بادر تريستان بوريك، المحرر الثقافي لصحيفة «كيتساب صن»، لإجراء هذه المقابلة مع الروائي الأميركي ديفيد جانزسون بمناسبة صدور روايته الجديدة بعنوان «الآخر»التي لقيت صدى كبيراً في صفوف النقاد والقراء، حيث أوضح أن روايته الرابعة هذه تعد أكثر أعماله اتساماً بطابع السيرة الذاتية، وألقى الضوء على عناصر استلهامها، مشيراً إلى أنها تطرح الأسئلة الأكثر أهمية حول الحياة الحديثة في أميركا وما تعكسه من عناصر الازدواجية، مشدداً على التقارب بينه وبين شخصية الرواية.
وفيما يلي نص الحوار:
هناك ديفيد جاترسون الذي يحرص على أن يفصل ما بين زجاجات شرابه والصحف التي يحرص على أن يقرأها بانتظام، ويبتاع الأغذية العضوية، ويقود سيارته لمسافة تقل ميلين عن المسافة التي اعتاد أن يقطعها في إطار مشاويره التقليدية، كجزء من المساهمة في التصدي للكارثة البيئية التي تتربص بالعالم.
هناك أيضاً ديفيد جاترسون الذي يحرق أحذيته وحافظة نقوده، قبل أن يمضي بعيداً للإقامة في كهف ناء وحيداً، منقطعاً عن العالمين.
ليس لغزاً، بالنسبة لأحد، من عساه يكون جاترسون الحقيقي، فالمؤلف الذي اقتحم بروايته «الثلج يهمي على أشجار الأرز» قائمة أفضل الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة ويتصدرها على امتداد أسابيع عدة، وفاز عنها بجائزة اتحاد الكتاب العالمي فوكنر، يحيا حياة مريحة في جزيرة بينبردج، وليس في حياته كهف سواء أكان منعزلاً أم لم يكن، وما من أحذية موكاسان مصنوعة في المنزل، ولا أثر لطائر زرياب أزرق يتم شواؤه في عالمه.
لكن المرء يمكنه أن يحلم، ويؤلف كتابا حول ما يحلم به.
يقول جاترسون عن روايته الجديدة: »هذا الكتاب هو العمل الأكثر اتساماً بطابع السيرة الذاتية من بين أعمالي كافة، وهو يدور حول شخصين يطرحان الأسئلة الأكثر أهمية فيما يتعلق بكيفية عيش الحياة، وهي أسئلة أطرحها على نفسي حيال ازدواجيتي ونفاقي، وربما يساورني الشعور بالحاجة إلى القيام بشيء ما إزاء الكارثة البيئية التي تتربص بالعالم، وهكذا فإنني أقوم بتدوير المواد القابلة لإعادة الاستخدام وأقود سيارتي لمسافات أقل.
ويضيف، وهو يشرب الشاي في أحد مقاهي بينبردج: لكنني لا أزال أساهم في قوى الكارثة، وأحيا بطرق لا تتماشى مع المثل العليا التي أؤمن بها.
إن نيل كانتريمان، راوية الكتاب، تجمعه العديد من الروابط المشتركة مع جاترسون.
كلاهما نشأ في سياتل، ودرس في جامعة واشنطن في أوائل السعبينات، وقام بتدريس اللغة الإنجليزية في المدارس الثانوية ووصل إلى المال والشهرة في وقت متأخر من عمره، وأقرب أصدقاء نيل إليه هو جون وليام باري، وهو وارث ثر لديه رغبة قوية في أن يعيش حياة صالحة، حتى وإن كان ذلك سيفضي به إلى التخلي عن الثراء وهجران الدنيا، والاختفاء في غابات الداخل المترامية بلا انتهاء، والملتفة بسحابات غموض لا سبيل إلى اقتحامها. في الجامعة، التي لن يقدر لجون وليام أن يستكمل الدراسة فيها قط، سنجده معارضاً على الدوام للسلطة ورموزها وكل ما يرتبط بها من قريب أو بعيد، وهو لا يتردد، في إطار الاحتجاج عن سخطه في تقييد نفسه بالسلاسل إلى أحد مباني الحرم الجامعي، ولا يتوقف عن إصدار مطبوعات نارية، تفيض سخطاً وغضباً واحتجاجاً. وفي وقت لاحق سيقدر له أن يتحرر مما يسميه بـ «تعاسة الماكينة» ويتسلل إلى غابة مطيرة كثيفة في شبه جزيرة أوليمبك، تعرف باسم غابة هوه، مصطحباً معه المؤلفات الغنوصية والشعر البوذي في آن.
يقول جاترسون، في معرض إلقاء الضوء على أبعاد شخصية جون وليام: »إنه يعاني من خوف روحاني، ويعتقد أن الانغماس في الدنيا خطأ هائل تترتب عليه نتائج تدوم أبد الدهر، ولذا فإنه يختار الانطلاق بعيداً عنها كلية«.
لكن الحياة النقية ليست بالشيء السهل، وهي تقتضي ممن ينشدها ثمناً باهظاً يتعين عليه أن يدفعه قبل أن يحلق إلى آفاقها، وجون وليام سيدفع هذا الثمن من جسمه وذهنه على السواء.
يقول جاترسون: إذا كنت ستحيا وفق مثلك العليا حتى نهاية الشوط، فسوف ينتهي بك الأمر إلى أن تصبح مثل جون وليام. إلى أي حد يتسم ذلك بالجنون؟ .
بينما يذوي جون وليام ناسكاً في الغابات، فإن نيل يستهل حياته العملية، يتزوج، وينجب أبناء، ويعمل بالتدريس في المدارس الثانوية في إطار عشقه للغة الانجليزية، ويؤلف كتاباً بعنوان «ناسك من غابة هوه» ينال به شهرة مدوية.
يستمد جاترسون جانباً ليس بالقليل على الإطلاق من مادته من سنوات اشتغاله بالتدريس في المدرسة الثانوية في جزيرة بينبردج، وهو يستعين بهذه المادة في صياغة شخصيه نيل كانتريمان، وإيضاح كيفية تفاعله مع الطلاب، ولكي يتغلغل إلى أذهان شخصياته الشابة.
لم يقم جاترسون من أجل تأليف رواية «الآخر» بأبحاثه التفصيلية المعتادة، على نحو ما فعل بالنسبة لروايته «الثلج يهمي على أشجار الأرز»، وهي رواية تدور أحداثها في جزيرة بينبردج متخيلة، قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبدلاً من ذلك، اعتمد على ذكرياته عن مدينة سياتل على نحو ما كانت في أوائل السبعينات، وعلى تجربته الخاصة في التدريس والكتابة والسير على الأقدام في المناطق البرية المجاورة لسياتل. الآن وقد انتهى من تأليف روايته الرابعة التي تتخذ من ولاية واشنطن مسرحاً لها، فإنه يقول إنه ليس من المحتمل أن يبتعد عن هذا المسرح في روايته المقبلة، فهو قد وجد بالفعل، على حد تعبيره: مادة لا تنتهي في فنائه الخلفي .
وهو يقول في هذا الصدد: إن أفضل طريقه لاستكشاف آفاق فكرة ما هي في غمار قصة، والقصة تدور حول الناس، وأنا لا أحس بالحاجة إلى الذهاب إلى مكان لمجرد أن أستطيع وضع يدي على موقع مختلف .
منى مدكور
