يسعى فخري كريم في كتابه الجديد « لكي لا أستقيل من هذا الوطن» إلى تشخيص المرض العراقي، فهو يضع يده على الجرح، ويحلل طبيعة الوضع القائم، ويلامس هموم وآلام مواطنيه العراقيين، ويمضي في هذا الكتاب، الذي يضم بين دفتيه مقالات وافتتاحيات نشرتها صحيفة «المدى»، إلى رسم خارطة جديدة لوطن عانى الخراب لسنوات، وها هو ينهض من بين الركام بحثا عن قبس من نور في نهاية النفق المظلم.
الكتاب هو «برقيات عن دقائق الوضع العراقي ويومياته وظروفه المتغيرة» كما يقول الشاعر اللبناني عباس بيضون في مقدمته للكتاب، ورغم هذه الأحوال المتغيرة والطارئة إلا أن كريم يجازف في كتابه بالحديث عن التفاصيل الدقيقة في المشهد السياسي العراقي، ويجلي ما يجري خلف الكواليس والأبواب المغلقة، ويرصد يوميات ووقائع عابرة، ويراقب أحداثاً متذبذبة، ومفاجئة بلغة صحفية طازجة، وحية.
وهو يظل، رغم ذلك، واضحا في خطابه الإعلامي ومنسجما مع أفكاره، ووفيا لقناعاته ومبادئه في أكثر من خمسين مقالة يضمها الكتاب، فهو لا يتوانى، مثلا، عن تسمية ما يجري في العراق بـ «الاحتلال»، ولا يتأخر في فضح ممارسات شركات الحماية الأمنية الأميركية، المنتشرة في العراق، والتي تشيع الرعب بين المواطنين العراقيين، مثل «بلاك ووتر» و«يوني غروب»، فهو يصف هذه الشركات بـ «القطعان السائبة» التي تروع العراقيين، وتعبث بأمنهم وأرواحهم.
وفي الوقت الذي ينتقد فيه سياسات الحاكم الأميركي بول بريمر الذي يصفه من باب السخرية بـ «القيصر»، فانه يعرب، كذلك، عن استيائه من إقدام سلطة الاحتلال على حل الجيش العراقي، ووزارة الإعلام وسواهما من المؤسسات التي يعتبرها كريم مكسبا للشعب العراقي لا علاقة للنظام البائد به، وهو إلى ذلك ينتقد أداء رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي في بعض القضايا والمسائل، مثلما ينتقد أداء سلفيه ابراهيم الجعفري، وأياد علاوي.
إن قراءة متأنية لهذا الكتاب تقودنا إلى أن كريم حذر في التعاطي مع القضايا الحساسة، والتي تبدو للوهلة الأولى نافلة، فهو ينتقد بشدة انتهازية بعض المسؤولين السابقين والحاليين، معربا عن استغرابه من امتلاك كل واحد من هؤلاء لصحيفة وفضائية، وطائرات خاصة، وسواها من الثروات والممتلكات التي تبرهن على مسلك غير نظيف، وهو يشير في أكثر من مكان إلى مواقع الخلل، إذ يقول لقد أصبحت كل أشكال التعديات، ظواهر تتسلل إلى حياتنا اليومية، فاختطفت من مواطنينا كل شيء بما في ذلك الحارات والأرصفة والشوارع التي باتت زواياها مسكونة بالموت المجاني . ليس من شأن الصحافة المسؤولة والجادة أن تجمّل الأوضاع.
وان تصوغ تقارير كاذبة لأغراض مختلفة، وان تقدم تفاؤلا مزيفا للقارئ، ولعل كريم يدرك مثل هذه الحقيقة، فها هو يصف الواقع العراقي على هذا النحو الجارح: تغيير عن طريق ولادة قيصرية مؤلمة، حدود مفتوحة، إعلام معاد يصول ويجول، احتلال يقدم أمثولة عن سخفه وسوء إرادته وإدارته، مجتمع سفلي يقدم عرضا في النهب والسلب والحرق والتدمير المجاني، مكاسب إيديولوجية ودعائية على حساب آلام العراقيين البؤساء بسبب الطريقة المهلهلة التي حدث فيها التغيير: إنها صورة مفزعة وقاتمة، وبداية سيئة للحرية .هذه البداية السيئة للحرية المنشودة تتكئ على تاريخ طويل من القمع والاضطهاد والتسلط، وعليه فان كريم لا يعفي النظام العراقي السابق مما آلت إليه الأوضاع في بلاده،.
ففي كل مقال، تقريبا، لا بد وان يصب كريم اللعنات على نظام جر البلاد إلى حروب مجنونة، وإعدم الكثير من المناهضين لسياساته الحمقاء، وحرث ارض السواد بقبور جماعية، ليخلف في العراق إرثا من الحقد والكراهية والتعصب يصعب إزالة آثاره وتداعياته بسهولة، ولكن هل الصورة قاتمة إلى هذا الحد؟
ثمة تجربة في تاريخ العراق الحديث تبرر بان الأمل مشروع وسط هذه اللوحة القاتمة، فإذا كانت ثورة 14 تموز 1958 التي قادها عبد الكريم قاسم نقطة تحول مضيئة في تاريخ العراق المعاصر، كما يشير كريم في كتابه، والتي أجهضت بانقلاب 8 شباط 1963 الذي قاده البعثيون، فإن العراق اليوم، أيضا، مرشح لأن يستعيد مكانته، ودوره، وسيادته الكاملة، ويتعافى من الفوضى العارمة، وذلك بجهود أبنائه المخلصين من الأكراد والعرب، ومن مختلف الطوائف الدينية شريطة أن تكون المواطنة أساسا لأي تحرك أو مسعى يبذل هنا وهناك.
في ملف القضية الكردية يرى فخري كريم بان ثمة تلازما موضوعيا بين الديمقراطية وبين حقوق الشعب الكردي الذي ذاق الأمرين على يد نظام بعثي سعى إلى تعريب المناطق الكردية وحرم الأكراد من أبسط حقوقهم، ويؤكد فخري كريم، بحكم صلاته القوية مع الزعيمين الكرديين جلال طالباني ومسعود بارزاني، بان تبني برلمان كردستان العراق لشعار الفيدرالية جاء لتأكيد وتكريس وحدة العراق، ووحدة الشعب العراقي، وليس لدفع البلاد إلى متاهات الانفصال، كما تزعم الأوساط المعادية لتطلعات الشعب الكردي القومية، وطموحات الشعب العراقي الديمقراطية .
وفي خضم الانهماك بالشأن العراقي اليومي المتقلب، وفي ظل التركيز على الأزمات التي يعيشها العراقيون، فان فخري كريم لا ينسى قضايا تتصل، بشكل أو بآخر، بالوضع العربي المأزوم، فهو يرثي الكاتب والصحافي اللبناني سمير قصير الذي اغتيل دون ذنب سوى انه قال كلمة حق في زمن كئيب، وكذلك يرثي الروائي الكبير عبد الرحمن منيف، إذ يرى فخري كريم بان مأثرته تكمن في انه ترك عطاء إبداعيا متجددا عبر نصوص لا يقبل الانغلاق
الكتاب: لكي لا أستقيل من هذا الوطن
تأليف: فخري كريم
الناشر: دار المدى ـ دمشق 2008
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
ابراهيم حاج عبدي
