عندما يقع نظرنا على كتاب ونقرأ عنوانه الذي يتشابه في ذاكرتنا مع عنوان آخر نسارع إلى الجزم انه كتاب معروف لا جديد فيه، وبذلك نطلق حكما متسرعا وكأننا قرأنا الكتاب حقا، أو كأن احداً ما أخبرنا بفحواه، فالعنوان أحال ذاكرتنا إلى مخزونها المتشابه مع عناوين أخرى، وبعملية هائلة السرعة استنتجنا انه كتاب معروف سلفاً.
هذه الصيغة المتسرعة ليست حصرا على الكتب فقط، فليجرب أحدنا الدخول في موضوع عبر تمهيد مألوف لموضوع آخر سيجد أكثر من صوت يحتج على الإعادة والتكرار، وليبدو ان المتحدث يسترجع ذات القصة، فقط لأن بعض العبارات تشابهت مع مخزون الذاكرة لقصص مماثلة أو لأن بعض الأحداث جرى ربطها بما شابهها في الذاكرة.
في ذاكرتنا تعيش القصص طويلا، وبعضها يبقى محفورا مدة أخرى لأنها تحمل قيماً ومعارف مختلفة، وهو ما يحولها إلى أبدية، ونادرا ما تفوق النسيان عليها، لذلك نتذكر بعض الوقائع ونربطها مع ما يماثلها من رأس حكاية جديدة أو حديث طازج، معلنين أننا نعرفه غير مدركين الجانب الملتبس من التشابه أو المقاربة وغير مقدرين طمس حقيقة الحكاية.
ذات يوم حدثنا قارئ حصيف عن كتاب جديد جاءه من بيروت وفيه تشابه بالعنوان مع كتب أخرى لذات الكاتب، وهي سلسلة يحاكم المؤلف من خلالها بعض الرموز التراثية في التاريخ العربي، فصادرنا حقه في الاستفاضة، مؤكدين أن الكتاب معروف ومنشور سابقا وان الصحف تناولته تحليلا ونقدا، فقلب القارئ يديه متعجبا من تسرعنا وقلة صبرنا.
إن إطلاق الأحكام المتسرعة والمسبقة على ما نرى أو نسمع جعل منا غير قادرين على تبين الحقائق واستنتاج الوقائع، كما أحالنا تسرعنا إلى ثقافة مستعجلة تعرف القشور ولا تغوص في الأعماق، ثقافة جاءت من عناوين نشرة الأخبار، لكننا (للأسف) نحلل الخبر فائضين بالثرثرة والإضافات والإصغاءات المستعجلة، لأننا أمسكنا رأس الخيط.
ما يدعو للأسف المطلق ليس مصادرة حق الآخرين في نشر المعرفة، بل في حجب المعرفة وعدم السماح بمرورها إلى من يبحث عنها، تصورا لو أن الرقيب كان شخصا متسرعا، ترى كم من الكتب سيحجبها، وكم من المعارف سيصادرها، فقط لأن العناوين تشابهت ولأنه قارئ مستعجل لا وقت لديه.
