يخلص كتاب «السياسة وسلطة اللغة» لمؤلفه د.عبد السلام المسدي إلى أن اللغة أضحت هي النواة المركزية الجديدة للكون، وأنها مركز الفعل الذي يتحول الإنسان فيه من واقع الإدراك والتأمل إلى ساحة تغيير ما يتأمل فيه.
ولعل الطريقة التي اعتمدها الباحث في البحث والمتمثلة في الانتقال من المستوى النظري التحليلي إلى المستوى الوقائعي التطبيقي تساهم في الكشف عن الكيفيات والأساليب التي يتم فيها توظيف اللغة لخدمة السياسي انطلاقا من إدراك الأهمية الخاصة للوظيفة التي باتت تلعبها اللغة على هذا المستوى .
حيث يقدم الباحث الكثير من الوقائع والأحداث التي حاول خطاب اللغة المراوغ فيها أن يوظف الصورة أو المعنى غير المباشر او شعرية اللغة لإخفاء وتمويه مقاصده الحقيقية مستخدما سلطة اللغة لإنجاز هذا الهدف.
حيث يقوم المجال السياسي من فرض قوانين أخرى في إدارة العلاقة بين اللغة ودلالاتها سواء ما يتعلق منها بدلالة النشأة أو دلالة المقاصد كون الحدث السياسي يظل حقيقة موازية لذاتها، في حين أن قراءته حقيقة مفارقة له ومحايثة للقارئ. ويركز الباحث على دور الصورة الفنية في نسيج الخطاب السياسي بوصفها محاولة ارتقاء بالتعبير من خلال الصورة إلى صياغة موقف من الحدث السياسي.
كما يتناول الكاتب العلاقة بين الصورة والألوان حيث يكشف من خلال قراءته في التراث الإنساني عن محاولات السياسة توظيف الصورة الفنية في عمليات الإقناع ومخاتلة السامع لاستدراجه إلى ما يريد صاحب الخطاب، إذ كانت الخطابة على مسرح السياسة جسرا مزدوج المسار فهي الآن نفسه أداة للإبلاغ ووسيلة للتأثير.
وإذا كان بلوغ الوظيفة الإبلاغية والتأثيرية في الماضي يتناسب تناسبا طرديا مع وزن الخطاب كما وكيفا، حيث كانت الشعرية رديفا ملازما للخطابة المحققة لفاعلية اللغة في مجال التواصل السياسي، فإن الأشياء قد تغيرت ومن ورائها تبدلت مرجعيات اللغة السياسية والبلاغة السياسية التي تجسد سلطة اللغة.
وتتجسد بها تعد المحرك الأقوى للإنجاز الإجرائي، ولذلك فإن المتكلم ليس بمقدوره أن يخلق الصورة البلاغية بكل تناظراتها إن لم يكن متمرسا بصناعة الخطاب، لهذا وبعد تقديم الكثير من الأمثلة الدالة على هذه الحالة يجيب على سؤاله السابق المتعلق بالمصدر الذي تستمد منه اللغة سلطتها ودلالاتها اليقينية بالقول إنها تأتي من الائتلاف الجديد بين القول السياسي والصورة الشعرية فهي الفاتح لكل منافذ الاختراق الذهني والنفسي في أعمق الأغوار.
ويشير الباحث إلى أن الذاكرة الإنسانية تحفظ لحظات استولت فيها الدلالة السياسية على الدلالة الطبيعية فحولت اللون إلى رمز وظيفي تخالطه المقاصد العرفية كما هو الحال مع بداية النضال من أجل الدفاع عن حقوق السود، إذ انتقل الوضع من دلالته الطبيعية إلى دلالته السياسية الرمزية.
ولعل الذاكرة العربية المشحونة بخانة الألوان، وفي مقدمتها الثنائية التقابلية بين البياض والسواد توضح سلم القيم المعيارية التي تمنح البيض إيجابية كاملة والسود سلبية كاملة حيث تغطي مظلة الدلالة الطبيعية من خلال هذا التعارض كل قرائن الدلالة الاصطلاحية والرمزية معا. والشيوعيون استخدموا اللون الأحمر وسموا جيشهم بالجيش الأحمر وكذلك استخدم الحزب الجمهوري في أمريكا اللون الأحمر واستخدم الحزب الديمقراطي اللون الأزرق، أما الأحزاب المدافعة عن البيئة فاستخدمت اللون الأخضر.
إذا كان الإنسان يقف بين اللغة والسياسة فاعلا ومفعولا به، فإن اللغة والإنسان والسياسة يمثلون منظومة متكاملة من السلطة تحيط بها مملكة الدلالة فالألفاظ على المستوى المعجمي هي السلطة التشريعية والمعاني التي يقرها العرف في التداول هي السلطة التنفيذية، أما السلطة القضائية فرمزها المقاصد التي تثوي بإضمار ويستغلها السياسي ليصنع بها التضمين على الرغم من معرفته بأنها مخالفة بذلك للدلالات الظاهرة وأنها محتجبة بمقاصدها المتوارية عن الجمهور.
لقد تعددت النواميس الخطابية التي هي ذات علاقة وثيقة بالسياسة وكان مما شاع في هذا المجال ظاهرة البيانات السياسية لأنها تقوم مقام الدستور الوضعي في أعراف الالتزام السياسي، وقد ظل تأثير النضال السري فاعلا في بلورة بلاغة تلك اللغة، في حين ظلت الصورة الشعرية هي الوافد الأكبر الذي يقوم بعملية الوصل بين كل العصور فتنصهر به اللغة في الفعل السياسي وتبقى سلطة قائمة في الذاكرة كما هي قوة مؤثرة في القرار.
لقد أدت الآليات الطارئة على تاريخ المجتمعات الإنسانية إلى إفراز أنماط من الخطاب تحمل في ثناياها شعريات ذات خصوصية دقيقة.
وقد شكلت صناعة الخطاب منذ القديم الوجه الآخر للسياسة لكن تفجرا داخليا حدث في منظومة النص السياسي وحصل عنه تشظي في تركيبة النص البلاغي الذي تصنعه السياسة أو تسيسه المقاصد المضمرة خدمة للسياسة ومن الظواهر التي طرأت على التاريخ المعاصر فعملت على تغيير جوهر العلاقة بين الخطاب السياسي والصوغ الإبداعي ازدهار آليات الإشهار( الإعلان).
يذهب المسدِّي إلى أن السياسة لغة واللغة سياسة لأن اللفظ في الاستخدام يتحول من مجرد دال على مدلول إلى موقف ومن ورائه اختيار كامل إذ يمكن أن يكون في استعمال الكلمة أو العبارة ما يتجاوز حدود الواقعة، ثم ينتقل لدراسة دلالة اللغة وامتحان السياسة .
حيث يرى أن الواقع السياسي الجديد قد سلب من الإنسان حرية التعامل مع اللغة ولعل اختلاط المسؤولية اللغوية بالمسؤولية السياسية كان الجنين الذي تخلقت نطفته في رحم الأحداث المزلزلة لكل ثوابت الفكر الإنساني لكنه يعود من جديد ليطرح سؤاله المركزي أيهما أرجح سلطة اللغة في السياسة أم سلطة السياسة في اللغة.
وفي الفصل الذي حمل عنوان تجليات الشعرية السياسية يستهل القول بأن شعرية القول السياسي هي التي تضمن بقاءه شاهدا على صاحبه وعلى سياق إنتاجه وهي التي تنتقل به من الانتساب إلى المخصوص.
وكم من شعار تبنته الأمم وازدهت به الثقافات ولم يعد موجبا البحث عمن قاله أولا لأن الحقيقة التي هو حامل بها تخترق حواجز الانتساب وقيود المحايثة. لكن البلاغة في القول السياسي وظائف تتلون بألوان المقاصد والأهداف ومن شعريتها أنها تقول شيئا وتضمر أشياء ويمكن للصورة المجازية فيها أن تكون مضللة.
الكتاب: السياسة وسلطة اللغة
تأليف: د.عبد السلام المسدّي
الناشر: الدار المصرية
اللبنانية ـ القاهرة 2007
الصفحات: 275 صفحة
القطع: الكبير
مفيد نجم
