بينما أضع المفتاح في الباب للمرة الثالثة، ويحول اضطرابي دون ولوجه بشكل صحيح، سمعت صوتها الرقيق يناديني مدخلا الدفء إلى قلبي المرتعش من برد الوحدة واقتحام الماضي له بشراسة، قالت: صباح الخير.

قبل أن التفت نحوها لأرى وجهها الصبوح سمعت خطواتها تقترب نحوي أكثر.. لامست يدها كتفي فأحسست بها جمرة متوهجة أُخرجت للتو من فرن أبو علي الخباز فوزعت حرارتها على كامل جسمي بالتساوي لتمنحه الطمأنينة.. سألتني: هل هناك ما يزعجك؟ قبل أن أرد عليها حدثت نفسي: كيف لها أن تشعر بي قبل أن ترى وجهي وقسماته، إن كانت منقبضة أم مرتاحة، لتطرح علي مثل هذا التساؤل، وإذا بها تجيب عن سؤالي من دون أن يصل إلى مسامعها: أشعر كأن ظهرك ازداد انحناء عن البارحة.. إياك الادعاء بأنك هرمت.. نحن اتفقنا أننا صديقان وأنت رفيقي رغم أني لم أتجاوز العشرين بعد.

ربتت على كتفي وقالت معاتبة: حتى هذه اللحظة لم ترد عليّ تحية الصباح وتسرح وأنا معك.

قلت لها مستدركا خطئي: صباح النور والزهور المتفتحة فوق وجنتيك يا أميرة الجنة وسيدة الحور يا سنابل حقلي المسرور.

ردت مغردة: هكذا أطربني.. ما بك؟ هل بسبب غيابي البارحة ارتفع السكر عندك؟

صمتت للحظات ثم أردفت متسائلة: هل كنت تنوي مخاصمتي؟

- كنت غاضباً جدا لكن مع ظهورك الصباحي المشرق سأفكر في العفو عنك.

- لا تغضب مني يا صاحب العفو فأنت تملأ حياتي.

- منذ عرفتك لا أغضب منك ولا أعرف إلا أن أسامحك.

- عندي كلام كثير، لكني جائعة، تعال أدعوك إلى الفطور؟

- ما رأيك أن أعدّه لك بنفسي؟

- عرض مغر لا يمكنني رفضه.

تأدب المفتاح وتجاوب مسرعا.. فُتح القفل ودخلنا بيتي.. ولما شاهدت الدواء على الطاولة ألقت كتابها وقالت معتذرة: أرجوك سامحني لأني لم أقدم لك الدواء بيدي.

- لا عليك، سأعيش كفاية كي تقومين بذلك، فلا تحزني لمرور يوم أو يومين.

أردت أن أخرجها من حالة شعورها بالذنب فغيرت الحديث مازحا: أين كنت (تتسكعين) وبيدك كتاب (المحاسبة القانونية)؟ فلا محاضرات عندك اليوم وبالذات هذه المادة، ومنذ متى تحملين كتبك بيدك دون حقيبة؟

- احتواني البارحة زلزال طارئ استمرت هزاته الارتدادية حتى اليوم فكان الكتاب وخروجي باكرا ذريعة للنجاة منه.. دعك مني الآن واعترف أين كنت أنت؟

- تناولي طعامك ثم نذهب معا إلى الحديقة وهناك سوف أخبرك عن مصادفة غريبة حدثت معي اليوم.

شرعت في تحضير شطيرتها وقامت هي بتجهيز الشاي وقلت: ستأكلين من خبز البارحة لأني ذهبت إلى أبو علي كي أحضر خبزا طازجا فكان مشغولا.

- أكان مخبزه مزدحما؟

- نعم كان مزدحما ولكن ليس بالناس بل بصراخ ابنه علي المستنجد بأحد ليخلصه من (فلقة) أبيه اليومية.

نهضت عن كرسيها متجهة نحو الحوض لتغسل كوب الشاي بينما كنت أرتب الأدوية على الرف العلوي ثم قالت وهي مازالت تمضغ لقمتها الأخيرة من الشطيرة: سلمت يداك ولا حرمني الله من حنانك.. صمتت لثانية وتابعت: ولا من (أكلاتك وسندويشاتك).

ضحكنا إلا أن كلاً منا كان يخفي عن الآخر انزعاجه، وفي لحظة صدق بترت ضحكاتنا سألتها قبل أن تبادر: ما بك؟ فردت مطمئنة: سأخبرك بالتفاصيل.. لن أخفي عليك شيئا ولكن ليس قبل أن أسمع منك الشيء الغريب الذي حدث لك اليوم كما أخبرتني.

أشرت لها أن تتبعني.. غادرنا، وكعادتها قفزت درجات السلم الثلاث قبلي وانتظرت نزولي ثم انقضت على ساعدي وشبكت ذراعها به وقبل أن نقول كلمة التفتت نحوي وكأنها تريد أن تحصل من وجهي أو عيني على جواب لتصرفها إن كان ما يزال يبهجني وعندما تتأكد من رضائي يهبط الارتياح علينا كنسمات أيلول، كأول يوم إلتقيتها على مدخل المبنى وهي تحمل حقيبتين في يديها وثالثة صغيرة معلقة بكتفها ثم وضعت الحقيبتين على الأرض وبادرت بتحية تشتعل أملا: أسعد الله صباحك. فبادلتها تحيتها: أهلا ابنتي، مؤكد انك الطالبة الجديدة في بيت العمة روز.

- تماما.. اسمي سنابل وحضرتك؟

- أنا اسمي جوهر.. اسكن هنا، ما عليك إلا تجاوز هذه الدرجات الثلاث حتى تجدين نفسك أمام باب شقتي وكل من يدخل أو يخرج من هنا يجب أن يمر أمام بابي وكأنه على علم أن خطواته تؤنس وحدتي.

- تعيش بمفردك إذا؟

- ليس تماما!

بعد الخطوات القليلة التي تفصل المنزل عن بوابة الحديقة انحرفت نحو اليمين وقالت: تعال نعبر الجسر ونلقي التحية على الصديقات، أظنهن قلقات لتغيبنا البارحة دون اعتذار.

كانت مرحة حتى وهي حزينة، وكأن الفرح حبيبها الذي يغادر الناس يأتي ليشع نورا في أساريرها ويرتمي بين شفتيها وفي عينيها.

صفّقت الإوزة الأم بجناحيها عندما رأتنا ونثرت علينا رذاذ الماء فقلت لها: أنها تعاقبنا.

قالت: لا.. إنها ترحب بنا.

- دائما لديك بدائل أجمل؟

- تعلم أنني لست فتاة خارقة ولا أيضا بلا إحساس، لكنني أعلم أن الأفضل سيأتي، وها أنا أعيش به، تفاؤلي الآن هو الذي جعلني أتجاوز ما مر بي.. هيا كاد الفضول يقتلني، فما ترويه لي عن ماضيك يشدني ويأسرني، فكيف الحاضر؟!

كانت عيناها فعلا متشوقتين لسماع ما أريد قوله ولم أرغب يوما في تعذيبها وهي تنتظر أن ألقي بما في ذاكرتي على رأسها كوشاح أبيض يغطي شعرها الكستنائي الفاتح ويلامس بحوافه الرقيقة وجنتيها، قلت لها: اليوم التقيت الماضي، الذي حدثتك عنه، وجها لوجه.

عادة عندما أتحدث لا تقاطعني بكثير من الأسئلة.. كيف؟.. أين؟.. وإنما تتركني أسترسل فيما أقول لأنها تعرف أني أسعد بسرد التفاصيل لها وكنت قبل ذلك اكتفي بإعادة الماضي كشريط سينمائي متقطع بفواصل من الحاضر.

فتابعت: عندما لم تمري بي وسمعت خطواتك المتسللة على الدرج اندهشت لتصرفك وقلت في نفسي قد أكون قد تطفلت برأي كثيرا أو أعطيتك رأيا لم يتوافق مع رغباتك فعمدت إلى التصرف دون العودة إلي.

- لا لا والله، لا تظلمني.. هكذا ستضطرني أن أتحدث قبلك، بالمختصر المفيد ودون أية إطالة جاءت أمي..

- أمك؟!

- نعم.

- وما الذي استجد من أمور حتى تأتي وتزورك هكذا بشكل مفاجئ؟

- كان عليها السفر إلى قبرص بشأن قضية تخص أحد موكليها وقالت إن لديها عرضا بالمرور إلى هنا يومين ثم المغادرة فقررت المجيء لرؤيتي وعندما سألت جدتي أخبرتها بعنواني ورجتها أن تزورني على سبيل المفاجأة، وبعد أن تركتك البارحة فوجئت بباب غرفتي يقرع والخالة روز تقول إن ضيفة بانتظاري فأسرعت فرحة من يا ترى يزورني؟ وصدمت أنها هي، ولولا الصور التي كانت ترسلها لما عرفتها حتى عندما عانقتني لم اشعر نحوها بشعور الابنة.

- إياك أن تكوني قد سلمت عليها بجفاء!

- وهل من عادتي الكذب في مشاعري؟

- هذا يعني أنك جرحت مشاعرها... تابعي وماذا حدث؟

- أجهشت بالبكاء وقالت عن نفسها إنها صلبة والظروف أيضا وإنها تركتني بيد أمينة ولم تقصر يوما في إرسال مصروفاتي طوال السنين الماضية، وبينما كنت سأقاطعها قائلة إني سأرد لها كل ما دفعته وجدتك أمامي تقول لي (أسهل شيء في الدنيا أن نواجه الناس بحقيقتهم ونجرحهم ولكن عظمتنا تكون بمداواة جراحهم من الآخرين وان كانوا هم أنفسهم سبب جروحنا) فسكت ولم أعقب.. ثم دخلنا غرفتي..

بدأت تتحدث عن القضايا الكثيرة التي حققت فيها الفوز وكم دافعت عن مظلومين وخلصتهم من الظلم وأن غالبيتهم من الرجال الذين كان من الصعب أن يثقوا بامرأة لتحل معضلات مشكلاتهم، وأنها بالرغم من العروض المغرية التي تلقتها للزواج رفضت، ناذرة نفسها لعملها ولي.

وسألتني عن صورها التي أرسلتها، لماذا لا احتفظ بإحداها بجوار سريري أو أعلقها في الغرفة، لم أجبها خوفا من أن اعترف لها أني كنت أمزق كل الصور التي أرسلتها أو أقول لها أني عندما أتألم لا تمسح الصورة على موضع وجعي.. وعندما ابكي لا تجفف الصورة دمعتي.. وعندما أتحدث لا تسمع الصورة همي وشكوتي.. ثم غيرت الحديث وسألتها عن صحتها ومتى ستسافر.. تناولنا العشاء والى ما هنالك.. هيا تابع أنت حديثك قبل يتعكر مزاجي.

شعرت بانفعالها ورجفة صوتها فتابعت على الفور حديثي: خرجت، بعد تأكدي من ابتعادك، ولم أعرف إلى أين تقودني خطواتي وإذا بي، بعد طول مسير، أجد نفسي أمام محطة القطار، ولم أكن قد دخلتها منذ زمن بعيد، فقلت لنفسي (لأرى ما أحوال القادمين وما شعور المغادرين) .

وبعد أن دخلت وتأملت الساعة القديمة على الجدار المعتم من أثر الدخان، وبينما المحطة لم تكن مزدحمة، لمحت امرأة ترتدي ملابس أنيقة تترجل من سيارة أجرة وتخرج من حقيبة يدها نظارة شمسية لتضعها على وجهها وتخفي بها عينيها الباكيتين كأنها عائدة من لقاء أحزانها.

وإذا بها ماض يتجسد أمامي لحماً ودماً.. لم أشك للحظة واحدة أن في الأمر التباساً أو أنها أخرى.. ناديتها.. رفعت رأسها وعدلت عن وضع نظارتها وقلصت من فتحتي عينيها مقطبة حاجبيها لتدقق بي وتعرف من هذا الرجل الذي يناديها باسمها دون أية ألقاب وما أن جاءت عيني بعينيها حتى صار العرق يتصبب مني كمن أصيب بحمى من لدغة ثعبان.

كانت سنابل تنظر إلي بعينين تطلبان المزيد.. تسمعني وكأن كل حواسها اتحدت لتسمع فقط، لكني فاجأتها قائلا:

- لقد جف حلقي من كثرة الكلام.. هيا اشتر لنا زجاجة ماء أيتها البخيلة.

- وان قلت عني ذلك، أو افترضت أني أحمل هذه الصفة، لكني كريمة جدا في إنصاتي إليك، ولهذا سأسرع لشراء الماء كالصاروخ وأعود.

(ما أروع وجودك في حياتي) قلت لنفسي عندما هرولت باتجاه كشك أم مرزوق الصغير، وكان صوتها وهي تسلم يصلني.. تلتفت نحوي كأنها أم تخشى أن يضيع ابنها في زحمة المنتزه.

لو أني أملك يا سنابل أيامي القادمة! لو أملك آلة الزمن التي طالما كنت أشاهدها معك في قصص الرسوم المتحركة! لو أني أستعيد سنواتي التي هدرت في انتظار تحقيق حلم من أحلامي التي عشتها محاربا في زمن الخيبة والانتظار.. زمن البحث عن سراب على أنه حقيقة.. ليتني أكون لك كبطل فيلمك الكرتوني المفضل (صاحب الظل الطويل).. الثري الذي حقق للصبية (جودي آبوت) السعادة والفرح.

أما أنا فثروتي وممتلكاتي كانت ذكرياتي.. أمانيّ.. أصدقائي.. أقاربي.. وهم الماضي الذي أدار ظهره لي بعد سقوط الرمز الأكبر لكل الشعارات التي هتفت معهم لها ومن أجلها، واضطُهدنا فداء لها.

عادت مهرولة باسمة تلهث وتقول: اشرب بالهناء والعافية.. هيا أسرع بقول المزيد أرجوك، كيف وجدتها؟

- رغم مظاهر الثراء، إلا أن عطرها ذاته لم يتغير وصفاء عينيها أيضا.

- يا للعجب.. رغم بعدكما كل تلك السنين وعرفتها!؟

- قلبي من دلني عليها قبل عيني، أما هي فصاحبة الرأي القائل (العقل أولا وحتى عاشرا ثم القلب)

- ماذا حدث بعد ذلك؟

- عندما تأكدت أنها لم تعرفني حاولت الاعتذار والانسحاب، إلا أنها سألتني علها لا تجرحني أكثر: عذرا هل حضرتك أحد موكلي؟ وكدت أجيبها (نعم أنا من كنت موكلك بقلبي وروحي.. أنا من نصبتك مدافعا وقاضيا على حياتي فاقتلعت أضراسي دون إبرة مخدر وتركتني أنزف لا أقوى على احتمال الألم وبقيت حتى الآن دون أسنان تمضغ.. لا طعام يطحن بينها ولا ابتسامة بحاجة إلى بياضها) لكنني أومأت برأسي نافياً لتوقعها ومحافظاً على ماء وجهي وقلت لها: سبق أن رأيتك في الصحف..

وعندما فتحت حقيبة يدها كدت انصرف خوفا من أن تظنني طالب حاجة، وإذا بيدها تخرج أسرع من خطوتي.. قدمت لي بطاقتها، شكرتها وابتعدت عنها هاربا، اختبأت خلف أحد الأعمدة الكئيبة لأرى أين وصلت فلم أجد لها أثرا وبقيت رائحة عطرها كعود ثقاب التصق بجرحي وعندما انطفأ اندس في ثناياه.

- كنت أظن أن القسوة كلمة مؤنثة لأنها تعني المرأة، ولكن كثر من هن يفضن بالحنان والعاطفة، كالعمة روز التي لم تتزوج أو تنجب ومع ذلك ذاع صيت حنانها وحكمتها.

غادرت سنابل حاضرنا وعادت إلى سنواتها الماضية.. بدأ الذبول يزحف بخبث نحو وجهها. فسألتها: ألم تطلب منك والدتك مراسلتها؟

- بلا، تركت في كتابي صورة لها وبطاقتها التعريفية، التي تحمل أرقام هواتفها الجديدة وعنوان بريدها الإلكتروني وطلبت مني أن أذهب معها لتوديعها كي تكسب أكبر وقت ممكن برفقتي فتذرعت أن عندي محاضرات بالجامعة، وخرجت مبكرة دون أن أمرّ عليك لأني خشيت أن تفتح بابك ويأخذنا الحديث ثم تنزل فتشاهدنا وتتدخل في علاقتنا.

لم أعلق وسألتها: هل نعود أم نذهب إلى السينما؟ الساعة قاربت على الثالثة.. قرأت بالأمس في الصحف عن فيلم كوميدي جديد من النوع الذي تستهوينا مشاهدته هيا نهرب إليه من ذكرياتك وذكرياتي..

في سيارة الأجرة جلست أمامها، إلا أن كلا منا كان ينظر من نافذته، هي إلى مستقبلها المقبل بكل ما تتمناه من سعادة ودفء، وأنا إلى ماض غلبني ولم استطع خيانته فبقيت وفيا له بطريقتي التي جعلت سنابل، يوم عرفت كيف يسكنني وأسكنه، تغضب وتثور ذات مرة حين كنا نتحدث وذكّرتها بأول يوم التقيتها وسألتني ما إذا كنت أسكن بمفردي فأجبتها ليس تماما.

ووقتها تذكرت وأكدت أنها في ذلك الوقت لم تدرك معنى إجابتي، ومع مرور الوقت لم تلحظ أهل أو أصدقاء أو أقارب يزوروني فشرحت لها أني أعيش مع الماضي بنضالاته وهزائمه وأشخاصه ومعتقلاته لأن زمني توقف هناك.. معهم.. ولست قادرا على التكيف مع حياة الحاضر، فغضبت ونعتتني بالمنهزم ووعدتني أن تكون سببا ودافعا لأن تنسيني الماضي وتجعلني أبدأ من جديد كما تفعل هي مع كل أزماتها.

حضرنا الفيلم.. ضحكت من كل قلبها وقالت إن خاصرتها ومعدتها تؤلمانها من شدة الضحك، وبعد الفيلم تناولنا وجبة خفيفة ثم عدنا.. ودعتني أمام (سفرة) الدرج، بعد أن طبعت قبلة على جبيني، وقالت: أنت تملأ حياتي بالفرح.

دخلت شقتي.. سقطت عيني على كتابها فوقفت أمام الطاولة مترددا هل أفتح الكتاب أرى صورة أمها أم انتظر حتى تُريني إياها بنفسها؟ هل أخون العهد الذي اقسمنا عليه بأن لا يبحث احدنا في ماض الآخر ونكتفي بما يرويه كل طرف عن حكايته دون أسئلة أو اقتحام لقداسة الماضي؟

هربت من ضعفي إلى غرفتي فتحت الخزانة وأخرجت زجاجة العطر القديمة.. عطر الماضي، وبدأت أنثر رذاذه في كل أرجاء المنزل هنا وهناك.. عساني أراها لوحة على جدراني الخالية إلا من خيالات حبي الأول.. حتى أراها تقف أينما تريد وتجلس أينما تستريح وترقص بخطاها الناعمة فوق بلاط الغرف.. والصالة.. والمطبخ..

عطرها الذي كنت أشمه ببخل قبل النوم حتى أستطيع الرقاد ولتبقى معي وبقربي في ساعات غفوتي القليلة ولا أريد لأنفي أن يغافلني ويسرق مني ما يطيل عمري، فمنذ ولد حبنا، وهي ابنة الجيران الجدد الذين سكنوا قربنا، إلى أن درسنا في الجامعة وحتى غادرتني وغادر قوامها أيامي جاءتني اليوم محملة بالعطر نفسه لتعيد إلي جراحاتي.. وبينما أبالغ في رش العطر سقط بعض الرذاذ على كتاب سنابل.. مسحته براحة كفي اليسرى فلم يحتملها.. سقط الكتاب وسقط معه قلبي على أرض مليئة بأشواك حادة مدببة.. سقط ومعه صورتها.. سقطت زجاجة عطرها وتبعثرت.. صعب علي احتمال ما رأته عيناي اليوم.. في الصباح لحم ودم والآن صورتها في كتاب سنابل!.

. ما أصعب الواقع الذي هربت منه مرارا.. ما أمرّ الحقيقة التي لا نعرفها.. الحقيقة المخبأة بين صفحات كتاب.. تأتي الحياة مرتين ويموت الأبطال مرات ومرات وأنا لم أعرف كم مرة عشت وكم مرة سأموت بعد اليوم.. قبضت على الصورة وأخذت بعض أشيائي في حقيبتي الوحيدة.. ودعت مكاني الذي احتضنني بذكرياتي.. بمرضي.. واحتضن سنابل أيام الهموم والامتحانات.. غادرته بلا عودة.

ستبكي سنابل غيابي.. ستقلق عندما تقرع الباب ولا أفتح فتظن أن السكر ارتفع أو هبط فجأة.. ستصعد مسرعة إلى غرفتها كي تحضر المفتاح الاحتياطي الذي تحتفظ به.. ستدخل وتتفقدني.. سوف تشم رائحة العطر وتجد الكتاب على الأرض وقد فقدت منه صورت أمها فتتذكر الحوار الذي دار بيني وبين سيدة المحطة، سيدة الماضي.. سوف تفتش غرفتي لتجد جميع الصحف التي جمعتها وكانت تحكي عنها، ستفهم أن سبب مغادرتي هو ماضيّ وماضيها المؤلمان وستعرف أن ألمنا مصدره واحد.

دسست يدي تحت الوسادة ابحث عنها فوجدتها بانتظاري رغم التجاعيد التي علت حوافها وسطحها.. حملت الصورة بكلتا يدي لألقي على صاحبتها تحية الصباح بعد أن غادرت الممرضة غرفتي وتركت لي على المنضدة المجاورة لسريري مجلة المنوعات الشهرية.

أعدت الصورة إلى مكانها وتناولت المجلة.. تأملت غلافها اللافت بصورة الفنانة المشهورة التي لم تكن سنابل تحبها عندما تركتها منذ عشر سنوات.. تصفحت مجمل العناوين إلى أن وصلت إلى باب الأفراح والمناسبات، رأيت صورة كبيرة لسنابل بثوب زفاف أبيض وعريسها الوسيم يلف خصرها بذراعه وأمها تقف إلى يمينها.. لن أذرف دمعة، فالآن عندي صورة حديثة للاثنتين معا، وها أنا أستبدل بدمعتي ابتسامة كما تعلمت من سنابلي أن أجد البدائل الأجمل.

مانيا سويد في سطور

كاتبة وصحافية سورية مقيمة في الإمارات، لها العديد من المؤلفات والإصدارات الأدبية منها رواية «عائد بخير زاد» ورواية «سيرقوني» ومجموعة قصصية بعنوان «أوراق ألكينا» وأخرى بعنوان «عناقيد اللؤلؤ الأحمر».

مانيا سويد