منذ اللحظات الأولى للصناعة السينمائية الأميركية، بذلت عصابات المافيا قصارى جهدها لكسب المال بشكل سريع عن طريق التخويف والإرهاب والتهديد والعنف. ولم تكن تلك تجارة سيئة على الإطلاق، في ثلاثينيات القرن الماضي تجاوزت الفوائد السنوية أكثر من 20 مليون دولار بفضل التزام أرباب هذه الصناعة عدم كشف النقاب عن أحداث معينة كان بوسعها أن تدخل أكثر من نجم سينمائي في ورطة.

في كتابه الذي يحمل عنوان »هوليوود والمافيا« يحلل الصحافي البريطاني تيم ايدلر بالتفصيل العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع بين أعضاء عصابات الجريمة المنظمة مع صناعة السينما في، ومن المنطقي التأكيد على أن علاقة من هذا القبيل تؤثر بشكل أكيد، في حال رؤيتها النور، على النجومية وأقطاب عالم هوليوود مثل جيمس كاغني، وهمفري بوغارت وآل باتشينو، أو شخصية طوني سوبرانو، التي لعب دورها جيمس جوندولفيني، الذين جسدوا ويجسدون مثالا يحتذى من قبل الصعاليك قليلي الأهمية وأسياد مختلف العائلات على حد سواء، بعد أن تحولوا إلى نموذج أصيل لأعضاء العصابة المنظمة التي ظهرت في حركاتهم وتعبيراتهم وطريقتهم في ارتداء الملابس التي تحاكى أوساط هوليوود.

تظهر على صفحات كتاب »هوليوود والمافيا« المرتعشة قائمة طويلة من الأسماء التي تشكل، بطريقة أو أخرى، جزءا من المخيلة الجمعية، أسماء على غرار هوارد هيوز، و جيمس كاغني، وكيندي ومارلين مونرو وفرانك سيناترا ومارلون براندو وجين هارلو وماريو بوزو وجيمس كان وفرانسيس فورد كوبولا. كما لا تفتقر صفحات الكتاب لرجال عصابات منظمة ذاع صيتهم مثل آل كابوني، لاكي لوتشيانو، ماير لانسكي، بوغسي سيغال (الرجل الذي ابتكر لاس فيغاس وألهم فيلم بوغسي)، فرانك كاستيلو، جوني روسيلي، ويلي بيوف وتومي مالوي. وأفلام مثل «سكيرفيس»، «من هنا إلى الخلود»، «ثلاثية العراب»، «الذين لا يمسون» لإيليوت نيس، «نادي كوتون»، «بوغسي»، «المخبر السري»، بالإضافة إلى مسلسل «آل سوبرانو».

الأساليب المستخدمة من قبل أقطاب هوليوود في الوصول إلى ما أرادوه كانت بالمعنى العام هي نفسها التي كانت مستخدمة من قبل الصعاليك والمعدمين، حيث كل شيء يقوم على عنصر الابتزاز والإكراه والاغتصاب، وحيث كان أعضاء العصابات المنظمة وأقطاب هوليوود يتكلمون اللغة نفسها، ذلك أنهم ينحدرون، في نهاية المطاف، من الأصل عينه، وهكذا، فإن »هوليوود والمافيا« يقدم صورة مدهشة وحتى مرعبة للشبكة الواسعة من المصالح التي تنتشر في مستنقعات أقوى بلد على وجه البسيطة. ومن خلال صفحاته الحافلة بالأسماء والتأريخات والمعطيات المفصلة بدقة متناهية، بوسع القارئ أن يدرك إلى أي مدى يمكن أن يصل جشع المال والسلطة.

ويرى تيم إيدلر أنه في حين مثل « العراب » صورة رومانسية للأوباش من الرعاع، فإن مسلسل «آل سوبرانو» يعتبر بمثابة مرآة الانحطاط الحالي.

على الرغم من أن عالم هوليوود كان يقوم بمجمله على عناصر يهودية وأعضاء في العصابات المنظمة من أصل إيطالي، إلا أن الطرفين كانت تجمعهما نقطة مشتركة، كما يحذر إيدلر قائلا: كلهم مهاجرون في الولايات المتحدة.

يعكس «هوليوود والمافيا » التطور الذي كان قد حصل على العلاقة بين سينما الولايات المتحدة وعالم رجال عصابات الجريمة المنظمة، حيث يمثل فيلم « العراب » صورة رومانسية لما هي عليه تلك العصابات ويأتي ليشكل «ما أخذته الريح» من الأفلام التي تدور حول المافيا، كما يقول إيدلر نفسه متهكما.

أما مسلسل «آل سوبرانو» فإنه يعكس حالة الانحطاط الحالية، ويؤكد مؤلف الكتاب في هذا الصدد: بعيدا عن تلك العصابات المنظمة في عشرينيات القرن الماضي التي أرادت السيطرة على هوليوود، نجد أنفسنا اليوم أمام لصوص صغار السن، أعضاء عصابات منظمة من الطبقة المتوسطة، أبناؤهم محاسبون وموظفو بنوك ومحامون.

سياسة الحكومة الأميركية تداخلت مع شؤون المافيا في السينما، ذلك أنها لم تعترف عمليا بوجود عصابات الجريمة المنظمة نفسه حتى عام 1957 . والمشكلات والتهديدات التي تعرض لها بعض نجوم السينما مع عملاء من المافيا، مثل الممثل ستيفن سيغال، كانت مرتبطة بصورة حصرية تقريبا بديون مستدانة في اللعب .

لكن مواقف النجوم كانت متباينة، بدءا من موقف فرانك سيناترا الذي »فضل أن يكون زعيم مافيا على أن يكون رئيس الولايات المتحدة وأن يتنزه عبر البلاد بحسب جيري لويس، مع أكياس من أموال المافيا ، وليس انتهاء بموقف جيمس كيغني الذي قاتل كي لا تتمكن المافيا من السيطرة على نقابة الفنانين .

كيغني وكذلك زوجته تلقيا تهديدات، تماما مثلما حصل مع سيسيل بي. ديميلي، الذي كان مرعوبا من قتلة مأجورين تابعين للمافيا عندما كان راقدا في المستشفى. في الوقت الحالي، يبدو من الصعب جدا بالنسبة للمافيا السيطرة على نقابات السينما، لأن النقابات نفسها يسيطر عليهم بصورة متزايدة من قبل الحكومة نفسها.

ربما كان السقوط الأكبر لرجال المافيا يحدث في وسائل النقل، ذلك أن «هوليوود عرضت اتفاقات جيدة جدا على أصحاب وسائل النقل ولذلك فإن تكلفة الأفلام كانت عالية إلى هذا الحد ولهذا السبب بالذات تصنع مزيدا من الأفلام خارج هوليوود».

العراب بنسخة منقحة

23 سبتمبر المقبل لن يكون يوما عاديا، فجمهور السينما على موعد مع نسخة ملونة منقحة جديدة من فيلم«العراب»، الذي يعد أشهر أسطورة في تاريخ السينما، وستحمل عنوان «العراب: ترميم كوبولا» ، وستظهر على شكل اسطوانة «دي في دي» و«بلو- راي» مع تفاصيل لم يلاحظها عشاق ثلاثية فرانسيس كوبولا في السابق أبدا، كما تصف صحيفة «لوس أنجليس تايمز». وقال كوبولا للصحيفة ذاتها:

أردنا أن يكون السود سودا بشكل حقيقي، فالمشهد الأول لبوناسيرا- سلفاتوري كورسيتو- كان بعيدا عن ذلك. المخرج السينمائي الأسطوري لم يضن بشيء على فيلمه الأكثر إثارة للجدل، فلقد أحاط نفسه بأفضل المتخصصين في هذا الميدان على غرار روبرت هاريس، الذي كان قد ترأس فريق العمل الذي قام بترميم فيلم ألفريد هتشكوك «الدوار».

وفيلم ديفيد لين «لورانس العرب». لكن عملية ترميم «العراب» لم تكن سهلة لأن سلبية( نيغاتيف) الفيلم الأسطوري كانت في حالة سيئة بسبب كثرة الاستعمال وقلة الرعاية بها، حيث يقول هاريس: »أعتقد أنه لم يكن هناك سوى خمس أو ست عينات في العشرين دقيقة الأولى مطابقة للنسخة الأصلية . كما أن عملية الترميم هذه ما كانت لترى النور لولا تدخل ستيفن سبيلبيرغ، الصديق الشخصي لكوبولا والمتحمس لموضوع الحفاظ على الأعمال الكلاسيكية.

باسل أبو حمدة