تعتبر الشاعرة والروائية البريطانية شارلوت لينوكس واحدة من أشهر أدباء وكتاب القرن الثامن عشر، وقد حققت نجاحها بعد نشرها لرواية «كيخوته المرأة أو مغامرات أرابيلا» حيث تميز أسلوبها بصورة عامة بروح السخرية والدقة في السرد والذكاء في معالجة الموضوعات.
ولدت لينوكس عام 1730 في غيبرالتار في أميركا، حيث كان مقر والدها الكابتن الاسكتلندي في البحرية الملكية. ولم يتمكن المؤرخون من معرفة الكثير عن طفولتها سوى أنها عاشت في نيويورك من عام 1738 إلى 1748، وأنها حصلت في الخامسة عشرة من عمرها على عمل كمرافقة لقريبتها الأرملة ماري لاكين في لندن، التي اكتشفت بعد وصولها أن الأرملة فقدت عقلها، فانسحبت وعملت لدى السيدة إيزابيلا فينش، التي أحبتها وكتبت لها الإهداء في أول ديوان شعر لها بعنوان «قصائد بمناسبات عدة» عام 1747. كانت شارلوت تمني نفسها بالحصول على وظيفة في البلاط الملكي، إلا أن زواجها من ألكسندر لينوكس الاسكتلندي العاطل عن العمل جعلها تصرف النظر.
وفي عام 1750 خاضت تجربة التمثيل لكنها لم تحقق نجاحا يذكر مقارنة بنجاح قصيدتها »فن الدلال« التي نشرتها في العام ذاته، العام الحافل الذي التقت فيه أيضا بصاموئيل جونسون الذي حمل لها مكانة خاصة من التقدير، وأقام لها حفلا ضخما بعدما نشرت أول رواية لها «حياة هاريوت ستيوارت» عام 1752.
وكان يراها متفوقة على صديقاته من الكاتبات اللواتي عرفهن أمثال إليزابيث كارتر وحنا مور. وقدم لها الكثير من الدعم مع حرصه على تعريفها بأهم الشخصيات في عالم الأدب في لندن.
وقد ساعدها كل من صاموئيل ريتشاردسون وجونسون في مراجعة روايتها الثانية «كيخوته المرأة» أو «مغامرات أرابيلا» قبل نشرها. حققت لها تلك الرواية شهرة واسعة خارج نطاق بريطانيا وأشاد بها هنري فيلدينغ. وتم طباعة عدة نسخ منها، لتصبح من الروايات العظمى من عام 1783 إلى 1810، وترجمت إلى الألمانية والفرنسية والاسبانية.
كما ساعدها الناقد الإيطالي جوزيف باريتي في تعلم اللغة الإيطالية وترجمة كتاب «المسرح الإغريقي للأب بورنوي» عام 1760، كما قدمت دراسة عن مصادر مسرحيات شكسبير وترجمة لكتاب«مذكرات ماكسمليان دي بيثون، دوق سالي». أما روايتها الثالثة «هنرييتا» فصدرت عام 1758. دخلت بعد ذلك تجربة كتابة الدراما حيث نشرت عام 1762 مسرحية «الأخت»، ومسرحية «سلوكيات مدينة قديمة» عام 1775.
عاشت شارلوت في شبه عزلة عن سيدات مجتمعها نظرا للصداقة المتينة التي ربطتها مع الأدباء الثلاثة صاموئيل جونسون وجوشوا رينولدس وصاموئيل ريتشاردسون، ولم تكن سعيدة في زواجها حيث تم انفصالها عن زوجها عام 1793. وكانت تعتمد في معيشتها على دخلها من الكتابة وقضت سنواتها الأخيرة في فقر مدقع معتمدة كليا على معونة صندوق الأدب، وتوفيت في 4 يناير عام 1804 ودفنت في قبر بلا شاهد أو اسم، بعدما قدمت للأدب ديوانين من الشعر وخمس روايات آخرها «أوفيميا» التي نشرت عام 1790 ومسرحيتين.
دعت رواية «كيخوته المرأة» النقاد إلى إعادة النظر في الهدف من الأدب وتعريفه، وتقييم مزاياه وسلبياته، وتأثيره على مفهوم القيم والأخلاق، لا سيما وأن النقاد في القرن الثامن عشر كانوا يأخذون على عاتقهم مهمة إيعاز المجتمع بشأن عادات القراء، واقتراح ما يرونه من كتب ملائمة تعزز القيم وتعلي من شأن الفضيلة.
تبرز شارلوت في عملها، التناقض بين عوالم الرواية الرومانسية التي ازدهرت في القرن الثامن عشر وبين عالم الواقع والحقيقة. وبطلتها أرابيلا أو كيخوته المرأة، فتاة عاشت طفولتها ومرحلة المراهقة في عزلة عن المجتمع داخل قلعة والدها الماركيز. ولم يكن أمامها لتسلية نفسها سوى قراءة الكتب والروايات الرومانسية المتوفرة بكثرة في مكتبة والدها.
وهكذا بنت أرابيلا أفكارها ومثلها ورؤيتها للعالم الخارجي والمجتمع من خلال الروايات الرومانسية التي تتناقض في المجمل مع معطيات الواقع والمجتمع. فما كان مثيرا للدهشة أو الغضب بالنسبة لأرابيلا هو الطبيعي والمألوف والعكس صحيح.
وكما خرج دون كيخوته بطل سيرفانتس عام 1605 إلى الضواحي ليقوم بدور الفارس النبيل، عاشت أرابيلا مع أبطال رواياتها الفرسان. ومن خلال مجموعة المغامرات التي تقحم نفسها فيها، تظهر الكاتبة أن الرومانس خيال مبالغ فيه، وفي بعض الأحيان يصل إلى حد الجنون المطلق.
وأرابيلا تعتمد في تعاملها مع شخصيات المجتمع على قاموس الرومانس، فأي رجل يمتطي حصانا هو مشروع مغتصب، وأي مزارع كلامه ينم عن ثقافة هو رجل متخف يخطط لخطفها، وإن اختلف رجلان فلا بد أن ينتهي الأمر بمبارزة دامية بينهما. أما بائعة الهوى فصديقة تعتز بمعرفتها وتعتبر أن ما وصلت إليه الصديقة هو ردة فعل على الظروف التي عاشتها، ويتجلى هنا ما أرادت الكاتبة إبرازه، إذ يبرر للشخصيات في الروايات الرومانسية أية ردة فعل ناتجة عن أزمة أو محنة. تنفتح أرابيلا على المجتمع وتسافر إلى لندن وباث.
وتخلق الكثير من الإرباك والبلبلة أينما ذهبت لعدم وعيها بالفوارق الطبقية ومنهجية التعامل معها. وتحظى بالعديد من المعجبين الذين كانوا ينشدون ودها، وعلى رأسهم الفارس المزيف سير جورج بيلمور الذي يشاركها حبها لقراءة الروايات الرومانسية وقريبها الارستقراطي سير شارلز غلانفيل.
تعيش أرابيلا في صراع بين الرجلين، فبيلمور يحب الأدب الرومانسي وباستطاعته توفير حياة مرفهة لها إلا أنه مغرور ومزيف، وغلانفيل المتمسك بعزة نفسه والسخي بمشاعره والنبيل بسلوكه والمخلص الوفي لأرابيلا. ومن خلال هذا الصراع تعود بالتدريج من عالم الخيال إلى الواقع الحقيقي.
كما تلقي الكاتبة من خلال مغامرات أرابيلا الضوء على بعض القضايا التي تعاني منها المرأة وأوجه ظلم المجتمع لها مع انتقادها للعديد من الأعراف البالية، ما بين المثالية والمنطق والعرف، العقلانية والجنون، المرأة والرجل، الخيال والتاريخ. وتنتهي الرواية بعودة أرابيلا للواقع والارتباط بقريبها غلانفيل.

