع الذي نصادفه في القصص الخمس في المجموعة التي يقدمها لنا أكبان على امتداد 368 صفحة، وهذه القصص الخمس تدور أحداثها في نيجيريا، كينيا رواندا، اثيوبيا وبنين، وتتناول أطفال إفريقيا وحياتهم المشوشة والمفعمة بالتناقضات وبحثهم عن مخارج من الأوضاع الوحشية التي تفرض نفسها عليهم تحت سقف سعيهم وراء لقمة العيش وفرصة البقاء على قيد الحياة في ظروف يعد الموت المجاني فيها حدثاً يومياً لا يثير اهتمام أحد.
في القصة الأولى، التي تحمل عنوان «وليمة عيد الميلاد» نحن على موعد مع الراوي جيغانا، الذي لا يتجاوز عمره الثمانية أعوام، والذي يعيش مع أبويه وإخوته في كوخ بائس في أحد الأحياء العشوائية الواقعة عند أطراف أثيوبيا. وتحترف أخته ميشا، وهي في الثانية عشرة من عمرها، الدعارة لتعول الأسرة، فيما تعمد أمها إلى إلهاء صغارها عن الجوع من خلال دفعهم إلى شم الغراء وتأجير أصغرهم ليصبح أداة للتسول.
وقد أجرى أكبان أبحاثا عن حياة أولاد الشوارع الذين يكتب عنهم، ولكن من المؤكد أنه ما من قدر من الأبحاث يمكن أن يفرز هذه التفاصيل والصور المدهشة التي يطالعها القارئ على امتداد صفحات هذه المجموعة، ذلك أن الخيال وحده، مدعوما بالتقميص والاقتراب الحي من الظاهرة، هو الذي يمكن أن يقدم لنا هذا النسيج القصصي المدهش.
لنأخذ مثالاً من تفاصيل الحياة في شوارع نيروبي التي يقدمها لنا أكبانا، حيث نلتقي بطفلان لايزيد عمر الواحدة منهن عن عشر سنوات يعمدن إلى تبيض وجوههن بالمساحيق والوقوف عند أركان الشوارع ليلتقطهن الرجال البيض والسياح، ونرصد الطريقة التي فرضت الأفكار الغربية نفسها بها على كل جانب من جوانب الحياة الإفريقية.
هذه الشخصيات تدهشنا بكل تفاصيلها، وبصفة خاصة باللغات واللهجات التي تتحدث بها ما بين فرنسية يعاد اختراعها تقريباً في كل دولة من الدول الإفريقية الخمس التي تشكل ساحات قصص المجموعة وانجليزية الشوارع الوشحية المشوهة والسواحيلية ولهجات القبائل، مع الحضور الدائم للكلمات الانجليزية والرأسمالية الأميركية في كل مكان.
في قصة «التسمين من أجل الغابون» نحن على موعد مع عمر يتم تكليفه من قبل أبوين أصيبا بالايدز برعاية ابنيهما، ولكنه يخطط لبيعهما في إطار تجارة البشر الناشطة، ولكنه في لحظة مفعمة بالعذاب والتناقض يعجز عن اتمام الصفقة. ويلتقي ابن أخيه، كوتشيكبا، الذي لا يتجاوز العاشرة من عمره مع تاجر البشر القادم من الغابون لأول مرة في فناء عمه فوفو كبي، ليجد أن التاجر يشعر بخيبة أمل شديدة لا يتردد في الاعراب عنها لأن العمر لم يجلب له إلا ضحيتين فقط لتجارته الوحشية.
وتلفت هذه القصة نظرنا بطولها، حتى لتكاد تكون «نوفيلا» أي رواية قصيرة أكثر من أي شيء آخر، ولكنها شأن القصص الأربع الأخرى في المجموعة نفلح في استحضار روح أمة بأسرها وكيف تأثرت أشد التأثير بالصراعات عبر الحدود وبين القبائل والمعاناة من الايدز وتأثير جنود حفظ السلام، بل والشجار بين أفراد العائلة الواحدة.
في قصة «النعوش الفخمة» نحن على موعد مع رحلة في عالم كابوسي في نيجيريا، هذه المرة، حيث تواجه الاضطرابات في شمال نيجيريا بين الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية التي تردد أصداء نظيرتها في الجنوب النيجيري حيث الأغلبية المسيحية والأقلية المسلمة، وتعج الطرق الممتدة بين الشمال والجنوب باللاجئين الذين يتجهون في دفق لا ينتهي بين الشمال والجنوب على متن حافلات لها أول وليس لها آخر.
على متن إحدى هذه الحافلات سنجد أنفسنا أمام رحلة بائسة أخرى، يرسم أكبان ملامحها ببراعة مدهشة، فحينما تتوقف الحافلة للتزود بالوقود، يتدافع الركاب اللاجئون لمشاهدة أجهزة التلفزيون التي تعرض المحطات العالمية عبرها مشاهد من جثث الضحايا وملامح من القتال الضاري في خامفي بالجنوب النيجيري.
يتدخل رجال الشرطة لإغلاق الأجهزة ومنع اللاجئين من متابعة مصير أقاربهم في الجنوب، ما لم يدفعوا المقابل المالي لقاء خدمات القنوات الفضائية أو ما يسمونه «التجارة الالكترونية».
وربما كانت القصة الأخيرة في المجموعة هي الأكثر ضراوة ووحشية، وهذا أمر طبيعي، حيث تجري أحداثها في رواندا، وتصور عائلة ينتمي الأب فيها إلى قبيلة الهوتو والأم إلى قبيلة التوتسي، بينما نجد أن طفليهما هما اللذان تقدم من أجلهما التضحية المطلقة من دون أن تدري هل يمكن أن يكون ذلك كافياً لبقائهما عل قيد الحياة وسط محيط الدم الذي فجره الصراع بين الهوتو والتوتسي.
غير أن الموضوع في هذه القصص ليس هو وحده ما يجعل المجموعة عملاً مدهشاً حقاً، وإنما موهبته الأصيلة في التعامل مع التصوير والرمز وتعمقه في إبداع شخصياته والمكان الذي تجري فيه أحداث قصصه.
ويضاعف من قيمة هذه القصص أن أحداثها تروى من خلال رؤية أطفال إفريقيا لها، الأمر الذي يجعل القارئ يمضي مباشرة إلى القارة السمراء والحياة هناك ومصير هؤلاء الرواة الأطفال.
هذا البعد نلمسه بدقة في قصة »غرفة نوم أبوي«، التي تروي من خلال مونيك الطفلة التي تنتمي إلى فبليتي، والتي تحدثنا عن صديقاتها، وبصفة خاصة عن صديقتها هيلين، التي تنتمي إلى أصغر القبائل وأكثرها تعرضاً للتجاهل، وعندما تبدأ المذبحة ترقب مونيك أبويها وهما ينقذان هيلين الغارقة في الدم، والتي تزحف على التراب وقد تدلت قدمها من غير أن يصلها بباقي جسمها إلا الجلد، شأن حذاء لا يصله بباقي الملابس إلا الرباط وليس القدم.
ولعل أهم ما في هذه القصة أن موهبة أكبان تمنعها من التحول إلى عمل خلافي، جدلي، ونمطي أو إلى درس حول موضوعها، حيث تظل بؤرة القصة متركزة بقوة على مونيك والموت المجاني الذي تصفه لنا.
لقد منح يويم أكبان أطفال إفريقيا هؤلاء صوتا، يدوي الآن في أسماع الدنيا، وألقت مجموعته أحشاء إفريقيا في وجه الدنيا، ببساطة، وعظمة، وبلا ادعاء.
وربما لم يكن من قبيل المبالغة القول إن هذه المجموعة تعد واحداً من أهم الأعمال الأدبية التي أطلت من القارة السمراء منذ رواية «الأشياء تتداعى» للنيجيري شينوا أتشيبي، فعلها لا تلقى المصير نفسه الذي لقيته الرواية، ولعلها لا تبقى دون ترجمة إلى العربية إلا بعد مرور عقود عدة على صدورها.
الكتاب: قل إنك واحد
منهم
تأليف: يويم أكبان
الناشر: ليتل براون
لندن 2008
الصفحات: 233 صفحة
القطع: الكبير
