«الزمن».. هو الذي يتحكم في حياتنا، ويحدد أشياءنا، وبدأ منه مولدنا، وتنتهي به حياتنا.. وعلى الرغم من ذلك فغالباً ما نتفق جميعاً على أننا لا ندرك قيمته، ولا نوظفه بما يمكن أن يفيدنا..
ولكن كثيرا من الفلاسفة والمفكرين والمثقفين لهم رؤى عديدة حول أهمية الزمن غير رؤيتنا ونظرتنا الضيقة له، وفي كتاب «الزمن بين الفلسفة والفن» حاولت الناقدة والكاتبة عبير صلاح الدين أن تُعرف الآخرين بعلاقة الزمن بالعمل الفني؛ من خلال كاتب روسي شهير، وأيضا علاقة الإنسان بالزمن باستدلالات محددة لكبار المفكرين والفلاسفة..
تتناول المؤلفة الزمن كعنصر من عناصر العمل الفني في مسرح الكاتب الروسي الشهير «أنطون تشيكوف»، فعلى الرغم من أن شهرة «تشيكوف» بدأت من خلال كتابة القصة القصيرة إلا أن صيته قد ذاع من خلال أعماله المسرحية، حيث كتب في بداية حياته ست مسرحيات طويلة بعنوان «بلاتونونف» و«اليتيم» و«اضحك معها إذا استطعت»، و«ايفانوف» و«شيطان الغابة»، بالإضافة إلى مسرحية ناقصة لم تكتمل بعنوان «ليلة ما قبل المحاكمة»، وفي المرحلة الأخيرة من حياته الفنية كتب «تشيكوف» 4 مسرحيات نالت شهرة عالمية هي «النورس»، و«الشقيقات الثلاث» و«بستان الكرز».
وتسعى المؤلفة إلى تفسير علاقة الإنسان بالزمن؛ وأثر هذه العلاقة على تطور الفن الدرامي، وكيف وظف »تشيكوف« هذه العلاقة في بنائه الدرامي، وبعد قراءة الكاتبة لهذه المسرحيات توصلت إلى أن »تشيكوف« استطاع من خلال التعبير عن علاقة الإنسان بالزمن في البناء الدرامي لمسرحياته بكل عناصره المتشابكة من حدث وشخصية ومكان أن يقدم فنا جديدا يعد في حد ذاته ثورة على المسرح الكلاسيكي الذي اعتمد على بعد واحد للزمن بأن قدم مستويات متعددة للزمن.
وعلى الرغم من وجهة نظر كثير من الفلاسفة والعلماء في تفسير الزمن على أنه يسير في اتجاه واحد لا رجعة فيه، وبالتالي استحالة تكراره أو رجوع ما مضى منه، فإن الفلاسفة الأوائل وصفوا حركة الزمن بأنها حركة دائرية، وهو ما يعني أن الزمن يسير في حلقة مفرغة.. الليل يأتي في أعقابه النهار ثم يعود الليل مرة أخرى، والشتاء ينقضي ليأتي الصيف ثم تعود دورة الحياة لتكرر نفسها.
وفي مقابل مفهوم الزمن الدائري يأتي مفهوم الزمن الخطي الذي يبدأ ببداية ونهاية محددة ويسير وفقا لخط مستقيم، وهى الفكرة التي ترسخت لدى مفكرين وفلاسفة غربيين من خلال مفهوم الزمن المسيحي الذي ينظر للوجود على أنه ذو بداية ونهاية، فالبداية مع خلق آدم عليه السلام والنهاية مع يوم القيامة، ومع ظهور تفسيرات حديثة للزمن على أنه من مفهوم نفسي ينشأ من خلال المنطقة اليسرى من المخ، وهو ما أثبته العلم الحديث من خلال تجارب أجريت على المخ الإنساني تطور المفهوم الدرامي للزمن، وبالتالي ظهرت الأعمال الأدبية التي تعبر عن النظرة الجديدة للزمن..
وكان أكثر من عبر عن هذه النظرة الجديدة رواد مسرح العبث ومنهم على سبيل المثال «ميترلنك» في رائعته «الطائر الأزرق» التي تناولت رحلة داخل الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، بل انتقل إلى عالم الموتى «الميتافيزيقي»، ووصفه بأنه زمن متوقف تماما.
الكتاب: الزمن بين الفلسفة والفن
تأليف: عبير صلاح الدين
الناشر: الهيئة العامة المصرية
للكتاب2007
الصفحات: 248 صفحة
القطع: الصغير
(دار الإعلام العربية)

