إن انتشار الموسيقى، كمفهوم صوتي في حيّز معين، وكيفية الاستماع إليه يخضعان لمنطق الفراغ نفسه.ثمة علاقة قوية بين الموسيقى والفراغ، حيث لا يمكن للموسيقى أن تكون موسيقى إلا بوجود فراغ كاف، محسوب بدقةٍ، يمكّنها من أن تكون مجموعة إيقاعات منتظمة، ذات ترددات صوتية، يكون في وسع الفراغ بلورتَها بمعنيً ما.
علاقة الموسيقى بالفراغ، تستحضر علاقة العبارة المتصلة والمكتوبة بالفراغ الموجود في الصفحة، إذ يستحيل قراءة العبارة هذه، لو جرى الوصل الكلي بين حروفها، دون ترك مساحة كافية من الفراغ، للتمكن من القراءة، إن الفراغ هو وهَّاب المعنى الجمالي، أو الدلالي للملء هنا.
إن انتشار الموسيقى، كمفهوم صوتي، في حيّز معين، وكيفية الاستماع إليه، يخضعان لمنطق حصيف، هو الفراغ نفسه، عندما يكون الأثير أشبه بمسامات الجسم، في تموجاته، وليس انتقال الموسيقى، إلا تفعيلاً صوتياً، وضمن نظام طبيعي ـ فيزيائي، على أساسه نستطيع سماع الموسيقى.
وإن أردنا التقدم أكثر بمفهوم الفراغ، بالنسبة للموسيقى، فليس لنا إلا أن نمعن النظر، في القيمة الأدائية للصوت، وكيف يستقبل الجسم، وهو بسلامة حواسه، وكذلك قواه المعرفية، ولكن، ودائماً، عبر توافر فراغ كاف، هو الحقيقة المسمّية لذات الموسيقى، كما هو الحقيقة المرئية للفنون الأخرى.
ولعل رفضنا لما يُعتبَر موسيقى، وهو خلافه، أو عدم انسجامنا، بطريقة ما، مع المعتبَر موسيقى، وفي حالات معينة، يُفَسَّر، وفق مقتضى فيزيائي ومعرفي، والمتعلق بنقص الحيّز الفراغي، بعدم توافر الفراغ المساعِد للموسيقى في أن تكون مجموعة الإيقاعات التي تخاطب ذائقتنا تماماً.
إن مفهوم الاكتظاظ بليغ هنا، ففي الوقت الذي يشكل هذا المفهوم، عائقاً يتهدد نظام الحركة، ويبعث على التوتر، أظن الأمر هكذا مع الموسيقى. إن استجابتنا للفراغ مدخل جليٌّ لحقيقتنا الصوتية، وقد استحالت إيقاعاً ذات معنى، وأن التنوع في الإيقاع، ليس سوى الحضور الكافي لتلك الفراغات المتعددة المستويات، أو نسب من الفراغ، لجعل المسموع أكثر تنوعاً بالمقابل.
ويمكن ممارسة تعميم هذا المفهوم، على أشياء كثيرة، نعيشها غريزياً، وثقافياً لاحقاً، سواء في تناولنا للطعام، أو شرب الماء، أو حتى في اللباس، وفي مجال رؤية جسم، إذ في كل الحالات، لا بد من ترك فراغ ما، لنكون أكثر قابلية للحركة، ولرؤية الأبعاد، وللتمتع بشيء ما كذلك.
وما نشهده من تحول كبير، وصادم للكثيرين، في الموسيقى: الإيقاعية الطابع( حيث الاهتزازات حوار تناغمي بين الملء والفراغ)،أو العزفية الطابع( حيث اهتزاز الوتر ليس سوى تحاور مدروس، بين الملء والفراغ نفسه.
وهذا ينطبق على النفخية الطابع في الموسيقى( حيث الترددات الصوتية، تمثل تعييراً منتظماً للملء والفراغ معاً، وبنسب متفاوتة)، يشكل تحولاً في الذوق، وفي تغيير نظام العمل بمبدأ الإيقاع، عبر توسيع مفهوم الفراغ نفسه، وخصوصاً، مع تنامي الاعتماد على الأجهزة المبرمجة، وفي دنيا العولمة، وخلخلة الفراغ العابرة للحدود هنا وهناك.
ولحظة الحديث عن الفراغ ذي الصلة بما هو عالمي، لا بد من التذكير بتداعيات الفراغ، وطبيعة الاستجابة لنوعية الخلخلة المستحدثة، حتى على مستوى فضائي، وفي المجال المسمَّى بالصمت والبعد الفراغي فيه، أو له، على صعيد الموسيقى التي تمثل ضرباً من ضروب اللا عقلانيات الكبرى، وقد اكتسبت صفة المواطنة العالمية، كون الأذواق المخاطَبة هنا، وكما يمكن ملاحظة ذلك، من خلال القنوات الفضائية، والالكترونيات المخصصة، يمثل المرمى المستهدَف لهذا الفراغ المسكون بالموسيقى.
ويعني هذا، أن جملة اللا عقلانيات التي كانت حتى الأمس القريب، تشكل نشازاً في الصوت المسموع، وكيفية الترويج لها، ومن هم الذين يمثلون روادها، أو المتحمسين لها، قد ارتقت، وقد منحَت أبعاداً قيمية مغايرة، ولا يعود ممكناً طرحها للمناقشة، لتقرير مصيرها، وإنما لمكاشفة ما وراء هذا التحول، ما جعل الفراغَ أكثر عمقاً، وما جعل الموسيقى أكثر قرباً من الوعي الجمالي لعالم الصوت وذوقيته!
إبراهيم محمود
