يؤكد جورج كوبر مؤلف كتاب «أصول الأزمات المالية» على مدى الفصول الثمانية التي يتألف منها الكتاب بالإضافة إلى المقدمة أن نقاشات كثيرة قد دارت خلال شهور طويلة عما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد دخلت فعليا في مرحلة من التقهقر الاقتصادي ؟

لكن الآن لم يعد هناك أدنى شك أنها تواجه أزمة حقيقية وأن الإجراءات الرامية إلى تنشيط الاستهلاك ليست كافية من أجل الحد من التدهور الذي يشهده الاقتصاد الأميركي. وهذا ما يشرحه المؤلف بمختلف التفاصيل التقنية في الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب التي يحمل الأول منها السؤال التالي: هل البنوك المركزية والأسواق فعّالة ؟ ويبحث الثاني العلاقة بين المال والبنوك والبنوك المركزية ويحمل الثالث عنوان: «أسواق مستقرة وأسواق غير مستقرة» .

وما يتم تأكيده هو أن الولايات المتحدة الأميركية تواجه أزمة مالية تتجاوز كثيرا المشاكل المترتبة على الخلل الكبير في السياسة الخاصة بالإقراض والفوائد مما جعل مئات الآلاف من الأميركيين غير قادرين على تسديد ديونهم حيال المؤسسات المالية المختلفة. إن الأزمة أصبحت تطال مختلف القطاعات، وفي النتيجة لم تعد مشكلة الاقتصاد الأميركي هي في نقص السيولة المالية المباشرة وإنما في عدم القدرة على السداد ، أو عدم الملاءة المالية . وهذه المسألة لم تعد السياسات المالية السائدة قادرة على معالجتها.

المعضلة الكبيرة هي أنه إذا انهار الاقتصاد الأميركي أكثر فإن المؤسسات والشركات الأميركية سوف تجد نفسها أمام حالة أكبر من العجز مما سوف يترتب عليه خسائر مالية جديدة . ومثل هذه الدائرة المفرغة يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير محسوبة، ليس على الاقتصاد الأميركي فحسب، وإنما على الاقتصاد العالمي ككل.

وتدل الإحصاءات المقدّمة على أن العشرات من المؤسسات المالية الأميركية قد أعلنت إفلاسها ولم يعد لها وجود في الأسواق المالية. كما أن الأزمة بدأت تطال قطاعات أخرى غير القطاع المالي، بالمعنى الدقيق للكلمة. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى وجود نوع من المؤسسات المالية التي اختارت اللجوء إلى الاقتراض نقدا كي تقوم بدورها في الإقراض أو الاستثمار على المدى الطويل مما يشبه نوعا من الممارسات المالية في الظل، وهذا له مخاطره الكبيرة خاصة أن المؤسسات المعنية لا تحظى بالضمانات التي تتمتع بها البنوك التقليدية.

ويؤكد المؤلف بصورة أعمّ وأشمل أن الأسواق المالية لا تحترم أبدا المبادئ الأساسية من أجل أن يكون التعامل المالي فعّالا. ويشير إلى أن المبادئ الأساسية المقصودة مشروحة بشكل جيد في النشرات العادية الصادرة عن وول ستريت وغيره .

ونتيجة لمثل هذا الواقع من عدم احترام المستلزمات الضرورية للنشاط الاقتصادي السليم تطوّرت المنظومة الاقتصادية في الولايات المتحدة خاصة بطريقة هزّت فيها الاستقرار المالي . وأدى عدم الاستقرار بدوره إلى قيام البنوك المركزية بسلسلة من العمليات المالية التي زادت من حالة عدم الاستقرار نفسها.

ويتم التأكيد أيضا أن أحد الأسباب الجوهرية في نشوب الأزمة المالية يكمن في أن البنوك المركزية في الولايات المتحدة ، ولكن أيضا في العديد من الدول الأوروبية وغيرها، قد أغفلت دورها المركزي المتمثل في ممارسة رقابة حازمة على المنظومة المالية والحرص على عدم المساس بالقواعد الأساسية التي تؤمن ضبطها، ولم تكتف البنوك المركزية بإغفال دورها الرقابي وإنما شجّعت بعض السياسات الاقتصادية المتهورة التي لم تأخذ في اعتبارها المخاطر على المدى الطويل ومما كان يعني الدخول في سلسلة من الأزمات، أو ما يعبّر عنه المؤلف بسلسلة من الدورات الأكثر فأكثر عنفا والتي يترتب عليها زيادة حرارة الأسواق المالية .

ولا يتردد المؤلف في القول ان مواجهة الأزمات المالية المهددة تتطلب إعادة نظر جذرية في إستراتيجيات البنوك المركزية للولايات المتحدة الأميركية ولغيرها من البلدان الصناعية المتقدمة الأخرى التي تضمّها خاصة قمة الثماني.

كما تتطلب أيضا تغييرا جذريا أيضا في المواقف حيال السياسات الاقتصادية بمجملها. ذلك على أساس أن الحالة المأزومة ليست صفة حصرية بأميركا التي أصبح تشخيصها اليوم هو الأكثر وضوحا. لكن هذا لا يعني أن البلدان الأخرى هي بمنجاة من العدوى و تباطو الاقتصاد الأميركي يعني أن قلب الاقتصاد الليبرالي المعولم يعاني من الخلل.

وإذا كان المؤلف يؤكد في المحصلة النهائية لتحليلاته أن التصدّي للمشاكل المترتبة على الأزمة المالية الدولية الراهنة سوف يتطلب الكثير من الوقت والجهد، فإنه يحاول بنفس الوقت أن يقدم بعض الأفكار التي يراها ضرورية لمواجهة نقص الشفافية في المنظومة المالية والمصرفية كلها.

الكتاب: أصول الأزمات المالية

تأليف: جورج كوبر

الناشر: هاريمان هاوس

لندن 2008

الصفحات: 208 صفحة

القطع: المتوسط

The origin of financial crises

Georges Cooper

Harriman House Publishing London 2008

802.P