مازالت في الذاكرة والوجدان تلك «الشكمجية» النحاسية ذات النقوش التي تعكس آيات قرآنية بخط مزخرف يغازل عيوننا وقت كنا صغاراً، عندما يقودنا الفضول ونجلس مع الجدة عندما تفتح كنز الكنوز ـ أي علبة المجوهرات ـ ذات المشغولات النحاسية.

حوار من الصمت يداعب خيالنا، وجمال النقوش يرسخ في الذاكرة.. حتى الآن.. فالإبهار ضمن مفردات لزمن جميل ولى، ولكننا نتمسك بخيوطه حتى الآن. مزيد من الفضول كان يدفعنا لمعرفة لماذا يأتي أحد الصبية من العاملين بالنقوش النحاسية إلى منزلنا مرة كل عام. كانت الإجابة التي محت الفضول بأنه سيأخذ القطع النحاسية المتناثرة في بيوت زمان لتلميعها، فلم يخلُ بيت من »الطشت« النحاسي وهو من أول مشتروات العروس في جهازها، منمنات نحاسية تتناثر في خيلاء على »ترابيزات« من خشب الأبانوس الذي جاء مسافراً من جنوب إفريقيا ليحط برحاله في منازل زمان، فيزيدها روعة وجمالاً وأصالة للنحاسيات حكاية تحكى.. ولكن من أين نبدأ؟ جمالياتها.. تاريخها.. رحلتها مع الأصالة.

فلنبدأ من هنا. من شارع عريق بالقاهرة يحمل اسم »النحاسين«، ولكنه ليس مجرد طريق للمارة وعابري السبيل، فهو رمز من رموز هذه المهنة.. مهنة النقش على النحاسيات.

يقع الشارع في منطقة تطل من التاريخ والحاضر معاً ومن هنا كانت عبقرية المكان.. خان الخليلي، الذي يزدحم بحوانيت وورش صغيرة فقط للنحت على النحاس.

هل كل جميل وأصيل وراقٍ يكتب عليه الاندثار؟ أم سيظل يقاوم لإثبات حضوره؟ نعم، قاوم واستمر ولكن بشروط الحاضر غير المنصفة.

مهنة النقش على النحاس لم يتبق من صناعها إلاّ القليل، كانت تبدأ بالمتخصص الذي »يبيض النحاس« وخاصة »الطشوت« النحاسية الكبيرة التي لم يخل منها بيت، ولكن الأجيال الجديدة قاومت وتمسكت بالمهنة حتى لا تضيع وسط زحام حياة مختلفة، خفيفة في الجوهر والمظهر، فقد أخذت مكان النقوشات النحاسية معادن صماء، لا تعرف للجمال والأصالة طريقاً.

ولكن مازالت المهنة قائمة، فالبقاء لكل أصيل وجميل.. فهذه المهنة يبدأ فيها الصبية وهم في مقتبل العمر في السادسة أو السابعة من عمرهم، ينزلون الورش مع الأب والجد، ليتعرفوا على »الصنعة« حتى تصير جزءاً منهم.. فالورش هي مدارس لتعليم المهنة التي تختص بها أسر بأكملها تتوارث النقش وزخارف النحاس.

وهي حرفة تعتمد على إجادة الخط العربي، وأيضاً إجادة الرسم والزخرفة.

ولكن هل يكفي لبقاء هذه المهنة أن تباع فقط في الأسواق المحلية، في القاهرة ودمشق والمغرب العربي، يقول أحد الحرفيين إن الأسواق المحلية ليست كافية، ولانتعاش مهنة النقش على النحاسيات لابد من فتح أسواق جديدة عالمية، وبالفعل هناك دول أوروبية تستورد المشغولات النحاسية من مصر، وأخيراً أصبحت تعرض في المزادات العالمية مثل مزاد »سوثبي« اللندني الذي يباع فيه كل ما هو نفيس وأصيل وراق، يضارب في هذا المزاد اللندني الشهير، أثرياء العالم من عرب وأجانب، وقد وصل بيع »ترابيزة« نحاسية متوسطة الحجم متميزة بنقوشاتها البارزة.

والتي تأخذ شكل زهرة اللوتس محاطة بنمط لزهور صغيرة أخرى، بيعت في هذا المزاد، بمليوني جنيه إسترليني، وهي خرجت من شارع النحاسين قاصدة مزاد سوثبي البريطاني منذ ثلاث سنوات، وكانت من نصيب ثري بريطاني، عاش في القاهرة، وتعلم في الأزهر الشريف، وهو من المستشرقين الغارقين في حب التراث والأصالة وهو »السير جيمي رودز«.

والطريف أن أحد العاملين والراسخين في هذه المهنة، الحرفي القديم الملقب »النحاس باشا«... وهو رجل مسن، ضحوك، التفاؤل من سماته، ويعتقد إن هذه المهنة لن تزول، فمازال الكثيرون في مصر والشام يلهثون وراء الأصالة، وتعتبر حالياً القطع الكبيرة هي المطلب لهؤلاء العاشقين للمشغولات النحاسية، فالطلب على المزهريات النحاسية الكبيرة له رواج بالإضافة للاباجورات، وأحياناً أطقم متكاملة من الأطباق المنقوش عليها الآيات القرآنية وزخارف الزهور والأشكال الهندسية.

وللمحافظة على هذه المهنة لابد من إنعاشها مرة أخرى وأن يكون الإقبال على تعلمها قائماً مثلما كان من قبل، بالإضافة إلى ضرورة ترميم الأماكن الأثرية، وبالتالي تنتعش هذه المهنة لأن الأماكن هذه بها مساحات من النحاسيات المشغولة طمس الزمن ملامحها.

ولكن ما هي الأدوات القديمة التي تستخدم في مهنة النقش على النحاس؟

الأقلام والأزميل والمطرقة هي الأدوات الأولية التي لا غنى للحرفي عنها، بالإضافة إلى حرفيته وخياله الخصب الذي يبدع هذه النقوش، والتي تعكس أيضاً وصف المعارك التاريخية ورسوم الطيور والزهور والآيات القرآنية.

والحفر هو الأساس في هذه المهنة باستخدام المطرقة والأزميل، وتعشيق الخيوط الذهبية والفضية فيما بين النقوش فتزيدها، جمالاً وأصالة وقيمة عالية، وهذه النوعية بخيوط الذهب والفضة باهظة الثمن، لا يشتريها سوى الأثرياء، وهم من بقايا زمن لا يعرف سوى الجمال ولا يقدر إلا الأصالة.

ومن أسرار هذه المهنة، مثلاً، الضغط على النحاس بطريقة حرفية معينة لتعطي الشكل البارز الذي يظهر النقوش بكل دقة ويعطي بُعداً تجسيدياً للتحفة النحاسية الرائعة المصنعة بأياد حرفية مازالت متمسكة بالنحاس ونقشه.

هناك أيضاً ـ من أسرار هذه المهنة ـ التفريغ باستخدام »المثاقب« ـ وهي آلة يدوية ـ ويأتي الشغل بها وكأنه نوع من »الدانتيلا« الناعمة، تستخدم أيضاً الأحماض التي تستورد من الدول الأوروبية وخاصة فرنسا، وحالياً يصنع بعضها في مصر وبلاد الشام خاصة دمشق، التي اشتهرت أيضاً بهذه المهنة الراقية، ونلاحظ بصفة خاصة في المساجد الكبيرة أنه تتدلى ثريات نحاسية وأهمها في جامع »العثمان« في دمشق.

ومما زاد هذه الحرفة ـ الزخرفة على النحاسيات ـ قيمة وجمالات، تعشيق النحاس المشغول بالصدف والعاج الأصلي المستورد من السودان وجنوب إفريقيا، بالإضافة لإدخال الذهب الخالص والفضة وبعض من الأحجار الكريمة وشبه الكريمة كالعنبر والفيروز.

ويستخدم في ذلك أقلام نقش فولاذية خاصة بهذه المهنة لتحديد الأشكال المرغوب في نقشها وأماكن التفريغ والتعشيق، أيضاً يشمل عمل فنان النقش على النحاسيات في عصرنا هذا النقش على الأكواب النحاسية وأطقم الشاي وطفايات السجائر، أما قديماً فكان يصنع الأثاث بتعشيق النحاس مع الخشب، خاصة خشب الورد واشتهر خان الخليلي بهذا النوع من النقش.

وهو أعلى درجة في المهارة والحرفية لإخراج قطع فنية يصعب حالياً تقديرها بثمن، وهي مازالت موجودة في قصور ومنازل العائلات الأصيلة في مصر والشام والمغرب ـ وهي عائلات متمسكة بزمنها الذي ولى من حولها، ولكن رموزه ستظل شامخة دوماً.

ومن الروائع في جمال النقوش النحاسية النقش على قطعة نحاسية عليها آيات قرآنية، ونقوش مفرغة، ومرصعة بالياقوت والفيروز تستخدم في حفظ المصحف، وهي غالباً ما تتصدر مائدة مستديرة كبيرة عليها مفرس من »الصيرما« يدوية الصنع توضع وسط بهو كبير لمنزل عريق، في أماكن النخبة ـ التي كانت يوماً رمزاً للأصالة ـ مثل جاردن سيتي والزمالك والعباسية القديمة في القاهرة.

وزيزينيا ولوران في الإسكندرية، التي ظهر فيها حرفيون يعملون فقط للحفاظ على النحاسيات المنقوشة ـ من الرطوبة وملح البحر ـ فيضعون عليها طبقة شفافة عازلة حتى لا يصيبها التلف بسبب أجواء الإسكندرية العريقة، التي مازالت تحيا على أغاني سيد درويش، و»غناوي الصيادين« أثناء ركوبهم البحر، ورمى الشباك، لتطل عليهم برزق وفير.

ومازالت لدى النحاسيات حكايات أخرى... فما هي؟

للحفاظ على هذه المهنة الرقيقة تتشبث الأسر التي تنحدر منها أجيال وأجيال ـ تبرع في هذه الصناعة بأنها تلملم شتات الأجيال جديدة منها الحاصلين على شهادات جامعية عليا، أن يعملوا في الورش الخاصة بزخرفة النحاسيات، وهناك أسرة الحاج »نحاس باشا«، يعمل أحفاده وأحفاد أحفاده في الورش القديمة في خان الخليلي للحفاظ على هذه المهنة.

وغالباً ما تكون هذه الأجيال من خريجي الفنون الجميلة والفنون التطبيقية، فتخلق جيلاً من الحرفيين الجامعيين، يجمعون بين العلم والفن معاً، ولكن مازالت الأدوات القديمة يتمسك بها مبدعو الأجيال الجديدة، محافظين عليها بين أناملهم، يطبقون نصائح الآباء والأجداد.

ونظريات العلم الحديث في مجال النحت والنقش، فتكون البراعة والجمال والاستمرارية، لتظل النحاسيات المنقوشة تطل علينا، وتذكرنا برموز الزمن الذي نتوق إليه ونسترجعه من خلال المهن الأصيلة وموسيقى سيد درويش وسيد مكاوي.. ولنقترب أكثر من زمن حليم وأم كلثوم بمنديلها الوردي.. جميعها منظومة الحب والجمال وعشق الأصالة بكل رموزها وأدواتها.

آيات قرآنية

من الروائع في جمال النقوش النحاسية النقش على قطعة نحاسية عليها آيات قرآنية، ونقوش مفرغة، ومرصعة بالياقوت والفيروز تستخدم في حفظ المصحف، وهي غالباً ما تتصدر مائدة مستديرة كبيرة عليها مفرش من «الصيرما» يدوية الصنع توضع وسط بهو كبير لمنزل عريق، في أماكن النخبة ـ التي كانت يوماً رمزاً للأصالة ـ مثل جاردن سيتي والزمالك والعباسية القديمة في القاهرة.

وزيزينيا ولوران في الإسكندرية، التي ظهر فيها حرفيون يعملون فقط للحفاظ على النحاسيات المنقوشة ـ من الرطوبة وملح البحر ـ فيضعون عليها طبقة شفافة عازلة حتى لا يصيبها التلف بسبب أجواء الإسكندرية العريقة، التي مازالت تحيا على أغاني سيد درويش، و»غناوي الصيادين« أثناء ركوبهم البحر، ورمى الشباك، لتطل عليهم برزق وفير.

منى مدكور