تسعى القاصة والناقدة اعتدال عثمان إلى أن يكون حضورها الأدبي متوازناً بين كتابة القصة القصيرة والنقد الأدبي رغم قلّة نشرها وانصرافها إلى التأمل الجدي في معاينة المشهد الأدبي العربي بتجلياته المختلفة، رواية وشعراً وقصة ونقدا، كما تحلم الناقدة بثقافة كما يحلم الناس أن تكون هناك ثقافة عالمية واحدة تعم البشر.

«مسارات » التقت الكاتبة اعتدال عثمان لقاء كشفت فيه عن آليات اشتغالاتها السردية في النقد والقصة وجماليات الكتابة بشكلها العام وتفحص المشهد الروائي والنقدي بعين إبداعية عبر بعض الرموز الأدبية التي لها ثقلها الإبداعي في شتى المحاور الأدبية. وفيما يلي نص الحوار: في ندوة «الأنا والآخر» التي عقدت مؤخراً في الشارقة كانت ورقتك النقدية مخصصة للروائي العربي بهاء طاهر.. لماذا بهاء طاهر؟ ربما كان فوزه بجائزة بوكر للرواية العربية أحد الأسباب التي استدعت إلى ذاكرتي أنني مهتمة بأعماله ولي أكثر من دراسة عنه، فكانت فرصة للمساهمة بقراءة أعماله كنوع من التقدير العميق له.

إضافة إلى أنه يبذل مجهوداً لا يُرى تحت سطح رواياته. بهاء طاهر ملتزم وصاحب قضية ومبدأ ومثقف تنويري، إلى جانب قناعاتي بفنية أعماله الروائية ومحاولتي الغوص وراء سطحه الروائي البسيط الذي لا يستفز القاريء، بل يتسلل إليه ويشوّقه لمتابعة القراءة. هذا الروائي لديه عمق الرؤيا ويطرح أسئلة الوجود الكبرى. لديه اهتمام أصيل بواقعنا الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي ولديه منظور قومي كما أن لديه صنعة فنية ماكرة.

كتابك «إضاءة النص» هو قراءة نقدية لكبار الشعراء ما هي أدواته للإضاءة والكشف ؟

سأقول شيئاً ربما يبدو خارج السياق قليلاً هو أنني لم أدرس النقد دراسة منهجية ولكنني أتعامل معه كمبدعة دون أن يفقد النقد موضوعيته وقدرته على إضاءة النص والكشف عن أبعاده، بمعنى أنني أحترم خصوصية النص الذي أقوم بنقده وأضيف إليه شيئاً من الجانب الإبداعي الذي أعتقد أنه دفين فيه.

في أحد النصوص الشعرية التي أحبها كثيراً كان قصيدة لمحمود درويش وقدمت في تحليلي لها نصاً على نص، أي أن يكون النص النقدي نصاً إبداعياً بمعنى من المعاني، مستلهما من النص الأول وكاشفا له في آن. وأيضاً ربما في آخر نص نقدي كتبته عن قصة قصيرة للطيب صالح كان هذا الهاجس يحركني انطلاقا من النص الأساسي الذي خلق لدي حالة إبداعية، فكانت الكتابة تعبيراً عن هذه الحالة والتزاماً في الوقت نفسه بمنطق النص الذي قدمه الطيب صالح.

عالمة النقد

أحد النقاد قال عنك أنت «عالمة نقد» ولست ناقدة تقليدية ؟!

هذا كثير جداً.. أشكر هذا الناقد وهذه شهادة أعتز بها وكما قلت أنني لا أتعامل في النقد مع النص بعقل بارد، ولكن أحاول الدخول في أعماقه قدر الاستطاعة، لذلك أعود إلى مسألة إضاءة النص، وكأن الناقد هنا يحمل شعلة من ذاته وداخله ويحاول أن يجعل القاريء يرى معه ما رآه هو داخل النص، وبحكم أنني أصلاً مثل أي قاريء جيد محب للأدب ولست ناقدة بالمعنى الأكاديمي، أو أنني أمارس النقد كعمل مهني، فإنني عندما أجد نصا يمثل لي قيمة أدبية وفنية أتفاعل معه حتماً.

ثم يأتي النقد لا لكونه استجابة نقدية لنص إبداعي فحسب، ولكن من منطلق أن التفكير في ما كتبه الكاتب يجعلني أتأمل ما لدي من أفكار ومن رؤى، كأن هناك جدلاً بيني وبين النص الذي أقوم بنقده.

كتبت عن المكان ووصفتي أن فيه أبعاداً هندسية، إلى أين وصلت في مفهومك للمكان في النص الأدبي ؟

الحقيقة نحن شعوب المكان بالنسبة لنا هو تاريخ وثقافة وانتماء.

نحن في الوطن العربي نشعر أن للمكان تأثيراً كبيراً علينا. أنا ممن قرؤوا وتأثروا كثيرا بكتاب «عبقرية المكان» للراحل جمال حمدان وقرأت باشلار في كتابه «جماليات المكان». المكان عبء ضخم جدا لأنه ليس هو المكان البسيط انما هو مكان مركب، فيه كثير من الأبعاد لا نستطيع تجاهلها، لأنه يترك بصمة لا تمحى في نفوس أهله. جماليات المكان في العمل الأدبي فيها جانب فلسفي في التعامل مع هذا المكان، ليس فقط كموقع جغرافي، بل لما فيه من أنساق معرفية ورؤى للعالم يكشف عنها التحليل النقدي للأعمال الأدبية.

باشلار اعتمد المكان العادي في نظريته النقدية ونجيب محفوظ كان مكانه الأثير المقهى في كل رواياته تقريباً..؟

المقهى موجود في الواقع.. الشرفة موجودة في الواقع.. إنما في الأدب لا تكون الشرفة شرفة فقط، ولا يكون المقهى كذلك، ولكن يصبح المكان هو المناسبة التي يبلور الكاتب من خلالها رؤيته. مقهى نجيب محفوظ هو مرآة للمجتمع كله. الشرفة في شعر السياب تاريخ وتراث ورؤيا تتعدى وجودها الواقعي الفعلي. لكن المكان الفعلي ضروري جداً والواقع مهم جدا ما يجعلني اربط قيمة العمل الأدبي بموقف الكاتب من الواقع.

الزمان في الرواية

لديك اهتمام بدراسة المكان كيف تعاملت مع هذا الموضوع نقدياً؟

المكان ليس كله مكاناً مفترضاً انما يمكن القول إنه واقعي ومفترض في نفس الوقت. منطلق من الواقع ولكنه لا يقتصر عليه.الكثير من الحكايات في أدبنا تبدأ من الواقع الحقيقي لتستقطب إليه أمكنة خرافية تفتح أفق النص على المجهول.

هل هناك رواية عربية وظفت الزمان كشخصية أساسية ؟

الزمان والمكان لا ينفصلان وهذه من المحاور الأساسية لأي عمل أدبي. بينهما جدل وحوار دائم. ربما الرواية يتضح فيها بعد الزمان أكثر من الشعر انما الزمان والمكان لا ينفصلان، ولن تستطيع أن تكتب رواية عن المكان إلا في ظرف زمني معين حتى لو تعمد الكاتب كسر التسلسل الزمني الطبيعي. ربما يكون تلاحق المتغيرات في الواقع الغربي جعل عنصر الزمان يظهر بشكل أوضح من محور المكان. إنما نحن مشكلتنا مع المحورين فلا نستطيع الكتابة بدونهما.

كيف تنظرين إلى تجربة الروائي إبراهيم الكوني ؟

الصحراء عند إبراهيم الكوني عالم كبير.الطيور لها لغة. الرمال لها لغة. الرياح لها لغة. واقعية سحرية إذا شئت لكن من منطلق ثقافتنا العربية، وإن كان يستمد مفردات عالمه من التراث الامازيغي المجهول في واقعنا الأدبي، فيصبح هذا التراث جزءاً من ذاكرتنا الثقافية.الكوني لديه مخيلة نادرة فهو ينطلق من الصحراء إنما يأتي بكل العالم إلى هذه الصحراء وبما فوق الواقع أيضاً (الطير الذي يتكلم. الجمل الذي يرتبط معه بصداقة نادرة. أنسنة الطير والحيوان والشجر) يفتح آفاقاً هائلة للمخيلة من خلال هذا المكان وعبر الثقافة الشفاهية أساساً، وربما هي ثقافة هامشية، لكنها ترفد الأدب العربي بثراء مدهش.

لكن حنا مينا مثلا استدعى البحر في كل رواياته...!

حنا مينا له انجاز روائي ضخم جدا وله قيمة كبيرة في تاريخ الرواية العربية. كلنا نشعر بقيمته الكبيرة وغزارة انتاجه. كاتب له بصمة خاصة في الرواية العربية وأيضا جعل من البحر وحكايات البحارة والصراع الإنساني وأسئلة الوجود الكبرى موضوعا بالغ الثراء.فهو لا يتحدث عن البحر كمكان محدد انما أصبح البحر مستودعا لتاريخ البشرية ومحنة الإنسان.

يقال ان هذا العصر الأدبي هو عصر الرواية بعد انحسار دور الشعر إلى حد ما، ما هو رأيك ؟

ليس هناك نوع ادبي يمكن ان يلغي الأنواع الأخرى لكن ربما يرجع الأمر إلى طبيعة المرحلة التي تحدث فيها تغيرات جوهرية، فالرواية بحكم طبيعتها أقدر على تتبع هذه المتغيرات في واقعنا.لكن ستظل كل الأنواع الأدبية قائمة. لا يلغي أي نوع أدبي أي نوع آخر. فقط قد تكون الرواية أكثر تعبيرا في هذه المرحلة.

القوالب ليست مقدسة

إذا حاولت أن أحدد موقفي من قصيدة النثر فأنا لا أصادر حق الشاعر في أن يجدد أسلوبه وطريقته في التعبير عما يراه. ليست هناك مصادرة على أية محاولة لكن إذا كانت قصيدة النثر هي استسهال للأداء الشعري أو نوع من الفوضى التعبيرية، فهذا لا اتقبله حتى كقارئة. قصيدة النثر في تجلياتها البارزة هي تكثيف للمعنى ضاق القالب المعتاد عن الوفاء به.القوالب ليست مقدسة، فقد صنعها الشعراء لضرورة فنية. والشعر ليس قالبا واحداً.

وارد بدر السالم