يحاول كتاب «العميل بابل .. الرجل الذي زلزل عرش مصر» لمؤلفه عصام عبد الفتاح الإجابة عن السؤال المحير.. من هو أشرف مروان ؟!
وهو الرجل الذي وصفوه بأنه أكبر علامة استفهام في التاريخ المخابراتي لما بعد يونيو 1967، وأسئلة أخرى كثيرة تحول بينها وبين إجاباتها ستائر سوداء حول حياة رجل كان عالمه الخاص غامضا، مثلما كان هو نفسه أكثر غموضا، لتصبح الكثير من ملامحه غير معلنة، ربما لطبيعته الشخصية أو لأسباب خاصة به.
يبدأ المؤلف في كشف أوراق لغز هذه القضية، فيذكر: ظهيرة الأربعاء الموافق 27يونيو 2007 فوجئ المارة والسكان بشارع «سان جيمس» أحد أشهر شوارع العاصمة البريطانية بصوت ارتطام شديد يقطع صمت المكان وهدوءه المعتاد، هرول الجميع ناحية مصدر الصوت ليتفاجأوا بجثة رجل في السبعين من عمره ملقاة بحديقة المنزل الذي سقط من أعلاه، وقبل أن يتساءلوا فيما بينهم من يعرف الرجل، كان أفراد الأمن بالنيابة يشيرون إليه ويقولون إنه «مستر مروان» رجل الأعمال المصري الذي يقيم بالدور الخامس.
ويتحول المؤلف للحديث عن حكاية العميل بابل، فيجيب على تساؤل هل كان أشرف مروان عميلاً مخابراتيا؟ .. فيؤكد أنه «لا مستحيل» في عالم المخابرات، ولكن لصالح من وضد من لعب أشرف مروان دور العميل المزدوج الذي أداه ببراعة شديدة؟
هناك روايتان مختلفتان لتجنيد أشرف مروان تحكيان كيف بدأت العلاقة بينه وبين المخابرات الإسرائيلية، الأولى يحكيها «هوارد بلوم» في كتابه «عشية الدمار»، والثانية يحكيها «أهارون برجمان» أول من فجر القصة عالميا بشكل مكثف، بل اعتبرها بحسب تعبيره فيما بعد «أخطر خبطاته الصحافية»، ويحكي تلك الحكاية في كتابه «تاريخ إسرائيل».
ويقف المؤلف أمام هاتين الروايتين المختلفتين لبداية علاقة أشرف مع المخابرات الإسرائيلية، فيذكر: أجمعت كلتا الروايتين على أن أشرف هو الذي سعى متطوعا للتعاون مع المخابرات الإسرائيلية، وهدفه الحصول على المال، والمال فقط بدليل قوله، على حسب روايته برجمان - وهي بالمناسبة الرواية الأكثر شيوعا - إنه سيسركم دفع المال لي أي أنه كان يعدهم بما لم يحلموا به.
وبينما نحاول أن نصدق الرواية الإسرائيلية نتساءل: كيف تعاملت إسرائيل مع العميل بابل بعد انتهاء حرب أكتوبر؟ وكيف كانت صورة التعامل بفرض استمراره؟
فالمؤكد أن عميلاً بأهمية مروان يجب استثماره لدى أي جهاز مخابرات لأقصى مدة ممكنة، خاصة أنه استمر يشغل مناصب عديدة وحساسة في مؤسسة الرئاسة وبعدها في هيئة التصنيع والإنتاج الحربي التي أقيمت أساسا لتسليح الجيوش العربية لمواجهة الدولة التي تعتبر العدو الأول للدول العربية مجتمعة والتي يحمي أمنها جهاز المخابرات الذي يعمل لصالحه.
ويتحول الكاتب إلى فترة بداية الثمانينات في حياة أشرف مروان، قائلاً: بعد أن ترك أشرف عمله في السلك الدبلوماسي، سافر إلى لندن متخذا منها مركزا خاصا لأعماله التجارية، ووقتها لم يكن أحد في لندن يعرف الكثير عن أشرف مروان، وعندما بدأ رجال الأعمال يتساءلون: من يكون هذا الشخص المجهول.
ويفتشون وراءه، اكتشفوا أن المشروع الذي تم من شركة تسمى «كوبرا»، وتأكدوا أن هذا الرجل قام بالمشروع لحسابه وحساب آخرين دعموه بالمال اللازم، فبدأوا يبحثون لصالح من يعمل؟ وجندوا لذلك شخصا مصريا يسمى «علي أمين» غير علي أمين الكاتب الصحافي بالطبع، يملك مقهى صغيرا اسمه «تشيكرس».
وكانت أهم الصداقات التي مكنت أشرف من اقتحام عالم المال والأعمال في عاصمة الضباب بقوة، هي علاقته مع «تايني رولاند» الملياردير البريطاني المشهور الذي ينتمي إلى عائلة بريطانية عريقة تمتلك إمبراطورية مالية ضخمة، وتسيطر على قطاع كبير من الاقتصاد البريطاني، وبدأت هذه العلاقة العام 1979 عندما اشترى أشرف مروان 40% من أسهم شركة «تريدزويند» الذي ينصب عملها في تجارة السلاح، وكان هذا أول بيزنس رسمي بينهما.
ويشير عبد الفتاح إلى علاقة أشرف مروان برجل الأعمال المصري محمد الفايد، قائلاً: المعروف أن الفايد الذي غادر مصر بعد تأميم ثروته في عهد عبدالناصر، كان ينظر إلى مروان من علياء باعتباره ينتمي عائليا إلى عبدالناصر غريمه الشخصي، والرجل الذي يرى فيه عدوه الأول، وجاء زوج ابنته وراءه إلى لندن ليواصل مسيرة صهره الراحل ويخوض ضده حروبا أخرى، منها وقوف أشرف مروان بجانب الملياردير الإنجليزي «تايني رولاند» من أجل الفوز بصفقة محلات هارودز الشهيرة الذي كان ينافسه فيها الفايد، ودخل الصراع بين أشرف والفايد منعطفات كثيرة ومختلفة، كانت جميعها تنبع دائما من تعارض مصالحهما المالية بطريق مباشر أو غير مباشر.
ويشير المؤلف إلى اتهامات طالت أشرف مروان، فيقول: كانت حياة مروان صراعاً دائما، في كل وقت وكل اتجاه وطالته العديد من الاتهامات وصفته بأنه كان ضليعا في التخطيط والتمويل للعديد من العمليات الإرهابية، لكن بقي اسم أشرف يتردد في العديد من القضايا الأخرى وصل فيها الاتهام بالقتل، لكن دون أدلة أو أسانيد تؤكد هذه الاتهامات أو تنفيها، لعل أشهرها كان اتهامه بأنه وراء مصرع «الليثي ناصف» و«سعاد حسني» و«ديانا ودودي الفايد»وكانت كل هذه الاتهامات مجرد ادعاءات وأقاويل بلا سند.
ففي قضية «ديانا ودودي الفايد» أجمع الكثيرون على حقيقة وهي أن خصوم الفايد وأعداءه وهم كثيرون استشعروا خطرا شديدا على مصالحهم الخاصة بعد ما تردد عن عزم دودي الفايد والأميرة على الزواج، وبات الزواج وشيكا بعد ما تردد أيضا أن الأميرة حامل بالفعل من دودي وهي في نفس الوقت أم ولي العهد الذي سيحكم المملكة إن آجلاً أو عاجلاً.. أي أن محمد الفايد من الممكن أن يصبح بين عشية وضحاها جداً لشقيق ملك بريطانيا القادم، وما سيمنحه هذا الوضع من مكانة اجتماعية وثقل اقتصادي غير مسبوق .
ويقول عصام عبد الفتاح مات أشرف مروان وبقي ملف مصرعه مفتوحا بكل احتمالاته، أوراق الملف تحمل الكثير من علامات الاستفهام، التي تشير بأصابع الاتهام إلى جهات مختلفة، لكنها في النهاية تحولت جميعها إلى أسئلة بلا أجوبة، منها سر الصورة التي كان مروان يحملها حتى اللحظات الأخيرة في جيبه صورة تسجل اللحظة التي منحه فيها الرئيس السادات وسام الجمهورية من الدرجة الأولى، وهناك علامة استفهام أخرى عندما شاهده أحد أصدقائه في شرفة منزله وهو يتحدث في الهاتف المحمول وبينما هو ينظر إليه فوجئ به يسقط بعد أن اختل توازنه.
الكتاب: العميل بابل... الرجل الذي زلزل عرش الموساد
تأليف: عصام عبد الفتاح
الناشر: دار الكتاب العربي القاهرة 2008
الصفحات: 166 صفحة
القطع: الكبير
(دار الإعلام العربية)
