مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأ النحات السويسري ألبرتو جياكوميتي بنحت شخوص تماثيله من الذاكرة. ومع كل محاولة له لتجسيد صورة شخص سبق أن ألتقاه أو عرفه، كان مجسم شخص العمل يصغر أكثر فأكثر.
تفاقمت المشكلة أكثر حينما غادر باريس بعد احتلالها. وفي وطنه سويسرا بدأ الفنان يعمل عليالتمثال ذاته المستوحى من امرأة لمحها في ساحة سان ميشيل وكان يرقب انكماشها وتقلصها تحت يديه، ومع ذلك تابع بإصرار. وأخيرا ومع نهاية الحرب، وحينما نزل من القطار الذي أوصله إلى فرنسا، كان يحمل معه جميع أعماله التي أنجزها خلال تلك السنوات في علبة صغيرة لا يتجاوز حجمها علبة الكبريت. ومن أشهر أعماله منحوتة لأربع نساء دقيقات، حجم كل منها أكبر من إبرة الخياطة بقليل مثبتة على قاعدة بارتفاع طاولة الطعام، وتبدو نساؤه حاضرات الإدراك نائيات كطيور صغيرة على سلك أو كمشاة على تلة بعيدة.
ونساء النحات لا تسير، دائما في حالة سبات عكس رجاله الذين يتحركون ولكن بصورة محمومة، مثل محادثة متوترة، يتم التواصل فيها عبر خطوط أجسادهم. والخط منها ليس أكثر من سلك معدني أسود، وبدقة قلم الرصاص، ولا تكاد تظهر تفاصيل الأطراف. ومع ذلك وبالتواء خفيف وبانحناءة لا تكاد تلحظ، تأخذ الأجساد شخصيتها المتفردة، وكل شيء يميز أي إنسان عن آخر، انحناءة الكتفين ولفتة الرأس، وكلها مختصرة ومكثفة بصورة مذهلة، وتبدو كشخوص بعيدة في مدى الرؤيا وقريبة في حضورها.
بدأ جياكوميتي - الذي ولد عام 1901 في إحدى القرى قرب ستامبا في سويسرا بالرسم - حينما كان في التاسعة من عمره، ووصل إلى رسم اللوحات في الثانية عشرة، وأنجز أول تمثال في الرابعة عشرة. كان والده رساما انطباعيا مشهورا وهو أستاذه الأول. بدأ بدراسة فن النحت عام 1919 في سويسرا لمدة ثلاث سنوات انتقل بعدها إلى باريس.
وحينما بدأ العمل بمفرده وجد صعوبة في الاحتفاظ بذات حجم النموذج، فحاول الاعتماد على صور من ذاكرته واستمر في ذلك لمدة عشر سنوات.
تأثر بعدها بتيار التكعيبية والفن الإفريقي والنحات جاكس ليبشيتز، ليتغير أسلوبه بالتدريج ليصبح دقيقا أولا ومثل الحبة ثانية وبعدها صلب ومحكم في البنية مثل »الزوجان« و»المرأة الملعقة«.
وفي عام 1925 انضم إليه أخيه دييغو في باريس وأصبح مساعده الدائم. بدأ في تلك المرحلة بتقوية صلاته الاجتماعية بالفنانين الكبار مثل ميرو وبيكاسو وكتاب مثل بريفير وأراغون. وربطته صداقة قوية مع بورتون ونشر في مجلته »السريالية في خدمة الثورة« بعض النصوص والرسوم.
وفي عام 1928 شعر بحاجته لفتح أفقه، وابتكار أعمال متوترة كالأسلاك ثم سلسلة من الأقفاص هيكلية البنية التي كانت توحي فيما بينها بأجواء ثلاثية الأبعاد بما هو مواز للفن السوريالي، مثل عمله »القصر في الرابعة صباحا«.
وركز من عام 1935 وحتى 1940 على دراسة رأس الإنسان، ابتداء بالنظرة التي اعتبرها كرسي الأفكار. كما رسم شخوصا كاملة بهدف التقاط هوية وشخصية الإنسان في لمحة واحدة. وخلال تلك الفترة تواصل مع بيكاسو وبيكيت وأسس حوارا مع سارتر كان له تأثير على كليهما.
اشتهر جياكوميتي ببحثه عن الكمال، وكان مسكونا بهاجس انجاز أعماله تماما كما يراها في مخيلته. واستطاع بعد زواجه أن ينجز منحوتات أكبر حجما من السابق، لكنها كلما كبرت استطالت ونحلت. وحصل عام 1962 على جائزة النحت الكبرى في بينالي فينيسيا ومعها نال شهرة عالمية.
وعلى الرغم من مرضه سافر إلى نيويورك عام 1965 وافتتح معرضه في متحف الفن الحديث. توفي بعد ذلك في 11 يناير عام 1966 ودفن بالقرب من والديه في بورغونوفو.

