كتاب «شروط حياة السود» يعالج كما يدل عنوانه ظروف حياة المواطنين الفرنسيين ذوي الأصول الإفريقية، أو ما يسميه المؤلف بـ «أقليّة فرنسية».

النقطة التي ينطلق منها المؤلف في معالجة موضوعه تكمن في القول إنه غدا من الممكن اليوم الحديث عن مسألة سوداء في فرنسا، وذلك على خلفية بروز الدور الذي يلعبه السود على المسرح الوطني الفرنسي العام. هذا الدور يبدو بجلاء فيما يحققه الرياضيون السود من تواجد على أعلى المستويات. أكان ذلك فيما يتعلق بالفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم أو في مختلف الرياضات الأخرى.

ولكن برز دور السود أيضا أثناء عمليات الشغب والاضطرابات التي شهدتها ضواحي عدة مدن فرنسية في خريف عام 2005 ونتج عنها حرق ما يزيد عن عشرة آلاف سيارة وعشرات المؤسسات ووسائل النقل العام. وبروز لـ «السود» أيضا في مختلف حركات مناهضة العنصرية وكل أشكال التمييز العنصري، هذا فضلا عن المساهمة السوداء البارزة في العديد من الجمعيات ذات الطابع الاجتماعي . هذا كله كان محصلة السنوات العشر الأخيرة، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب.

ولعله يمكن القول إنه، رغم وجود العديد من الدراسات التي تعرّضت لمسائل حدثية راهنة تختص بالسود المتواجدين في فرنسا، قد يكون هذا الكتاب هو العمل الأول الذي يؤسس لـ «الدراسات المختصة» بشروط حياة السود في فرنسا ، أي دراسات «سوداء» بالتوازي ،أو بالتمايز أيضا، عن مثل هذه الدراسات العديدة في الولايات المتحدة.

إن المؤلّف يبيّن في تحليلاته أن «شروط حياة السود» في فرنسا تدل على وضع اجتماعي لا يمكن وصفه بوضع طبقة أو فئة أو طائفة وإنما بالأحرى وضع أقليّة . وذلك بمعنى مجموعة من الأشخاص تجمعهم التجربة الاجتماعية المحيطة بظروف حياتهم وحيث يتم النظر إليهم عامة من خلال لون بشرتهم ، أي أن صفة السواد هي التي توحّد بينهم.

وهذا ما يشرحه المؤلف على مدى الفصول الستة التي يتألف منها الكتاب والتي تحمل العناوين التالية: واقع أن يكون المرء أسودا و الملونون، التاريخ والإيديولوجيا والممارسات الخاصة بالتعامل مع ذوي البشرة الملوّنة و نحو كتابة تاريخ للسود في فرنسا و جرد لأشكال الممارسات العنصرية ضد السود و أشكال التمييز العنصري وأخيرا: القضية السوداء، أشكال التضامن بين السود .

في البداية يستخدم المؤلف جملة قالها ذات يوم المفكر كلود ليفي ستروس، مؤسس البنيوية، وجاء فيها: في الحقيقة ليس هناك شعب طفل، فجميع الشعوب بلغت سن الرشد، وحتى تلك التي لم تكتب يومياتها منذ الطفولة ومنذ المراهقة .

مثل هذه الجملة تشكل عمليا برنامجا للكتاب يرمي فيه المؤلف إلى تقديم جميع البراهين على أن السود في فرنسا قد بلغوا سن الرشد هم أيضا.

وما يؤكده المؤلف هو أن قضية السود في فرنسا يتم طمسها بصورة مدروسة، وذلك بعد أن كان قد جرى دفعها رمزيا إلى الصفوف الخلفية بحيث إن الأقلية السوداء كانت تعيش حالة من التهميش الحقيقي. هذا ما يحاول المؤلف أن يقدم البرهان عليه من خلال تجربته الخاصة رغم أنه، وكما يصف وضعه، ثمرة زواج مختلط من أب سنغالي ومن أم فرنسية.

وهو يرى أنه لا بد من إصلاح مثل هذا الوضع. نقرأ: إن السود في المجتمعات التي لا يشكّلون فيها سوى أقلية صغيرة مثل المجتمع الفرنسي يتعلّمون منذ سنوات طفولتهم الأولى أنهم من السود. ويغدو من الصعب النجاة من ذلك، إذ لا تمكن المراوغة مع لون الجلد واختيار المرء بحرية لهويته تبعا للحظة وللمكان وللآخرين الذين يحيطون به . ولا يتردد المؤلف في هذا السياق في توجيه أصابع الاتهام لما يسميه الإيديولوجية الجمهورية الساعية إلى ابتلاع الآخرين .

ويحدد المؤلف الخلل الأكبر في نظره، بوجود تناقض لا يمكن تجاوزه. ويكمن هذا التناقض في أن فرنسا، وعلى عكس الولايات المتحدة، رفعت شعار اللامبالاة باللون، نظريا . ولكنها بالمقابل لم تتردد في أن تنظر إلى سواد البشرة كدليل على عدم التمدن ، وبالتالي أن يكون المرء أسودا في فرنسا يعني أنه يعاني من نقص اجتماعي موضوعي .

ولا يتردد المؤلف في القول إن هناك توجها فرنسيا فكريا ما، غير معلن إلا بدرجة قليلة، يقول بالنظر إلى البشر على أسس بيولوجية ، الأمر الذي يشكل نوعا من الداروينية الاجتماعية . وفي مواجهة هذا يتم التأكيد في المحصلة على أنه من حق السود في أن تتم معاملتهم، حسب كفاءاتهم، دون أي تمييز.

ولكن من حقهم أيضا المطالبة بالاعتراف بـ «الروابط الثمينة والفريدة مع المجتمع الفرنسي ومع الثقافة الفرنسية» ثم إن السود موجودون كنتاج للروابط الاجتماعية القائمة، إنهم موجودون كون أنه يتم النظر إليهم على أنهم سود .

هذه دراسة مكثّفة يحلل فيها صاحبها تجربة أولئك الرجال والنساء الذين كانوا باستمرار أحد مكونات المجتمع الفرنسي منذ القرن الثامن عشر... دراسة حول أقلية فرنسية سوداء في الماضي والحاضر.

الكتاب: شروط حياة

السود: دراسة حول أقليّة فرنسية

تأليف: باب ندياي

الناشر: كالمان ليفي باريس 2007

الصفحات: 435 صفحة

القطع: المتوسط

La condition noire: essai sur une minorité française

Pap Ndiyaye

Calman- Levy -Paris 2007

P.435