يحاول الروائي خليل الرز في روايته «أين تقع صفد يا يوسف» أن يستفيد من كل منجزات الرواية الحديثة.
من أحلام وتقطيع وهذيان وفلاش باك وكوابيس، ليقدم لنا في سوريالية مدهشة عالماً من اللغة، يبهرك في استخدام المفردة، ويبهرك في استخدامها في الجملة، لتؤدي دوراً يخدم فكرة، والفكرة تتجانس لتؤدي عملاً روائياً متماسكاً، من ألفه إلى يائه، إنه عمل مشغول بإحكام، يضرب عرض الحائط بكل ما حفظناه في المدرسة من تقاليد بالية ورثّة، هكذا هو يريد أن يقول: أنا الحداثة. ساهمت في صنع خليل الرز ثلاث مدن هي: الرقة، مركز طفولته، وحلب، ملعب يفاعته وشبابه، وموسكو مكان خبرته وتجربته الطويلة وثقافته ونضجه، وهنا في هذه الرواية نجد الثقافات الثلاث.
موضوع الرواية يكمن في التصدي للأحداث الاجتماعية السياسية، ولكن ليس بشكل مباشر، إنه يعتمد التلميح دون التوضيح، بلغة حديثة وصور جريئة، تكثف الموضوع، وتقدمّه بحلة جديدة.
بداية يشدنا عنوان الرواية، لماذا صفد؟ ونبحث عنه في النصّ فلا نجد سوى هذا القول: لو كانت صفد قريبة... أنت يا يوسف لا تعرف أين تقع صفد، وأنا لا أعرف، وهذا يعني أن إيناس... لا تعرف من صفد إلا أن جدها استشهد في صفد . فقد عاد صديق إيناس من المكتبة بمجلد ملوّن ضخم، هذه الطبعة السادسة لتاريخ الفن بقلم h.w.Janson وقد صدرت عام 1995 في مدينة لندن، وهي مزوّدة بـ 1266 صورة للأعمال الفنية على اختلافها، منها 41 بالألوان، مع اثنتي عشرة خريطة للمناطق التي ازدهرت فيها الفنون الجميلة على مرّ العصور.
ويروح خليل يسرد علينا تاريخ الفن، فيقول: هاتان اللوحتان لرساميّن ولد الأول قبل الثاني بمئة وأربع وخمسين سنة، لكن اللوحتين ترويان حكاية واحدة، بدأها نيكولا بوسّان في عام 1638، وأتمها جاك لوي دافيد بين عامي 1794 و1799، لكن الحكاية نفسها بدأت قبل ذلك بمئات السنين. ولكن ما هي الحكاية؟
بعد ثلاثة أشهر من بناء روما وجد رومولوس أن النساء قليلات فيها، وكان على جنوده أن يتزوجوا ليلدوا جنوداً، وقد أعدّ رومولوس خطة وانتظر عيد إله المشورة لينفذها، وفي العيد دعا جيرانه السابنيين مع نسائهم إلى روما، فأقيمت الألعاب والمسابقات، وبعد أن طاب القصف واللهو والشراب نهض رومولوس وخلع رداءه الأحمر ثم عاد وارتداه، وكانت تلك إشارة لجنوده المسلحين فانقضوا على الحفل يختطفون النساء السابينيات.
نشبت بلبلة وصراخ، استغاثات، صهيل، انقلبت موائد، هرست طيور مشوية وفاكهة ناضجة تحت دبك الأرجل والحوافر، كانت قهقهات رومولوس حادة سعيدة طويلة ولاسعة، والرجال السابنييون المبهوتون ينسلّون هاربين، هكذا تماماً كما صور المشهد بوسّان هنا.
ويكرّر بوسّان حركة الذراعين المفتوحتين لدى السابينيات المستجيرات بين زنود الجنود، ولم يكن بوسان وحيد عصره بين الرسامين، فالقافية نفسها يردّدها معه، في الفترة ذاتها تقريباً الفلمنكي روبنس في سابينياته المخطوفات عام 1640، كما صورها قبلهما ببضع سنوات الإيطالي كورثونا بأذرع سابينيّات أخريات، وكذا سيفعل بعدهما الإيطالي جويردانو عام 1674، وكان رافائيل قد سبق الجميع إلى قافية الذراعين إياها في إفريسكه »إنتصار غالايتا في عام 1512.
ثم يقارن خليل الرز عدد السابينيات المخطوفات بايناس الواحدة، ولم يستطع صديق إيناس أن يقارن نفسه برومولوس مع ان إيناس تظنه كذلك. كانت على أحرّ من الجمر بانتظار من يخطفها، إنها تنتظر رجلاً شجاعاً ليخطفها. هنا صرخت إيناس عبد الرحمن اخطفني!
يذهلك خليل بهذه القدرة اللغوية المطواعة التي يصف بها الأشياء والحالات النفسية والمواقف المنفرة والمواقف المعبّرة، فهو يستطيع أن يصف الحالة النفسية لمونيه أثناء الرسم، وبالمقابل يعطينا حالة الفرح والحزن والغضب لعبد الرحمن، والحالة المزرية لعازف البيانو.
وحالة القوقعة ليوسف الذي يريد السفر لروسيا، وإيناس التي لها مقاس يشبه أذن العنزة، أرقام الحدائد الصدئة والفخار المكسر والبلاستيك المزوي والكرتونات المختومة وبواري المدافئ المطعوجة وأكياس الورق المتراكمة والمجعدة وقراقيع أخرى من تنك مقشّرة وملتوية. كل هذا وأكثر يستطيع خليل أن يعطيك أوصافاً له لا تخطر على بال.
في المكان يغيّر خليل أسماء الأمكنة، أو أماكن وقوعها، فلا تدري أين تقع، فيمكن أن تقع في حلب أو دمشق أو الرقة أو حتى موسكو، فسوق ساروجة مثلاً يجعله في حلب، ومطعم الشباب الكائن في حلب يجعله في دمشق أو في الرقة. وهكذا تختلط الأماكن وتضيع فلا تعرف في أي الأماكن أنت، ولا بأي لغة تتحدث الشخصيات، هل هي تمزح، هل هي تسخر، هل ما تقوله كلاماً جاداً أم هزلاً وإلا فماذا تقول في مثل هذا الكلام: أن يحيك كنزة دافئة حتى شجرة الكينا ولكل الغربان غير المرئية التي لم يتوقف صخبها حتى الآن . أو قوله: مرّة صرنا خروفين ورعينا العشب من شرشف السرير . أو قوله: لا يحلّق بلا هوادة في السماء المهشمة فوق سرج الموتسيكل المعطوب . وقسّ على ذلك الكثير.
في طرائق السرد سنجد الروائي، الكاتب هو الذي يروي الأحداث، ثم يغدر بنا ليصبح ضمير الغائب وأحياناً يستخدم ضمير الأنا المتكلم.
إن عمل خليل الرز عمل مدهش حقاً، صبّ فيه كل أحلامه للانتقام من الطفيليين وعجائز المثقفين والسياسيين والجهلة المرائين، إنها رواية الدهشة التي تصيب القلب والعقل بالانبهار، وما أجمل أن تنتهي على هذا الشكل: ما أحلى إيناس عندما تكون بعيدة وبذنب طويل وفي قفص .
الكتاب: أين تقع صفد يا يوسف
تأليف: خليل الرز
الناشر: منشورات وزارة الثقافة 2008
الصفحات: 270 صفحة
القطع: المتوسط
فيصل خرتش

