لا يزال التجريب في المسرح محورا لدائرة تتسع باستمرار من النقاش بين المهتمين بهذا الفن، والتجريب بهذا المعنى حيث تطرح التقنيات الحديثة، التي ترتبط بالتجريب نفسها كبديل للعناصر التقليدية، التي قام عليها المسرح، وما تأثير تيارات التجريب في هذا المجال؟

وكيف يمكن أن يكون التجريب مدخلا لتطوير المسرح العربي مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات الذهنية والثقافية للمتلقي أو المشاهد العربي عن المتلقي في الغرب؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على عبدالغفور بن أحمد البلوشي مدير دائرة المسرح والسينما والفنون التشكيلية بوزارة التراث والثقافة العمانية فأجاب عنها بخبرة رجل يعمل في هذا الحقل منذ 25 عاما أو يزيد. وفيما يلي نص الحوار: بداية نود أن تحدثنا عن المسرح، وهل هو فعلاً مرآة للواقع أم أنه فضاء فسيح للخيال والتحليق بعيدا عن أرض الواقع؟ وماذا عن التكنولوجيا التي اقتحمت عالم المسرح، وأثرت على فاعلية العنصر البشري وقللت من دوره الذي ظل طوال القرون الماضية أساسا للمسرح؟

إن الخوض في غمار الحديث عن المسرح بحد ذاته مغامرة محفوفة بالمخاطر، لأن المسرح فن متشعب الآفاق ومتنوع في إبداعاته وهو عدة فنون مجتمعة في فن واحد، ولم لا؟ أليس المسرح أبو الفنون؟

فمنذ ظهور ذلك الفن البديع وإلى الآن مازال الحبر ينساب أنهارا على الورق لمحاولة وضع تعريف لهذا الفن، فكل مذهب أو مدرسة لها رأي مغاير عن المذهب أو المدرسة الأخرى في تعريفه للمسرح، فكيف بالمسرح التجريبي الذي شغل فكر الناس، وجعلهم في حيرة من أمرهم في تعريفه تعريفا محددا لهذا الاتجاه في المسرح.

ولكنه بالنهاية يبقى إبداعا فنيا وفضاء رائعا يتيح للفنان المبدع المجال ويمنحه الفرصة للإبحار بخياله الخلاق إلى عوالم لا تؤمن بالقيود مطلقا. وبما أن المسرحية ليست الحياة، وإنما هي تمثيل للحياة وأحداثها ليست حقيقية وإنما هي من واقع امتزج فيه خيال المبدع الفنان معتمدا على كل وسائل التوصيل المتاحة والمبتكرة.

كما أن المسرح ليس مرآة للواقع لأن المرآة تعكس صورة جامدة لا حياة فيها، فالمسرح هو ذلك العالم المليء بالسحر والإبداع والفكر، الذي يتيح للفنان المنفتح حرية تنفيذ أفكاره.

واختيار الخلطة السحرية التي تبهر المتفرج وتشده نحو ما يقدم على خشبة المسرح، وعلى هذا فلا مانع من استغلال كل وسائل التطور التكنولوجية الحديثة سواء كانت رافعات أم شاشات عرض أم أشعة ليزر أم حواسب آلية أم دمى إلكترونية أم حتى إنسانا آليا وغير ذلك من المبتكرات العلمية، التي ممكن أن تخدم مفردات العرض، واختيار اللغة المناسبة التي نبتكرها لمخاطبة الجمهور.

الكلمة والتكنولوجيا

إن قيمة الكلمة تتضاءل بهذا الشكل، فهل من الممكن أن يأتي اليوم الذي يستغني المسرح فيه عن الكلمة وعن النص المسرحي لنشاهد مسرحا بلا كلمة منطوقة؟

لا أعتقد بأنه من الممكن الاستغناء أو نفي الكلمة، ولكن طريقة التعبير تغيرت، فدرب الإبداع يسير مندفعا باتجاه التجديد والابتكار، بحثا عن فضاءات مغايرة للتعبير عن تطلعات الإنسان ورغبته في تجسيد أحلامه ورسم رؤاه حول الحياة والوجود، عبر لغة جمالية متوهجة تقترح أضواءها وأصداءها الخاصة، وبما أن المسرح أحد هذه الفضاءات التي ابتكرها الإنسان للتعبير عن كوامنه وهواجسه، شهد المسرح الكثير من التغيير في أساليبه وأطروحاته ومضامينه وصيغه المختلفة، على أيدي منظريه وعشاقه ومبدعيه.

ولعل أحدث ما يتم تداوله من المصطلحات في مجال المسرح هو «التجريب» أو ما يطلق عليه بالمسرح التجريبي، الذي طرح نفسه بصورة مغايرة للمألوف في عالم المسرح التقليدي، الذي يعتمد على النص والكلمة المنطوقة لتوصيل فكرته للمشاهد، إذ اعتمد المسرح الحديث على تقنيات تعبيرية مختلفة تتمثل في استخدام طاقات الجسد.

ورشاقته لتوصيل المعنى عبر حركات إيمائية ورقصات دلالية تترك للمشاهد مساحة للتفاعل والتأويل وللوصول إلى مستويات مختلفة من التجريب، ويمتد التجريب ليشمل أشياء جوهرية وأساسية في العرض المسرحي، كأن يستغنى عن النص مثلاً أو يستغنى عن الممثل أو يقوم العرض على الارتجال، ومع ذلك فإن اللغة المنطوقة «الكلمة» ستبقى جوهرية في العرض المسرحي باعتبار أن المسرح نشأ فكرا وفلسفة وفنا وسيبقى، فالكلمة ستبقى مهمة مهما تغيرت الأساليب وتنوعت المفاهيم.

بمناسبة الحديث عن التجريب الذي قد يمتد ليشمل أشياء جوهرية كالاستغناء عن النص أو الممثل نريد أن نعرف شيئا عن المسرح التجريبي وما شروطه؟

المسرح التجريبي هو مصطلح أطلقه النقاد في الآونة الأخيرة على المسرح الحديث فالكتّاب لم يضعوا مسميات هذه المذاهب.. وليم شكسبير لم يدع لنفسه بأنه يمثل المسرح التقليدي، ومؤلفو الفترة الواقعية الاشتراكية مثل تشايكوف وجوركي جورج لوكاش وروجيه جارودي وديستوفسكي وغيرهم من الكتاب لم يدّعوا أو يوصفوا أنفسهم انهم ينتمون إلى مدرسة بعينها، إنما النقاد هم الذين صنفوا المؤلفات المسرحية إلى مذاهب.

وفي العصر الحديث أصبح كل ما يشذ عن القاعدة المسرحية أو قوانين المذاهب المسرحية السابقة يسمى مسرحا تجريبيا، وبالتالي يمكن القول إن مسرح شكسبير في عصره كان مسرحا تجريبيا كونه خرج على القواعد السائدة في ذلك الزمان، وهي قواعد أرسطو في المسرح وما يطلق عليه المسرح الأرسطوطاليسي.

وهكذا إلى أن جاء بريشت الذي كسر قواعد المسرح الأرسطوطاليسي ثم أتى بالمسرح الملحمي أو ما يسمى بالتغريب في المسرح، ثم بعد ذلك ظهرت مذاهب مسرحية أخرى، لاسيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية حيث ظهرت المذاهب المسرحية الحديثة كالسوريالي والطليعي والوجودي العبثي والطبيعي والرمزي والواقعي والرومانسي والصوفي وغيرها من المذاهب التي تعتبر جميعها مذاهب تجريبية.

والتجريب لا يعني إقامة تجربة معينة، ولكنه مسرح متكامل يشذ عن القاعدة السائدة في تلك الفترة أو يكسر حواجز المذهبية الحالية، ويبتدئ بقواعد جديدة وأسلوب جديد، لكن هل صحيح ما يقال إن هناك شروطا محددة لهذا التجريب وهو أن تتكامل في العرض المسرحي عناصر محددة مثل الممثل والنص وخشبة المسرح والجمهور، ومتى توفرت هذه العناصر وجد لدينا عرض مسرحي متكامل بكل عناصره الإبداعية والجمالية.

قواعد جديدة

هل يلتزم الجيل الحالي بالقواعد التي تحدثت عنها أم أنه يخرقها كعادة الأجيال الجديدة في قواعد الأجيال التي تسبقها؟

في اعتقادي أن العصر الحديث جعل الجيل الحالي يكسر الأطر والقواعد السابقة، ويطرح أساليب حديثة، فنحن نعيش الآن عصر ثورة المعلومات والتقنية المتطورة، التي أدت إلى تطور العمل المسرحي لكي تتواكب مع التطور التكنولوجي، الذي وصلت إليه البشرية، وبالتالي دخلت التكنولوجيا كعنصر مهم من عناصر العرض المسرحي من خلال العناصر الرئيسية وليس بشكل اعتباطي، وذلك من خلال تطور أساليب الإضاءة والألوان.

ودخلت الآلة الحديثة أيضا كالرافعات والستائر المتحركة والأرضية المتحركة والليزر والحاسب الآلي، وهذا نوع من أنواع التطور الحديث، من ناحية ثانية ربما يعتمد المسرح الحديث بالدرجة الأولى على حركة الممثل، فلم يعد الممثل يقول حواراً على خشبة المسرح، وإنما هو فنان شامل يمتلك قدرة عالية من المرونة الجسدية لكي يمتع المشاهد من خلال حركته على خشبة المسرح.

فالعمل في المسرح الحديث يعتمد على حركة الممثل الجميلة على المسرح حيث يتم أحيانا تكثيف مشاهد التعبير الجسدي حتى يثبت أنه بدأ بحركة جديدة، وبالتالي تدخل على العمل بعض المكملات الحديثة مثل حركة الديكور واللاتقليدية في الملابس وحركة الممثلين الراقصة، وتكثيف الحوارات لتحويلها إلى حركات تعبيرية جسدية.

إضافة إلى ذلك فقد تم كسر حاجز ما يسمى بالبطل الدرامي، فأغلب الأحيان يعتمد المخرجون على البطولة الجماعية، أضف إلى ذلك وحدة المضمون، إذ أصبحت المسرحية تعتمد على مضمون محدد يوزع على مقاطع مسرحية مرئية، فأنت تطلع على مشاهد ذات متعة بصرية وسمعية أكثر من السابق حيث كانت تعتمد بالدرجة الأولى على القصة، ولكن العملية الآن بدأت تأخذ منحنى آخر يتسم بالشمولية بحيث يتم تسليط الضوء على موضوع إنساني محدد في المجتمع.

ومن ثم توزيعه على شكل «موتيفات» أو مقاطع مسرحية، كل مقطع يجسد لوحة تشكيلية مجسمة بالصوت والصورة والحركة، يقدم الإمتاع بالدرجة الأولى، ويوصل المفهوم المطلوب طرحه من خلال إلقائه بالدرجة الثانية، ويختلف مفهوم التجريب من بلد لآخر فما يكون تجريبيا في بلد معين لا يكون تجريبيا في بلد آخر، بناء على فهم نابع من النقاد والمجتمع في ذلك البلد.

ما تقوله يعزز الإشارة إلى تراجع قيمة «الكلمة» في المسرح لحساب أشياء أخرى، وبهذا الشكل لن تصمد الكلمة المنطوقة طويلا.. أليس هذا حقيقيا؟

الكلمة مازالت موجودة في العمل المسرحي سواء كانت رقصا تعبيريا أم كلاما مسموعا، لأنه في الأساس هناك مؤلف، وهذه الحركة فيها تأليف، فإذا كانت الحركة تعبيرية في المسرح إنما تعبر عن كلمة محددة يفهمها الناس، ولكن يبقى السؤال في إمكانية توصيل هذه الكلمة من خلال الحركة، وليس من خلال النطق، يصاحب ذلك بعض الكلمات التوضيحية إن الكلمة موجودة بشكل أساسي ولا يمكننا نفي الكلمة عن خشبة المسرح، ولكن لا نستطيع استقراء المستقبل فيما سوف تؤول إليه الأمور.

مدارس مسرحية

مع تعدد المدارس المسرحية، والثورة التكنولوجية هل يمكن أن تتحول التقنيات المسرحية والعناية بها إلى هدف للعرض أو أن تكون بديلاً عن الموضوع؟

لا.. لا يمكن ذلك، فالكتاب المسرحيون تعددت اتجاهاتهم ومدارسهم، فمنهم الواقعيون والتعبيريون والتجريبيون وغير ذلك، واستدعت هذه التعددية تنوعا وتباينا في اختيار التقنيات المناسبة وفي طرق استخدامها، وهذه التقنيات هي من الأهمية بمكان حتى في العروض التي تسيطر فيها الإيديولوجيا، يقول «ماير هولد» في حديثه عن الإيديولوجيا والتكنولوجيا في المسرح: «يقول الكثيرون بما إن الناحية الإيديولوجية هي همنا الوحيد فما حاجتنا إلى التكنولوجيا؟

.. ما لا ريب فيه أن ما يؤثر في المتفرج بصورة أساسية، وما يجب علينا صقله هو الفكرة.. المضمون، ولكن إذا كنا نريد لفكرنا أن يبلغ الصالة لتوصيل الفكرة، ولكي يدرك المتفرج المضمون، يجب علينا أن نطور وسائلنا في التعبير، وأن نجعله أكثر مضاءً ومرونة وقدرة على توصيل ذلك الفكر». أيضا كانت التقنيات المسرحية الحديثة والعناية بجمالياتها، ولا يمكن أن تكون هدف العرض أو البديل عن الموضوع أو الفكر ذاته.

التجريب حالة إبداعية

إن التجريب في المسرح حالة إبداعية ذات أبعاد تاريخية تطورت عبر الزمان، وتغيرت عبر المكان وفقا للسياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية القائمة، فالعرض المسرحي اليوم تساهم في بنيته وسائط تقنية عديدة يصمم أفكارها وخطط استخدامها اختصاصيون في الموسيقى والإضاءة والصوت والخدع البصرية والملابس والعمارة والتشكيل والرقص والغناء، إن التغييرات الأساسية في استخدام التقنيات المسرحية تمثلت في الاقتصاد الفني والاعتماد على الدلالة والرمز وعمق العلاقة الجدلية بين الأفكار، وما تحمله الشخصيات من مواقف.

داليا الدسوقي