يرصد كتاب «العيب في ذات أفندينا: دراسة تاريخية موثقة من 1866 حتى اليوم» للكاتب الراحل.

يونان لبيب رزق، لقضية المسميات والألقاب التي يتعامل معها الشارع المصري على مدى عقود مثل: أفندينا وسلطان وباشا، وريس، هذه القضية التي تعرض لها الحقوقيون أكثر مما تعرض لها المشتغلون بالكتابة التاريخية مع أنها كانت مرهونة دائماً بالظرف التاريخي، إلا أن د. يونان رأى إعادة الظاهرة إلى مرحلة ما قبل إنشاء مجلس شورى النواب عام 1866 فظهور المؤسسة التشريعية يعني وجود العديد من الآراء التي يمكن أن يتناقض أحدها مع رأي صاحب (الذات الخديوية) وهو ما لم يتأخر كثيراً فجرى على عهد خلفه الخديوي توفيق سواء في مظاهرة عابدين الشهيرة في 9 سبتمبر 1881 أو في جلسة مجلس النواب التي تعالت فيها الأصوات التي تنتقد تصرفات الخديوي والتي وصلت إلى المطالبة بخلعه ثم إن نفس الفترة شهدت ظاهرة (الصحافة الأهلية) وكانت بذلك طرفاً ثالثاً في المعادلة.

فإن ما عمد إليه البعض من انتقاد لتصرفات الخديوي إسماعيل، الأمر الذي عرض جريدة «الأهرام» على سبيل المثال للإغلاق.

ولم يكن قد مضى على صدورها إلا شهوراً قليلة، ناهيك عن الصحافة الصادرة في فترة الثورة العرابية التي كانت تهاجم توفيق عياناً بياناً، ثم إنه ـ د.يونان ـ رأى الامتداد بالظاهرة إلى ما بعد صحيح أنه قد تم إلغاء الملكية عام 1953 وبالتالي سقط النص من الدستور القاضي بالعيب في الذات الملكية، غير أن ذلك كان صحيحاً فقط من الناحية النظرية أما من الناحية العملية فلم يكن مسموحاً بالعيب في ذات رأس الدولة.

ويستعرض د. يونان لبيب رزق بعض النماذج التي كسرت هذه القاعدة في التاريخ المصري المعاصر مثل أحمد حلمي ذلك الشاب الذي عمل محرراً في جريدة «اللواء» الناطقة بلسان الحزب الوطني وكان مقرباً من زعيمه مصطفى كامل، ولما توفي الأخير أسس الأخير صحيفة «القطر المصري» هاجم فيها الخديوي عباس حلمي، في سلسلة مقالات بعنوان «مصر للمصريين» وانتهى الأمر بحبسه عشرة شهور عام 1909 ثم إغلاق الصحيفة في 1910.

ويتناول الكتاب نماذج أخرى مثل د. محمود عزمي ومقالاته المطالبة بتطبيق مبدأ الملك الذي يملك ولا يحكم في صحيفة «السياسة» الناطقة بلسان الأحرار الدستوريين، وانتهت بحبسه ستة أشهر. قال الكاتب عباس العقاد: ليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس في البلد في سبيل صيانة الدستور وحمايته.

وتصور العقاد أنه أفلت بفعلته، بعدما كتب مقالاً في جريدة«كوكب الشرق» ينكر فيه أنه قال أكبر رأس بل كل رأس، وأن دعوته لحماية الدستور ليست ضد الملك، وإنما هي لصالح الملك والشعب معاً، لكن ذلك أيضاً لم يشفع له، إذ تحين القصر الفرصة بعد سقوط دستور 1923 وصدور دستور 1930 في عهد إسماعيل صدقي لتحاسب العقاد والوفد بأثر رجعي، خصوصاً أن العقاد لم يرعوي واستمر يهاجم القصر ويصفه بالرجعية والاستبداد.

وفي 31 ديسمبر1930 أمرت المحكمة بحبس العقاد تسعة أشهر.. إذ تيقنت المحكمة أن العقاد كان يقصد الملك بالحديث عن الرجعية، وأنه بذلك ارتكب جريمة العيب في الذات الملكية الرفيعة، فأسند إليها أموراً تظهر الملك بمظهر المعتدي على حقوق الأمة . ويضم الكتاب نماذج أخرى وعدداً من الوثائق ووقائع المحاكمات ودفوع المتهمين.

وعقب تحليله لهيبة الدولة الآن في مصر رأى د. يونان لبيب رزق أن الأمر يتطلب إصلاحات في النظام السياسي والاجتماعي القائم وهي إصلاحات قد تقضي باتخاذ إجراءات قد تبدو مؤلمة لبعض القائمين على السلطة ولكنها سوف تكون يقيناً أقل إيلاماً مما يجري الآن والذي ينذر بوقوع مصر في أيدي حكومة سلفية تحل محل الحكومة المدنية التي عرفتها قبل قرنين من الزمان بكل النتائج الوخيمة التي تترتب على ذلك وحدد عدة مرتكزات لهذه الغاية:

أولاً: مطلوب سياسات حزبية غير تلك السياسات التي ورثها الرئيس مبارك عن عهد الرئيس السادات والتي أكدت عقم فاعلية الحزب الوطني، ودعا إلى إعادة بناء الحزب بشكل يختلف عن الطابع الهرمي القائم واختيار كوادره بالانتخاب وليس بالتعيين وأن يرفع شعاراً يناسب المرحلة يجتذب العناصر الشابة في الجامعة وخارجها بعد تعاظم شأن الجماعات الدينية التي اجتذبت الشباب الذين لم يجدوا البديل المناسب والتي تسعى إلى إخراج الوطن عن دائرة العصر، مضيفاً أن التغيير مطلوب حتى لو اقتضى الأمر أن يهجر الرئيس الحزب ويشكل حزباً جديداً يختار فيه العناصر الفاعلة من الوطني.

ثانياً: مطلوب إنهاء دور لجنة الأحزاب في مجلس الشورى التي أنبتت مجموعة من الأحزاب كل هم رؤسائها الحصول على المعونة السنوية التي تقدمها الحكومة من أموال دافعي الضرائب التي لا يشعرون بوجودها وبعد قطع هذه المعونة فلن تبقى على الساحة سوى الأحزاب الحقيقية الوفد والتجمع والناصري وأي حزب آخر يلبي مطالب فئات عريضة من الشعب.

ثالثاً: مطلوب حملة تطهير للإدارة الحكومية يشعر معها الفاسدون والمفسدون أنه قد عاد للقانون هيبته حتى لو اقتضى الأمر تشكيل لجنه خاصة من شخصيات مستقلة مشهورة بطهارتها لتحقيق هذا الغرض ولا يكتفي بالأجهزة المعنية بذلك حتى لو كان اسم رئيس إحداها في الوقت من الأوقات على اسم الدكتاتور الألماني المشهور هتلر.

محمد الحمامصي

الكتاب: العيب في ذات أفندينا: دراسة

تاريخية موثقة من 1866 حتى اليوم

تأليف: د. يونان لبيب رزق

الناشر: دار الشروق

2008

الصفحات: 234 صفحة

القطع: المتوسط