كتاب «الديمقراطية وحوار الثقافات.. تحليل للأزمة وتفكيك للخطاب» للمفكر والباحث السيد ياسين تناول توجهات الأنظمة السياسية على مختلف أشكالها وربطها بالثقافة، أي بما يعني أن ثقافات الشعوب أمر مقدس وفي أغلب الأحيان ـ ومن خلال السلطة تواجه الشعوب بفرض ثقافات أخرى تتعارض مع طموحاتها وتطلعاتها، خاصة في ظل الأنظمة الشمولية السلطوية.

إن الديمقراطية الليبرالية هي التي تحفظ الشعوب في التفاعل مع ثقافاتها وممارسة حياة مسؤول عنها كل فرد في المجتمع من منطلق مشاركة سياسية واجتماعية حرة يكون الإنسان جزء من الدولة فعليا. وتمثل الديمقراطية، كما عرفها الكاتب، تحولا كاملا في حياة الإنسان إلى الأفضل ومن هنا بدأت النزعة نحوها تنمو وتمضي بقوة في ظل رفض كثير من الشعوب قبول النهج الشمولي أو السلطوي على الأقل لمسايرة حركة التطور في العالم. يقول الكاتب إن علاقة الديمقراطية بالثقافة هي فرع من أصل أكبر، وإن كل نظام سياسي لابد أن يفرز ثقافة من نوع معين تؤثر على قيم واتجاهات وسلوكيات المواطنين، ففي النظام الشمولي يتم القضاء نهائيا على منظمات المجتمع المدني، وتلغي حريات التفكير والتعبير، ولا يسمح بالتعددية السياسية، وغالبا ما يتم احتكار السلطة بواسطة حزب واحد .

وفي مثل هذا المجتمع الشمولي تفرض رقابة لصيقة على كل فرد، ويتم التجسس على حركاتهم، ومن الطبيعي أن يفرز مثل هذا النظام ثقافته الخاصة، وهى ثقافة تقوم على فرض الطاعة والخنوع والخوف من السلطة والانصياع التام لأوامرها، وهى ثقافة لا تسمح بالإبداع أو الابتكار، وإنما تكرس طاعة توجهات الديكتاتور والحزب السياسي الذي يحكم من خلاله مهما كانت عدم عقلانيتها أو فراغها من أي مضمون.

النظام السياسي الثاني الأقل وطأة من النظام الشمولي هو النظام السلطوي، وفي ظل هذا النظام، كما يقول ياسين، فإن حرية تتاح نسبيا للأفراد، ولكن في ظل رقابة مستمرة من أجهزة السلطة، وفي ظل هذا النظام أيضا يظهر أيضا الخوف الشديد من السلطة مع مسايرة ما لها في توجهاتها المعلنة بغير اقتناع حقيقي بهذه التوجهات، وعلى هذا فالانتقال من نظام شمولي أو سلطوي إلى نظام ديمقراطي وليبرالي لا يحتاج فقط إلى تغييرات دستورية وسياسية جوهرية بل إلى ثورة ثقافية قادرة على أن يشعر المواطن باستقلاليته وشخصيته ويشعر بأن كرامته الإنسانية مصانة، وأن إمكاناته وقدراته على الإبداع لا حدود لها.

وعلى الرغم من أن هناك إجماعا بين الباحثين على أن النزعة نحو الديمقراطية أصبحت تسود العالم، وبخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وتحول العديد من النظم السياسية الشمولية في أوروبا إلى الديمقراطية، وعلى الرغم من أن بعض المفكرين يعتبرون أن النزعة للحرية.

ورفض القهر قد تكون موجودة بشكل غريزي في النفس الإنسانية في كل مكان، إلا أن الديمقراطية كنظام سياسي لا يمكن أن تخلق نفسها من العدم، بل لابد لكي تقوم وتترسخ على أسس صحيحة أن تتوفر لها مجموعة من المتطلبات المبدئية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى الإرادة السياسية لدى النخب المؤثرة، ولدى الجماهير معا للانتقال من الشمولية والسلطوية إلى الليبرالية والديمقراطية.

يقول المؤلف إن الديمقراطية على هذا النحو تحتاج إلى مبادئ لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال توافر شروط مبدئية سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، وهذه المبادئ هي أن تكون السيادة للشعب، وأن الحكومات ينبغي أن يتم تشكيلها بناء على رضا من المحكومين وتطبيق حكم الأغلبية، وضرورة احترام حقوق الأقليات، ومساواة المواطنين وضمان حقوق الإنسان، وتنظيم الانتخابات الحرة العادلة.

المؤلف في سطور

السيد ياسين مؤلف الكتاب هو مفكر وباحث مصري معروف وحصل مؤخرا على جائزة مبارك في العلوم الاجتماعية، ومن مؤلفاته «الشخصية العربية بين مفهوم الذات والتصور الآخر» الذي صدر في السبعينات، و«التحليل الاجتماعي للأدب، الوعي التاريخي والثورة الكونية، الخريطة المعرفية للمجتمع العالمي»، وفي كتابه «الديمقراطية وحوار الثقافات ـ تحليل للأزمة وتفكيك للخطاب».

الكتاب: الديمقراطية وحوار الثقافات تحليل للأزمة وتفكيك للخطاب

تأليف: السيد ياسين

الناشر: الهيئة العامة المصرية للكتاب

2007

الصفحات : 334 صفحة

القطع: الكبير

(دار الإعلام العربية)