يمتلك كتاب «في مفهوم التقدم ومعيار النهضة وقضايا أخرى» مشروعيته وأهميته من كونه يطرح تساؤلاً خطيراً يتعلق بموضوع النهضة العربية، فبعد مضي أكثر من قرن على هذا العصر نرى أحوال الأمة العربية قد تراجعت على نحو كبير فلماذا؟ وأين يكمن الخلل؟

وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال يستعرض المؤلف عبد الوهاب محمود المصري معظم الآراء والدراسات التي تتناول هذا الموضوع بشكل عام، ومعضلة النهضة العربية بشكل خاص. يرى الدكتور عبدالوهاب المسيري أن التقدم مرتبط بمرحلة محددة في التاريخ الغربي، وهو الركيزة الأساسية للمنظومة المعرفية المادية الغربية الحديثة، وهو عملية حتمية تتم رغم إرادة الأفراد ولا يمكن لأحد إيقافها، وهو يؤدي إلى حتمية الإيمان بالتغيير فيصبح الجديد إيجابياً والقديم سلبياً. ويذهب الباحث منير شفيق إلى أن عصر النهضة الأوربي يبدأ من مطلع القرن السادس عشر، وهو عصر الانتقال من ظلمات العصور الوسطى التي ساد فيها الإقطاع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وسيطرة الكنيسة، والحكم الملكي المطلق، والتجزئة، إلى العصر الحديث، عصر الحرية والإخاء والمساواة، والليبرالية، والديمقراطية، والوحدة القومية.

من هنا يذهب الباحثون إلى أن التجربة النهضوية العربية الأولى بدأت مع محمد علي الذي لقي من المديح ما لا يحسب الحاسب . ولكن ثمة آراء أخرى مهمة منها رأي أرنولد توينبي تقول بأن محمد علي طبق عملية تغريب منظمة على سكان مصر. وأما الدكتور فؤاد زكريا فيقرر أن محمد علي أول عَلماني حقيقي في العالم العربي الحديث، وصاحب أول مشروع نهضة متكامل قوامه التحديث الشامل على النمط الأوربي.

ويشبه برهان غليون الباشا المصري محمد علي بنابليون بونابرت من حيث انه خلق طبقة أرستقراطية على مقاس حكمه الأوتوقراطي إذ أحاط نفسه بعصبية جديدة سائدة فوق عصبية الممالك البائدة ليؤسس على أنقاضها أرستقراطيته الخاصة وهي نسيج من أقوام الأتراك والألبان والأكراد والشركس والأرمن والأوروبيين.

وعلى ذكر التغريب يمكن القول بأن طه حسين هو من أكثر دعاته وضوحاً وصراحة إذ يقول: علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً. ويرى أن المصريين تعرضوا لألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان و(العرب) والترك والفرنسيين!

ويعتبر المؤلف أن من أهم معيقات النهضة العربية ما يسمى بالغزو الثقافي. وهذا المصطلح لا يروق لمحمد عابد الجابري باعتباره أنه عماد الخطاب السلفي والثوري في الوطن العربي، ويفضل عليه مصطلح (الاختراق الثقافي) الذي يمارسه الغرب بقصد خلق عملية استتباع حضاري، أي فرض نمط حياة معين وخاصة في مجال الاستهلاك والإنتاج من أجل السيطرة على أسواق الآخرين ونهب ثرواتهم وقمع قدراتهم الإنتاجية.

ويتحدث الباحث الدكتور عبد الإله بلقزيز عن العولمة الثقافية باعتبارها فعلَ اغتصاب ثقافياً وعدواناً رمزياً على سائر الثقافات الأخرى. إنها رديف الاختراق الثقافي الذي يجري بالعنف المسلح والتقانة.

وخلاصة القول ان فشل النهضة العربية عبر أكثر من قرن من الزمان يعود إلى عوامل داخلية تتضمنها شخصية العربي المليئة بالقصور العلمي والمعرفي وبالغيبيات والخرافات والاتكالية، ووجود مفكرين عرب يدعون إلى تقليد الغرب واتباعه، وعوامل خارجية تتعلق بالغزو الإعلامي الثقافي والغزو العسكري المباشر، ولا شك بأن احتمالات النهضة ما تزال مفتوحة لدى الأمة العربية، شريطة أن يهب أبناؤها المخلصون لوضع الأسس النظرية والمعرفية لنهضة خاصة بهم تستفيد من الآخرين ولا تتبع لهم.

الكتاب: في مفهوم التقدم ومعيار النهضة وقضايا أخري

تأليف: عبد الوهاب محمود المصري

الصفحات: 280 صفحة

القطع: المتوسط

خطيب بدلة