في كتاب «فوكو، فكره وشخصيته» يؤكد بول فين أن ميشيل فوكو، الذي كان أحد أصدقائه، لم يكن قريبا، كما قيل غالبا، من أفكار مايو 1968، أي من أفكار الأحداث والمظاهرات الكبيرة التي شهدتها فرنسا وبلدان غربية أخرى عديدة ورفعت شعارات يسارية.

كما كان على رأسها يساريون متطرفون معروفون. وإذا كان من المعروف أن ميشيل فوكو كان الفيلسوف المفضّل لدى اليسار في فرنسا خلال سنوات السبعينات المنصرمة، فإن بول فين يقدّم له في هذا الكتاب صورة أخرى يؤكد فيها أن فوكو كان يفضّل قراءة المفكر المسيحي «سانت اوغسطين» على قراءة كارل ماركس.

وفي خطوة أولى يقدم المؤلف توصيفا لعدد من المحطات الأساسية في سيرة حياة ميشيل فوكو، هكذا نعرف أنه من مواليد مدينة بواتييه عام 1926. دخل عندما بلغ عامه العشرين إلى دار المعلمين العليا في باريس، وهي المدرسة التي تخرج منها كبار مفكري وفلاسفة فرنسا من أمثال جان بول سارتر وريمون آرون.

أصدر فوكو كتابه الأول عن «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» عام 1961 وفي عام 1966 صدر له كتاب «الكلمات والأشياء»، كما جرى تعيينه في نفس السنة في الكوليج دو فرانس لشغل كرسي تاريخ منظومات الفكر. ثم توالت مؤلفاته التي من أشهرها «الرقابة والعقاب» و«إرادة المعرفة» الذي كان يُفترض أن يصدر بست مجلدات، كان الأول منها عام 1976، ولكنها لم تصل سوى إلى ثلاثة مجلدات إذ توفي ميشيل فوكو بمرض الايدز عام 1984.

ومن الصفات الأساسية التي يؤكد عليها بول فين في فكر ميشيل فوكو هو أنه كان شديد البساطة إذ بدلا من الاهتمام بالأفكار العامة والكونية ـ يونيفرسال ـ فإنه انكب على دراسة دقيقة لحالات فردية ولو أنها مندمجة مع مجموع أوسع مثل الجنون والعقاب والجنس وذلك دون أن يحصر نفسه في أي خطاب إيديولوجي. يقول بول فين: كأنني أسمعه اليوم وهو يتحدث بمتعه وتعاطف وتقدير وإعجاب عن القديس اوغسطين وعن تدفّق الأفكار المستمر لديه .

كما يؤكد المؤلف، ورغم نزعة الشك الكبيرة الموجودة لدى فوكو، أنه كانت لديه قناعة ثابتة حول أن الإنسان كائن غير مستقر، وكان يرى أن الحياة قد وصلت مع الإنسان إلى كائن حي لا يوجد أبدا في الموقع الذي ينبغي أن يكون فيه، هذا فضلا عن أنه محكوم عليه بالتيه وبأن يكون مخدوعا .

ومن الأفكار الأساسية التي يقدم فيها بول فين، صورة مغايرة لميشيل فوكو من الصورة المألوفة هناك تأكيده أن هذا الفيلسوف، خليفة نيتشه، لم يكن مقتنعا أبدا بعدد من القيم التي وصفتها حقبته بأنها كونية ، بالتالي تبنّيتها، خاصة تلك المتعلقة بـ «الديمقراطية وحقوق الإنسان، ودون نسيان المساواة بين الجنسين».

أما على صعيد الأفكار السياسية إن فوكو يتم تقديمه كـ «محارب» أكثر مما هو كفيلسوف. ولكنه محارب تحركه حميته الشخصية و غضبه . محارب ولكن أيضاً فنان ، وفنان متوحد .

ينقل عنه المؤلف قوله: لقد اشتغلت دون توقف طيلة حياتي. ولم أهتم أبدا بمسيرتي الجامعية، ذلك أن اهتمامي الأول كان منصبا على تحوّلي الذاتي.

ثم إن مثل هذا التحول للذات من قبل الإنسان بواسطة معرفته الشخصية هو، كما أعتقد، شيئا ما قريبا من التجربة الجمالية. فلماذا مثلا قد يعمل أي رسّام إذا لم تتم عملية تحوّله بواسطة رسمه .

ويؤكد بول فين في شخصية وفكر ميشيل فوكو على فهمه العميق للتاريخ. وهذا ما لم يكن قد أدركه في البداية.

يقول: كنت قد قرأت كتبه ولكنني لم أفهم مدى العمق الذي تذهب إليه. لكن عندما ذهبت ذات مرة للاستماع على أحد دروسه لمحت فجأة الأفق الذي يفتحه. وفجأة أيضا أدركت أن يدشن تحليلا أكثر عمقا للتاريخ مما كنت أبحث عنه منذ زمن طويل. عدت عندها إلى منزلي وشرعت في قراءة نيتشه. وذات يوم هتف لي فوكو لسبب ما فقلت له: هل تعرف لقد توصلت إلى اكتشاف كبير بعودتي إلى قراءة نيتشه ، وقصد نيتشه الذي يبحث عن الحقيقة .

يقول فين: منذ تلك اللحظة أصبحت برأيه المؤرخ الوحيد الذي استشف أن الحقيقة هي الموضوع الأسمى للتاريخ.في المحصلة يرسم بول فين لـ «بطله»صورة جديدة ومغايرة لما هو شائع عنه حتى اليوم.

الكتاب: فوكو، فكره وشخصيته

تأليف: بول فين

الناشر: البان ميشيل

باريس 2008

الصفحات: 220 صفحة

القطع: المتوسط

Foucault, sa pensée, sa personne

Paul Veyne

Albin Michel -Paris 2008

P.220