تستقبل الاسكندرية عشاقها بمعزوفة لموسيقى الطبيعة، فكلما اقتربنا منها يتعالى العزف ونتنفس هواءها المعطر بعبق البنفسج البري على التلال الصغيرة عند مدخلها.. هذه هي الإسكندرية ـ كما تعودناها دوما قبل الوصول إليها نستمتع بموسيقى الطبيعة ذات النغم الخاص جداً، ولكنها أين تكمن؟

منى مدكور

عند مدخل الإسكندرية من الطريق الصحراوي الذي يربطها بالقاهرة، نجد منطقة تعرف بالملاحات، برَك مائية تمتلئ بأعواد الخوص وأشجار الخيزران، وقوارب مستطيلة برع في تسييرها «إسكندرانية» يرتدون السروال الإسكندراني الأسود المتسع وفوقه صديري رمادي مفتوح، هؤلاء يصيدون البط البري الذي يسبح في مياه الملاحات، يتداخل صوته مع «غناوي الصيادين» وصوت طواحين الهواء المنتشرة في هذا المكان. وغناء الصبية الصغار وهم يبيعون في أقفاص يدوية الصنع التين الإسكندراني الأخضر، وينادون عليه بنغمات فطرية لم تفارق الآذان حتى اليوم، وغيرهم يبيعون أقفاصاً أكبر بها عدد من طيور السمان المهاجر والذي حط برحاله دون أن يحسب مشوار هجرته بطريقة صحيحة وإن في آخر المطاف سيصطدم بشباك الصيادين على امتداد بحيرات الملاحات..

فينشد معزوفته الأخيرة، كل هذه الأصوات مع نسمات رياح المتوسط معزوفة طبيعية ألفها المكان ووزعتها الطبيعة نشهد بعبقرية تلك المدينة الساحلية التي خرجت من قلب التاريخ لتستقر في قلوب كل عشاقها. زرقة المتوسط بدأت ترحب بعشاق المكان، ورائحة الملح تجذب القادمين، فيدخل هنا الشكل والصوت معاً، فتكون عبقرية المكان بحق، استسلام الأمواج على شطآن الفيروز وزرقة المياه التي تمتد إلى خط الأفق البعيد، جميعها مفردات وطقوس استقبال الإسكندرية لعشاقها، وكأن قدومنا إليها «وعد ومسطر على الجبين.. أن نشرب من الحب حبة ونزور كل الأحبة.. ونسمع غناوي الصيادين»، هكذا تغنى الفنان الكبير محمد الحلو في مقدمة رائعة الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، «زيزينيا»، وهي اسم لحي من أرقى أحياء الإسكندرية، هو الحي نفسه الذي شهد مولد الفنان «جميل راتب».

وبعد أن كانت زرقة المتوسط مجرد لوحة بعيدة نسبياً عنا ـ نحن عشاق المدينة ـ إلا إننا نجد أنفسنا على كورنيش الإسكندرية «ناس ومكان ودنيا»، وهو كورنيش يأخذ شكلاً متعرجاً نصف دائري يبدأ من أبي قير المشهورة بأسماك الدنيس والوقار والسردين الاسكندراني وبها أشهر مطاعم تقدم الأسماك على الطريقة السكندرية المعروفة.

يمتد الكورنيش ليصل إلى منتهاه في منطقة شعبية معروفة باسم «الأنفوشي»، قبلها بقليل مكان بسيط بشكله وسكانه يعرف باسم «كوم الدكة».. التي شهدت مولد الفنان الكبير سيد درويش مجدد الموسيقى العربية وباعث النهضة الموسيقية في مصر والوطن العربي، وقد ولد في 17 من مارس 1892، وتوفي في 10 من شهر سبتمبر من العام 1943 حياة قصيرة وعطاء كبير، 36 عاماً فقط هي سنوات عمر سيد درويش.

وحتى كوم الدكة هو مكان لحرفة النجارة، عمل بها سيد درويش ولكن المشهد الاجتماعي للمكان ترسخ في ذهنه حتى نتج عنه العديد والعديد من الأغاني تحث الطبقة العمالية الفقيرة على الاستمرارية والصبر، وكان يغني في المقاهي والحانات ومن أشهر الأغاني التي ارتبطت بطبقة العمال هذه، أغنية «الحلوة دي قامت تعجن في الصبحية...

والديك بيدن كوكو كوكو في البدرية.. يالاه بنا على باب الله يا صنايعيه» إذا كانت الكلمات واللحن من الوهلة الأولى يبدوان فنا شعبياً بكلمات تداعب الخيال إلاّ إن جوهرها يحمل بُعداً سياسياً على التمرد، وضرورة أن تحفّز الهمم.. همم الكادحين.. وهناك العديد من الأغاني التي تعكس نشاط سيد درويش السياسي المعادي للاستعمار البريطاني وقتذاك، والدليل الأكيد على ذلك هو مشاركته في ثورة 1919، حيث لحن أغنية «المصري كريم العنصرين» من كلمات بيرم التونسي.

أما لحنه لأغنيته الشهيرة «أحسن جيوش في الأمم جيوشنا وقت الشدائد تعالى شوفنا ساعة ما نلمح جيش الأعادي نهجم ولاحد يحوشنا»®.

ولم يقف إبداعه الفني على تلحين الأغاني فحسب، وإنما كان يشمل إبداعه معظم أشكال الفن الموسيقي، فقد لحن 28 أوبريتا وموشحاً و66 طقطوقة، ولحن أغاني العديد من المسرحيات التي كانت باكورة الفن المسرحي بالإسكندرية وجميعها كان موجها ضد الاحتلال البريطاني والعثماني وقد استخدم في موسيقاه مقامات موسيقية كانت قليلة الاستخدام وقتذاك، تفردت موسيقاه بها، أظهر من خلالها قدرة هائلة لم يسبقه أحد فيها، في انتقاله بين المقامات.

ومن أشهر أغانيه الملحنة بهذه الطريقة، الطقطوقة «زوروني كل سنة مرة» و«يا بلح زغلول» وهذه الأغاني وغيرها الكثير من أغاني سيد درويش مازلنا نستمع إليها ونحن نسير على كورنيش الإسكندرية حيث يخرج صوت سيد درويش من مقاهي الأرصفة التي اشتهرت بها عروس المتوسط، وبتلقائية نردد الأغنيات مع نسمات البحر وشمس الغروب ورائحة الذرة المشوية التي ينادي عليها الباعة المفترشون الكورنيش ويقولون بلهجة لا تخلو من غزل البنات الإسكندرية وزائريها.. «أيوة الحمام المشوي» على جمر النار، ويرد بائع «الفريسكا» وهي أنواع من البسكويت بالعسل والمكسرات لا يباع إلا في الإسكندرية فقط.. يقول «المعسلة قوي ياست فريسكا»..

وربما من هنا كان المسلسل الرائع للفنانة آثار الحكيم الذي يحمل اسم «فريسكا»، يعكس مشاكل هذه المهنة في تصنيعها وبيعها، واللهث وراء الرزق منها.. ومع اللهث لا يغيب الأمل، وهي فكرة المسلسل العظيم مع سيد درويش.. تستمر سطورنا، فهو باكورة الفن الحقيقي وتطوير الموسيقى العربية على يديه لتصل إلينا عبر دندناته على عوده الشهير الموجود حتى الآن في أوبرا الإسكندرية التي كانت في الأصل مسرح سيد درويش في منطقة الشاطبي، التي تعج بالفن الحديث.

فما إن جاءت الساعة العاشرة مساء إلا ونجد مسارح الشاطئ تفتح أبوابها ليستمتع روادها بمسرحيات شهيرة حديثة كمسرحية «الزعيم» و«الواد سيد الشغال» بطولة الفنان الكبير عادل إمام وغيرها الكثير كان يعرض مثل «العيال كبرت»، «وهالو شلبي»، وغيرها.

الفن هو رئة الإسكندرية، ومظهر من مظاهره، لأنها مدينة خرج من تحت عباءتها كبار الفنانين في مقدمتهم عمر الشريف خريج مدرسة «السان مارك» الإنجليزية، الذي قضى طفولته وشبابه في الإسكندرية، ولعل مسلسله الأخير الذي عرض في رمضان السابق تحت اسم «حنان وحنين» وهو من فنون «النوستالجيا» أي ذكريات الحب والعشق التي تحتوي على قلب الإنسان ووجدانه، معها يحيا وبها يرحل لأنها جزء من القلب ومساحة في الذاكرة أبت أن تنزوي في اللاشعور.

أسامة أنور عكاشة، من مواليد الإسكندرية والذي يذهب إليها عندما يلّح عليه الإلهام، وتختمر بداخله فكرة لمسلسل ممتد الأحداث، فيهرب إليها.. ويكتب.. وينسج أحداث لم يبرع مؤلف وكاتب سيناريو حوار، في نسجها بكل الأحكام والروعة الفنية هذه، سواه، فأخرج نتاج سكندري الطابع في العديد من مسلسلاته أهمها «زيزينيا» بطولة الممثل الكبير يحيى الفخراني، «بشر عامر عبدالظاهر»، والذي قال في مقدمة المسلسل «أنا السر ومفتاح اللغز»، ربما لأن ازدواجيته النابعة من الأب السكندري والأم التليانية هما الخلفية الحقيقية لتشابك أحداث المسلسل.

رائعة فنية لعكاشة، خرجت من تحت العباءة السكندرية أيضاً وهي «النوة» تعكس مجتمع منطقة «زنقه الستات»، وتحكي حكاية مقاومة الاستعمار على يد اسكندرانية جدعان.. «الراية البيضاء» من إخراج محمد فاضل تعكس التناقضات الطبقية في المجتمع السكندري.

الفن وعشق المكان، هما الجوهر والمضمون لعبقرية مدينة تخرج من البحر.. هي مدينة الإسكندرية..

رحلتنا مع الفن في الإسكندرية.. رحلة لا تنتهي، فإذا انتقلنا إلى السينما المصرية، لوجدنا العديد من الأفلام التي صورت على شواطئها وشوارعها ومقاهيها، منها كلاسيكيات السينما المصرية كفيلم «السمان والخريف» لمحمود مرسي، ونادية لطفي.

وهو من روائع الكاتب المصري العالمي نجيب محفوظ، فيلم الخطايا وأبي فوق الشجرة للعندليب الذي أخذ على عاتقه أن يحكي حكاية شعب»، فكانت العبقرية هنا حركته عبقرية حليم وعبقرية المكان.. الذي نلمحه في أغنية «أحضان الحبايب» الذي شدا بها حليم على شاطئ عايدة في المنتزه، وهو شاطئ برمال ذهبية وأشجار نخيل وخلفية البحر يجدد الحياة في قلب عشاق المدينة.

وهناك من عشاقها من تجسد حلم حياته ولو لحلظات قبل الممات والرحيل من عالمنا، فقط أن يطل إطلالة ولو أخيرة، ليطمئن على من عشقه وليطمئن أن الذكريات مازالت تنبض، من جمالها، سيصحبها العاشق في حب المكان، إلى مثواه الأخير مع مجمل أعماله، وقتها سيبوح بإعجاز الخلق عن حق. عندما يستقر في سكون ينتظر الحساب.

وللفلولكلور السكندري، حكاية تحكي، فهو الذي شكل الحس الفني لدى الطبقات التي تعيش في المناطق الشعبية مثل «كرموز»، والأنفوشي ومنطقة «المرسي أبو العباس»، فمن هذه الأماكن خرجت أغاني الإخراج وزفة العروس، وهناك زفة رائعة، هي الزفة الاسكندراني تزف العروس من منزل والدها وحتى سيد مرسي أبو العباس، بالدفوف والطبل والصاجات والزغاريد، يقول المغنون: «باسم الله الرحمن الرحيم، نبدأ الليلة، الصلاة على النبي والصلاة على الزين»، فرحة من القلب تسيطر على المشاعر، مشاعر بسطاء من حقهم الفرح والشجن، والاحتفاظ بالذكريات.

يوسف شاهين المخرج العبقري من مواليد الإسكندرية عشق «المالح»، هكذا يطلقون على البحر هناك في المناطق الشعبية، من أشهر أعماله «إسكندرية كمان وكمان» وهو فيلم مستوحى من المدينة التي عشقها عبقري السينما المصرية..

الفن في الإسكندرية جزء من يوميات وأمسيات المدينة، كبريات محلات الحلويات والتي مخصص فيها مكان لجلوس روادها، عبارة عن صالة كبيرة تأخذ شكل المقاهي الراقية، صممت على الطراز الإيطالي، من أهمها مقهى «آتينيوس» في محطة الرمل، جمال وأناقة المكان فرضت ألا تدخله إلا النخبة من أهل الإسكندرية .

ومن زائريها الواقعين في حبها.. يوميا بعد الخامسة بعد الظهر يستمع رواد «آتينيوس» إلى كونشرتو بعزف موسيقيين خليط من أهل البلد والأجانب من «التلانية» كما يناديهم الناس بلغة الإسكندرية، ندلاء من الذين أبوأن يتركوا المكان، يخدمون على الناس، مرتدين قفطانا بلون ماء البحر في زرقته، مطرز بخيوط من الذهب، يقدمون الجاتوه الفرنسي الشهير «الميلفوي» والحلوى الإيطالية «تيراميسو»، فيختلط مذاقهما المتفرد، برقى العزف، فيتحقق شئ نفقده في أيامنا هذه «الإنسانية» و«احترام الذات».

«بودرو» و«فلوكيجر» و«البوريفاج» ومقهى سيسيل جميعها أماكن تستقبل زوارها بموسيقى هادئة لا يسع الحاضرين للمكان سوى الإنصات باحترام..

وعلى الطرف الآخر من هذه المقاهي الفخمة، يعج مجمع لدور العرض أشهرها على الإطلاق سينما ستراند، ورويال، وأمير، وسينما مترو الإسكندرية، صالاتها تصطف فيها الكراسي المكسوة بالقطيفة الحمراء وبساط أحمر مذهب يفترش المكان.. الذي لا يسمح فيه بتناول أي مأكولات، إلا في «الانتراكت» أو الاستراحة قبل بدء العرض، على المشاهدين الذهاب لمقهى أنيق داخل السينما نفسها، ترى هل الناس في ذلك الوقت هم الذين يشبهون المكان، أم المكان نفسه يشبه هؤلاء الحاضرين إليه بالاحترام كله!

ترى من الذي تخلى عن الآخر في زماننا هذا الخالي من التصنيف، هل الناس رفضت أماكن النخبة.. لأن النخبة هذه انزوت بعيداً من ظلمات الدماغ، أم المكان لفظهم بنفس العبقرية التي استقبلهم بها؟

نوع آخر من دور العرض تفتح أبوابها لروادها المصطافين مثل سينما المنتزه وأمير، وهي من نوعية دور العرض المفتوحة في الهواء الطلق، تختلط فيها نسمات البحر بجماليات الفن المعروض.

قبل أن نضع هنا نقطة النهاية لسطور ألقت الضوء على الحركة الفنية بالإسكندرية، لابد وأن يقفز إلى ذاكرتنا مهرجان «الإسكندرية الدولي للتلفزيون» الذي كان يتخذ من فندق سان استيفانو العريق مكانا له وكان الحضور من الفنانين العرب والأجانب يأتون بأزياء محترمة تليق بقدسية الفن والفنانين معاً، فكان يقدم الحفل الفنان المصري سمير صبري الذي يجيد الانجليزية بطلاقة والفنان سمير الاسكندراني الذي غنى للبحر والنيل ومصر.

من الفنانين الأجانب الذين قطعوا شوطاً عبقرياً في مجال الدراما التلفزيونية الفنان الأميركي «جاردنر ميكاي» وهو صاحب المسلسل الممتد في أحداث داخل سفينة تشق البحار ـ صاحب مسلسل «الفيوجتيف».

وكان يظهر فيه بملابس البحار. و«جولي اندروس» صاحبة فيلم «صوت الموسيقى» والذي تحول إلى مسلسل كرتوني في السبعينيات من القرن الماضي، تحضر ومعها الكمان الشهير، «روجرموور» بطل فيلم «ذي سينت» أو القديس بحق مهرجان التلفزيون كان يتوج المدينة الناعسة على شط المتوسط يتوجها بما يليق بها من فن محترم وملابس «وهوت كوتير»، واحترام لتقاليد المهرجان: «الدخول بالملابس الرسمية»، «الرجاء عدم اصطحاب الأطفال»، وكان الاحترام والالتزام متعادلين، فكانت الناس تشبه عصرها وقت ذاك.

ولكن رحلة الفن بالإسكندرية لم تنته يوم رحيل سيد درويش قبل أن يرى اللحن الأخير لكلمات اقتبسها من أقوال الزعيم مصطفى كامل في بعض عباراته وجعل منها مطلعاً للنشيد الوطني المصري: «بلادي.. بلادي لك حبي وفؤادي.. ففي يوم عودة الزعيم مصطفى كامل.. لم يف سيد درويش بوعده في استقبال الزعيم الكبير العائد من منفاه، فقط لأن الموت كان أسرع في قبض روح فنان الشعب.. سيد درويش.