سأحدثكم في هذه المساحة عن زيارة قمت بها قبل أيام إلى حيث يرقد جاري وصديقي الروحي الشيخ الجليل أبو العلاء محمد بن سليمان التنوخي المعري، توأمي في بلد المولد، فهو فريدَ الدهر والأزل والتاريخ والجغرافيا، مولودٌ في معرة النعمان، وأنا، هذا البغو الصغير، مولودٌ في معرة المصرين، وكلا «المعرتين» تتبعان إدارياً لدرة الشمال السوري محافظة إدلب.
لمزيد من الإيضاح أقول إن معرة النعمان تبعد خمسة وأربعين كيلومتراً عن إدلب، وخمسة وسبعين كيلومتراً إلى الجنوب من حلب. إنها مدينة كبيرة مزدحمة يمكن اعتبارها عاصمة للجزء الغربي من البادية السورية التي تمتد حتى تدمر وحدود الأردن،.. وفي أسواقها الكثيرة المتشعبة تباع في كل يوم أطنان من اللبن والجبن والسمن والصوف والبضائع المتنوعة، أضف إلى ذلك أنها منطقة صناعية تزدحم بالمشاغل الصغيرة وبالعمال من مختلف الاختصاصات.
جناية أبيه
ثمة شارع طويل ومستقيم مشجر في الجانبين يخترق المعرة من شرقها إلى غربها اسمه شارع أبي العلاء المعري، إلى اليسار منه بناء قديم مرتفع الجدران كتبت عليه عبارة «المركز الثقافي العربي بمعرة النعمان» وفي داخله مكان ظليل يخيم على قبر يمكن اعتباره القبرَ الأكثرَ أهمية وشهرة في العالم، بسبب العبارة الرهيبة التي كتبت على شاهدته الغربية وتقول بلسان حال صاحب القبر:
هذا جناه أبي عليَّ
وما جنيت على أحدْ
هذا المكان، في الأصل، هو بيت أبي العلاء المتواضع، الرجل الكبير الذي كان يأكل الدبس والعسل وقليلاً من الخبز والبقول ويجلس ليملي على تلامذته ما يزن الجبال علماً وشعراً ومعرفة وحكمة وفلسفة، إنه محبسه الاختياري الثاني الذي رهن نفسه فيه لم يبرحه حتى جاء جيش صالح بن مرداس وحاصر المدينة الوادعة، فهرع إليه أهل المعرة قائلين: اشفع لنا أبا العلاء! فاضطر لأن يخرج من محبسه يصحبه اثنان من تلامذته وهو ينشد:
تغيبتُ في منزلي برهةً
ستيرَ العيوب فقيدَ الحسدْ
فلما مضى العمرُ إلا الأقلَّ
وحُمَّ لروحي فراقُ الجسدْ
بُعِثْتُ شفيعاً إلى صالحٍ
وذاك من القوم رأي فسدْ
فيسمعُ مني هديلَ الحمام
وأسمع منه زئيرَ الأسدْ
فلا يُعْجِبَنِّيَ هذا النفاقُ
فكم نفقتْ محنةٌ ما كَسَدْ
عشرات، بل مئات السياح من مختلف أنحاء العالم يفدون إلى معرة النعمان على مدار الأيام، ومعهم خرائط تشير إلى النقطة التي يقع فيها ضريح المعري، ماذا يريدون؟ يريدون أن يقفوا على مقربة من هذا الرجل الذي ضاهى بكتابه «الفصول والغايات» الكتب الكبرى دون أن يحيطه بالقداسة.
وقدم في «لزوم ما لا يلزم» فلسفة الموت والحياة بأسلوب شعري صعب لم يجرؤ على استخدامه أحد قبله ولا بعده، وكتب «رسالة الغفران» متخيلاً أنه دخل الجنة ووصف أهلها بأسلوب فني رفيع، فحقق بها معادلة بالغة الحساسية، وهي أنه اخترق واحداً من أهم المحرمات، ومع ذلك لم يتمكن أحد من دارسيه عبر العصور أن يزعم أنه أساء فيها إلى أي من الأديان أو المعتقدات.
يريدون أن يعرفوا أين يرقد الرجل العظيم الذي لم يزهد بالدنيا كما يفعل النساك بل زهد بها لأنها توصل الإنسان الحي، مهما كان عظيماً وعبقرياً، إلى تحت التراب، وتودعه أمانة غير واجبة الاسترداد لدى الصمت والعزلة والدود والبلى، القائل بسخرية لم يعرف التاريخ بعصوره المتتابعة مثلها:
رب لحدٍ قد صار لحداً مراراً
ضاحكٍ من تزاحم الأضدادِ
أنور السادات في حضرة المعري
دخلت المركز الثقافي، سلمت على صديقي «المعري» الذي لم تغب عن ذهني قط سخريتُه حينما مرض فوصف له الطبيب أن يأكل ديكاً.. فلما جاؤوا بالديك المسلوق ووضعوه أمامه نظر إليه بإشفاق وقال له: استضعفوك فوصفوك!
قلت لمدير المركز الثقافي وموظفيه اللطيفين الذين سارعوا إلى عرض خدماتهم علي: إنني لم آت إلى هنا لكي أدرس فكر المعري وفلسفته واختلاف الناس في عقيدته إذ اعتبره بعضهم ملحداً فقالوا (ملاحدة الإسلام ثلاثة هم أبو العلاء المعري وأبو حيان التوحيدي وابن الريوندي)، والبعض الآخر اعتبروه مؤمناً قوى التعمق في التفكير إيمانَه، وبعضهم الثالث اعتبروه شاكاً حائراً،.. إنما أتيت باحثاً عن أشياء أخرى، أقصد الأشياء الطريفة التي لم يسبق لأحد أن تحدث عنها، وهي في الوقت نفسه لا تسيء إلى شيخنا الجليل.
وجدت لدى المركز سجلاً للزيارات كبيراً يتألف من ثلاثة أجزاء يعود تاريخه إلى أوائل سنة 1957، وعليه تواقيع الألوف من الشخصيات الأدبية والسياسية والثقافية المحلية والعربية والعالمية، منهم على سبيل المثال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وحشر مكتوم، ويغفيني سيدروف، وسعيد حورانية وخالد الرويشان.
(ملاحظة: الأديبة فاطمة عبد الرحمن حصلت على رسالة الدكتوراه على تحقيقها لرسالة الغفران، وقد بذلت في هذا العمل جهداً كبيراً جدا).
ومن أطرف ما حدثني به صلاح كيالي أنه عين في السبعينات مديراً لهذا المركز، وكان كسابقه لا يعرف عن أبي العلاء إلا أشياء قليلة. وكان في المركز موظف صغير عاشق للمعري اسمه محمد رضوان الصديق. وفي أول يوم لتسلم صلاح مهام الإدارة حضر السفير التونسي بدمشق ومعه زوجته لزيارة الضريح، وطلب من صلاح أن يعطيه وزوجته فكرة عن المعري، فتقدم (الصديق) وقال للسفير: هل تسمح لي بكلمتين؟
قال: تفضل؟
فأنشأ يحكي أكثر من ساعة عن تاريخ المعري وفكره وفلسفته وأهميته العالمية، ولما انتهى من الكلام قال للسفير:
وبالطبع فأنا استقيت هذه المعلومات كلها من الأستاذ صلاح كيالي!
أسطورة الذكاء والعمى
وحدثني بعض أهل المعرة عن عادة قديمة يعود تاريخها إلى ما قبل ضم منزل أبي العلاء إلى المركز الثقافي، وهي أن المرأة المعراوية حينما يولد لها غلام كانت تملأ جرة بالماء، وتغطيها، وتودعها عند الضريح، عسى أن يرشح ذكاء المعري إلى داخل الجرة، وتأتي في اليوم التالي وتأخذ الجرة وتدهن بمائها جسم وليدها وتسقيه منها عدة جرعات، وهذه العملية كانت تسمى (تبييت الجرة).
هذا الكلام يقودنا إلى أسطورة لا يعرف أحد مَن يكون مخترعها تقول بأن الله تعالى حينما خلق البشر قسمهم إلى مجموعات لا تقل الواحدة منها عن خمسة وعشرين رجلاً، ووضع لكل مجموعة حصتها من الذكاء في مستودع خاص، على أن يكون توزيع الحصص على أفراد المجموعة في اليوم التالي، ولكن الفتى الصغير أبا العلاء لم يطق على الانتظار صبراً، فتسلل ليلاً إلى المستودع والتهم حصة مجموعته كلها من الذكاء.
فلما عرف أفراد المجموعة الآخرون بما حصل هجموا عليه هجوم الرجل الواحد، وظلوا يضربونه على عينيه حتى عمي، فأمضى بقية عمره من دون بصر، ولكن بذكاء خارق، وأما هم فقد عاشوا بأجسام سليمة، وعيون ترى البعوضة الطائرة في السماء السابعة، ولكن من دون ذكاء!
بنت الشاطئ تبكي عند الضريح
حدثني صلاح كيالي عن شخص أسندت إليه فيما مضى إدارة هذا المركز الثقافي، وكان يرى الزوار يدخلون ويقفون أمام الضريح، ويقرأون الفاتحة، ويخرجون، فلا يستغرب ذلك، لأنه في الأساس يمتلك فكرة بأن المعري شخصية مهمة، دون أن يعرف الكثير عن أسباب أهميته. وذات مرة لفتت نظره امرأة دخلت باتجاه الضريح واحتضنته وأجهشت بالبكاء. استمرت تبكي نحواً من نصف ساعة، فلما فرغت تقدم منها وسألها: من حضرتك؟
قال: أنا فاطمة عبد الرحمن.
لم يفهم المقصود، فأضافت: أنا بنت الشاطئ.
فقال لها بإشفاق: على كل حال أهلاً وسهلاً يا أختي!
خطيب بدلة


