يستعرض كتاب «ثقوب في الضمير.. نظرة على أحوالنا» للدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب المصري الشهير التغيرات الضخمة التي طرأت على المجتمع المصري وعلى شخصية وسلوكيات المواطن بشكل عام في السنوات الأخيرة.
وذلك من منظور التحليل النفسي لعدد من النقاط الرئيسية منها أحوال الشباب وأزمة الضمير، والانتماء للوطن، والعلاقة بين الجنسين، والعلاقة بين المصريين والمجتمع الغربي، إلى جانب أمور أخرى كثيرة يتطرق إليها المؤلف بأسلوب علمي. مؤكدا أنه لا سبيل إلى إيقاظ الضمير العام ورتق كل تلك الثقوب والثغرات المنتشرة في المجتمع المصري إلا بالعمل الجماعي والاتفاق على حلول عامة تنهض بالأحوال وتتصدى لمشاكله. ويلفت د.أحمد عكاشة النظر إلى قضية حيوية ألا وهي قضية اللغة العربية ملاحظاً أن ما حدث في مصر في العشرين سنة الأخيرة من الفوضى في اللغة العربية كبير جدا، إذ أن الطبقات الميسورة تزج بأبنائها في المدارس الأميركية والفرنسية والبريطانية والألمانية فيتكلمون هذه اللغات أفضل من العربية وأصبح الطفل في تشتت.
ويخصص د.عكاشة مساحة واسعة في كتابه لقضية الحجاب ويقترح عددا من الأفكار لحلها حيث يقوم بتحليلها والوقوف عند مظاهرها التي قسمها إلى عدة ملامح الأولى : إنسانة استطاعت أن تتطهر في سلوكها العام وتحتاج لنوع من أنواع الانتماء إلى الشعائر الدينية ومن هنا تتحجب وتمارس كل الشعائر الإسلامية بمعناها العريض وفي هذه الحالة بالطبع ليس عليها أي لوم.
الفئة الثانية: أحيانا يضفي الإنسان على مظهره الخارجي أسلوبا يتناقض تماما مع ما بداخله دون أن يعلم وهو ما ندعوه بالمبالغة في الضد فمثلا الشابة التي تعتريها أفكار ووساوس وذنوب وتكتشف أن الطاقة العاطفية أو الانفعالية لديها شديدة وعنيفة لا تفتأ تطاردها تعبر عن نفسها بالعكس بالطهارة الشديدة.
وبالتالي الاتجاه إلى الله والانتماء إلى الشعائر الدينية مما يسمو بصحبتها النفسية وهو أمر محمود. لان الوسائل الدفاعية اللاشعورية التي يلجأ إليها الإنسان في كفاحه في حياته إذا كانت متوازنة تؤدي إلى حالة صحية نفسية سليمة وهذا أفضل من أولئك الذين يسقطون عيوبهم وذنوبهم على الآخرين.
وهناك نوع من التحجب يكون دافعه حب الظهور إذ إن الغالبية من الشابات غير محجبات فالمحجبات إذن تتجه إليهن الأنظار بعض الشيء ويكون هذا هو الدافع للظهور لأنها لن تتزوج إلا إذا كانت محجبة وهناك الحجاب للتمويه ومحجباته لا ينتمين إلى الممارسات الدينية بأي شيء إلا بلبس الحجاب ولكن السلوك العام والمظهر وطريقة ارتداء ما تحت الحجاب تدل على إغراء وفتنة في عملية تمويه واضحة، أما المظهر الآخر من الحجاب هو أن الزي الإسلامي الحجاب أو الثوب الطويل ينطوي على اشتراكية شديدة وتكليف أقل فبعض الشابات لأسباب اقتصادية يتجهن إلى هذا الأسلوب وليس استنادا لشعور ديني عميق .
النوع الأخير: ويكون الحجاب فيه نوعا من التعبير عن صدمة عاطفية في نفسية الفتاة أو في العائلة كانفصال الأب عن الأم أو كوفاة أحد الأعزاء في الأسرة فتبدأ في التقرب إلى الله أو صدمة عاطفية مع خطيب فتبدأ في الزهد والتحجب أيضا شيء محمود بدلا من الانحراف ويؤكد د. عكاشة على عدة حالات تحجب صادفته مع بداية المرض النفسي وعند شفائها من المرض تخلع الحجاب وتعود إلى طبيعتها والعكس صحيح وبعض المحجبات يخلعن الحجاب عندما يبدأ المرض وبعد شفائهن يعدن إلى لبس الحجاب.
ويرى د.عكاشة أن معظم عقول شبابنا تسيطر عليها متطلبات الحياة المادية والأساسية لهذا تصبح قدراتهم على الحب محدودة ويصبح الحب بالنسبة لهم معادلة حياتية الغرض منها إشباع الحاجات الأساسية من هنا يغلب الطابع الانتهازي في العلاقات العاطفية المعاصرة سواء كان انتهازية عاطفية أو انتهازية مادية أو انتهازية جنسية ومن ثم نجد التعدد في العلاقات العاطفية التي لا تنتهي بالزواج لأنها مبنية أساسا على الملذات الفورية ويؤكد د.عكاشة أن التشبث بالقيم القديمة وأن تصبح الحياة الأخرى هي المطلب والهدف والنعيم الأبدي هما ما يجعل شبابنا جاهلا بأن العمل والكفاح من أجل الرزق وحسن المعاملات هي أساس الدين وأن الله يريد لنا أن نسعد في هذه الدنيا بالعمل.
ويتوقف د.عكاشة عند شخصية الرئيس جمال عبدالناصر طويلاً ويقول: نعم إنني أتفق مع القائلين بأنه كان عطوفا وقاسيا ووفيا وكريماً وعنيداً وأميناً ومناوراً ومثابراً ينفرد بالقرار كما وصفه البعض لكني لم أوافق على زعمهم أنه ينهار عند المفاجأة فهذا لم يحدث ولا دليل عليه كما لم يعرف عن عبد الناصر البذاءة أو الصلف أو الجهل بالتاريخ والاقتصاد بل بالعكس فقد كان قارئا جيداً للتاريخ ولمختلف نواحي المعرفة وكان تفاعله مع ما يقرؤه مثيراً للإعجاب من زملائه، كما أود أن أقول إن من وصفه بالاستهواء (أي القابلية للإيحاء من الآخرين) ليس دقيقا والأكثر دقة أنه كانت لديه قابلية للاستماع ولديه الرغبة في الإنصات للآخرين مدفوعاً برغبة جامحة في عدم التسرع عند إبداء الرأي .
الكتاب: ثقوب في الضمير.. نظرة على أحوالنا
تأليف: د.أحمد عكاشة
الناشر: دار الشروق 2008
الصفحات: 256 صفحة
القطع:: المتوسط
محمد الحمامصي

