في رواية ديفيد جاترسون الرابعة، التي تحمل عنوان «الآخر»، نحن على موعد مع جون وليام باري، الطالب الجامعي المميز، المنتمي إلى عائلة تجمع بين نبل المحتد والثراء الطائل والشهرة، الذي ينطلق إلى البرية يوماً، ثم تنقطع أخباره تماماً، فلا يسمع عنه شيء بعدها.
ونحن أيضاً على موعد مع نيل كانتريمان المدرس بالمدارس الثانوية، الذي يصل إلى شهرة غير متوقعة من خلال الصداقة التي ربطته بجون وليام باري، وهو يروي لنا وهو في منتصف العمر الذكريات التي ربطتهما في مرحلة مبكرة من عمريهما في السبعينات.
تزداد صلة الصداقة هذه القوة خلال رحلة لصيد السمك وإقامة مخيم في البرية يقومان بها معاً، وقد اصطحبا معهما القليل من الخرائط والكثير من المخدرات.
يعد نيل، الذي ينتمي إلى أصول عمالية ذات طابع كفاحي، أول من يفلح من عائلة كانتريمان في الحصول على شهادة جامعية، ويبدو لنا سعيداً للغاية، وهو يمضي في طريقه إلى الزواج والانجاب والعمل بتدريس اللغة الانجليزية في مدرسة ثانوية والاستقرار في الراحة التي تتيحها له حياة الطبقة الوسطى الأميركية.
أما جون وليام، سليل العائلات المؤسسة لمدينة سياتل من ناحيتي الأب والأم على السواء، فيجد نفسه عاجزاً عن احتمال العيش في عالم حافل بالمثل العليا المحبطة وأنصاف الحلول المثيرة للاشمئزاز.
تشكل خطة جون للاختفاء عن عيون الدنيا في الغابات العمود الفقري لرواية «الآخر»، وهي ليست أسرع الروايات في ايقاع أحداثها، لكن عشاق عالمه الروائي سيعجبهم بالقطع ما سيجدونه من اختبارات أخلاقية ومن كتابة تتسم بالنعومة والمرونة.
يثير اهتمامنا حقاً وجود العديد من عناصر التوازي بين هذين الشابين، ولكن الصداقة بينهما والابعاد الأخلاقية لاختلاف توجهاتهما تظل قادرة على استقطاب اهتمامنا بصورة مضاعفة.
يقول نيل لجون وليام: إن مشكلة العيش في كهف أنك تخاطر بالتحول إلى معلم للأخلاقيات، وما من أحد سيحبك بعد ذلك«.
يرد جون وليام على نيل قائلاً: مشكلة العيش في عالم الهامبرغر هو أنك تخاطر بالتحول إلى أبله، ألم تقل إنك تريد تأليف كتب؟
إنك لا تستطيع القيام بذلك وشطيرة التشيزبرغر في يدك .ويبدو عمق الاختلاف بينهما واضحاً عندما نقرأ رد نيل: إنني أختلف معك، فالطريقة الوحيدة للقيام بالتأليف هي انجازه وشطيرة التشيزبرغر في يدك .
كل من قرأ، بحب وتعاطف، روايات جاترسون منذ روايته الأولى الرائعة «الثلج يهمي على أشجار الأرز يعرف أن المشاهد الطبيعية الخاصة بالشمال الغربي الأميركي تحتل مكانة بارزة في عالمه الروائي، لكن البرية في رواية «الآخر» تقدم بدور يفوق كثيراً مجرد خلفية المشاهد، فهي تمثل المثال الأعلي الذي لم يتطرق إليه الفساد الذي يؤمن به جون وليام والمسدس المحشو الذي يدفع عقدة الرواية قدماً في آن.
وعلى الرغم من أن هذه الرواية تملك قدرة مذهلة على اجتذابنا للانطلاق في متابعتها حتي السطور الختامية من الصفحات النهائية، إلا أنها لا تخلو من العيوب أيضاً. وربما كان في مقدمة هذه العيوب أن نيل كانتريمان، باعتباره راوية للعمل، لديه ميل إلى تكرار الشيء ذاته بست طرق مختلفة، وهذا يمكن أن يكون سمة لطيفة وجذابة في شخصية عم عزيز، أما كإحدى سمات الراوية فإن من شأنه الابطاء بانطلاق الرواية على نحو ملموس.
غير أن هذا العيب يبدو هامشياً ومتواضعاً، إذا قورن بعيب آخر في الرواية من شأن التأمل أن يدفعه إلى دائرة الضوء.في قلب الرواية سنجد المسألة الفلسفية التي تدور حول ما إذا كان من الأفضل للمرء أن يتسلح بالشجاعة المستمدة من قناعاته أياً كان الثمن الذي سيدفعه أو القيام بالتنازلات الضرورية للمضي قدماً في العالم المعاصر. وجاترسون يحرص على أن يداعب المنتمين إلى جانبي هذا النقاش كليهما، ولكنه يسمح للقراء بأن يصلوا إلى الاستنتاجات الخاصة.
وبالنسبة لنيل فإن المسألة واضحة وصريحة من وجهة نظره، فهو لا يتردد في القول: عندما أفكر في صديقي، فإنني أفكر في شخص قطع الشوط حتى آخره، وعندئذ فإنني يسعدني أنني لم أقطع الشوط حتى آخره . وهو قرب نهاية الرواية يصارحنا بقوله: إنني منافق، بالطبع، وأنا أتعايش مع هذا، ولكنني أعيش .
قد لا يرى البعض في هذا عيباً في الرواية، وإنما ميزة أخرى من ميزاتها العديدة.
وهذا، بالضبط، عنصر آخر من العناصر التي تثير الاهتمام بهذه الرواية، وفي مقدمتها القدرة على اثارة الجدل والاختلاف.
وهذه العناصر هي التي اجتذبت الكثير من النقاد في تناولهم لهذه الرواية، حيث تقول ماري آن جوين، في مقال مطول لها في صحيفة«سياتل تايمز» إن جاترسون يستكشف التصدعات في أرواحنا، فيدرس التواصل في مواجهة الاغتراب، ويلقي الضوء على السلوك الأخلاقي في مواجهة الانتهازية ويصور الفرحة في مواجهة المعاناة والرواية بهذا المعنى تقترب من الفحص الدقيق للورطة التي طالما أثارت حيرة الحكماء والقديسين على امتداد القرون، والمتعلقة بما إذا كان علينا الانغماس في عالمنا المفعم بالعذاب أم نشيح عنه بوجوهنا.
أما صحيفة «نيويورك بوست» فهي تختار زاوية المفارقة بين خيارات الصديقين في اطار تقديمها الرواية للقارئ فتقول: حكاية مثيرة عن صديقين في مقتبل العمل يشقان طريقين مختلفين تمام الاختلاف عندما يطرقان سنوات النضج.. يقرر جون وليام باري هجران المجتمع كلية ويستعين بمساعدة نيل كانتريمان ليتمكن من الاختفاء، الأمر الذي يتضح أنه جهد معقد ومأساوي . وبدورها تقول كرستين هانتلي في ختام مقال لها عن الرواية في مطبوعة «بوكليست» المتخصصة: رواية جاترسون عن الصداقة والأفكار تأمل مؤثر في الخيارات والتضحيات وأنصاف الحلول التي يتم طرحها في غمار السعي من أجل حياة أصيلة .
ويقول جون مارشال في مقال في صحيفة «سياتل بوست إنتلجنس » عن هذه الرواية إنها: تضرب جذورها في قصيدة روبرت فروست الشهيرة (الطريق الذي لم يسلكه أحد) وجاترسون يؤكد هذه الصلة بجعل زاوية الكتاب يقوم بالقاء القصيدة في حفل التخرج بالمدرسة الثانوية التي يعمل بها. وما يتألق منيراً على امتداد الرواية هو اقتدار جاترسون البالغ في استحضار مباهج وتناقضات سياتل والأراضي المحيطة بها .
وتشدد ماريسا لاسكالا في مقال بمجلة «وستشستر» على أن هذه الرواية عمل لابد من قراءته.. قصة شابين صديقين، هما جون وليام ونيل.. وجون وليام يقرر رفض كل امتيازاته والانتقال للتوغل عميقاً في الغابات. وعندئذ يجد نيل أنه قد وقعت على كاهله إزالة آثار أقدام جون وليام وتبين إلى أي حد يمكنه الابقاء على حياة صديقة ناسكاً في الغابات سراً .
وتقدم لنا مراجعة مجلة «كيركوس» الثقافية المتخصصة القول الفصل فيما يتعلق بالجهود التي بذلت لتقييم هذه الرواية سواء بالتحمس لها أو بابراز العيوب الفنية التي تعاني منها، حيث تشير إلى أن ما يميز هذه الرواية من روايات جاترسون هو الصيغة التي اندرج فيها ما يطرحه راويتها نيل كانتريمان، الذي كان أفضل صديق لجون وليام وربما صديقه الوحيد. وعندما يحقق روائي نجاحا جماهيرياً مدويا كالذي أحرزه جاترسون عبر روايته «الثلج يهمي على أشجار الأرز» فإنها تلقي ظلاً طويلاً على جهوده اللاحقة، ولكنه في رواية (الآخر) ينجح ببراعة في الابتعاد عن هذا الظل.
الكتاب: الآخر
تأليف: ديفيد جاترسون
الناشر: نوف ـ نيويورك
2008
الصفحات: 255 صفحة
القطع: المتوسط
The Other
David Guterson
Knoph, N.Y, 2008
552.P
