قال ألبير قصيري في إجابة على صحافي: «إنني أفكر باللغة العربية. وإذا قال لك احدهم: صباح الخير فهذا له دلالة ما؟ وليس صباح الخير على الطريقة الأوروبية. أي تعبير خالٍ من أية دلالة. بالطبع لابد من رد التحية.
د. محمد مخلوف
كان أول عنوان معروف لألبير قصيري في باريس التي وصلها بعد الحرب العالمية الثانية هو فندق «لويزيان» في شارع «لاسين» القريب من جادة السان جرمان الشهيرة. وكان آخر عنوان «معروف» لألبير قصيري في باريس عندما رحل يوم 22 يونيو الماضي هو أيضاً فندق «لويزيان». أطلقوا عليه لقب «فولتير النيل» لم تكن تلك التسمية «جزافاً» ولكنها تأسست على قاعدة أن الرجلين «ابن النيل» وفيلسوف عصر التنوير سخرا، كليهما من أولئك الذين اعتقدوا أنهم أقوياء باسم السلطة التي يمتلكونها، ومهما كانت طبيعتها، سياسية أو مالية أو عقائدية. وكان ألبير قصيري «مقلا» في الكتابة.. لكنه كان يفضل صفة «كسول» إذ لم يكن يكتب سوى بمعدل «سطر واحد كل يوم».. أما سبب الكتابة لديه فهو أن يقرأه أحدهم ولا يذهب إلى العمل في اليوم التالي.
لم يكن يأوي إلى فراشه قبل الثانية أو الثالثة صباحاً.. هكذا كان يومه يبدأ عادة حوالي الساعة الثانية بعد الظهر بالتوجه إلى مقاهي الحي: «دوماغو» الذي كان ولا يزال، ملتقى أهل الفن والآداب و«ليب» الموجود «قبالته» على الرصيف الآخر من شارع السان جيرمان و«كافيه فلور» الذي يؤمه أهل الأدب أيضا.
وهذا المقهى كرس جائزة أدبية باسمه كل عام قيمتها ما يقارب الستة آلاف يورو وكأس من النبيذ الفاخر كل يوم للفائز.
في هذا المقهى الأخير «فلور» التقيت بألبير قصيري للمرة الأولى، كنت برفقة صديق مصري هو مصطفى مرجان. هذا الاسم الذي قد لا يعرفه أحد لكنه بالتأكيد أحد أهم المثقفين العرب الذين عرفتهم فرنسا. كان ألبير قصيري يومها بكامل صحته وعافيته، إذ لم يكن المرض الخبيث قد داهمه استمع طويلا لمصطفى وقال له ما معناه: لماذا لا نقرأك؟ كانت مصر هي الموضوع المركزي في تلك الجلسة. وصادفت ألبير قصيري مرات عدة بعد ذلك في «حيه» الباريسي حيث كان قد أصبح أحد «معالمه».
لم يكن ألبير قصيري يهتم بالمال.. بل كان يفضل بوضوح أن يظل فقيرا، كي يبقى «حراً» كما يقول.. باختصار إن حياته تشابه كثيرا النصوص التي يكتبها، إذ كان «شحاذاً ونبيلاً» في الوقت نفسه مثل شخصيات روايته «شحاذون ونبلاء».
وكان مصدر «دخله» لفترة طويلة من الفن، خاصة قبل نشر أعماله من قبل صديقته الناشرة «جويل لوسفلد» هو أن صالات بيع اللوحات في الحي ـ الغاليريهات ـ كانت تكرس له من فترة لأخرى لوحة.. ثم تبيعها لـ «حسابه» كإشارة سريعة يوجد فندق «لويزيان» على مقربة من كلية الفنون الجميلة بباريس والحي زاخر بالطبع بكل ما له علاقة بالفن.
وكان ألبير قصيري يتمتع بما يشبه «الاعتماد المفتوح» لما يستهلكه في المقاهي الثلاث التي كان يتردد عليها.. ولم يكن معروفاً بالدقة. من الذي كان يتولى عملية السداد؟ هذا ليس مهما؟ المهم أنه كان يمضي الساعات وهو يتملى المارين؟ وخاصة المارات؟ على الرصيف المحاذي، فهذا كان «يساعده على الكتابة» ويؤكد «حبه للحياة».
عاش ألبير قصيري وحيداً، وعازباً، أبدياً، إلا فترة زواج لم تستمر سوى فترة قصيرة من ممثلة مسرحية فرنسية «مغمورة» لم يكن سعيداً في عزلته فحسب، وإنما كان في حالة بحث دائم عنها.. ولم يكن يتردد في تعريفه للسعادة بقوله «أن أكون وحيداً.. «وحيداً» دون عمل أي شيء.. والبير قصيري هو صاحب «نظرية لا سابق لها في السياسة» كما كتب عنه إذ كان يرى ان التمرد يمر عبر «عدم الفعل والهدوء والكسل» وعلى سؤال: كيف يمكن مقاومة الأقوياء؟
«بوساطة قيلولة رغيدة» هكذا قال؟ وهكذا عاش ومن أقواله: لا ينبغي على كل إنسان أن يقوم بثورته الخاصة ولا ينتظر أن يقوم الآخرون بالثورة. أما الخطوة الأولى في ثورة كل فرد، فتلخصها بنظرة جملة بسيطة تقول «على المرء أن يعيش الحياة كما يحبها».
بالفعل مثل هذا المبدأ عاشته جميع شخصيات رواياته التي تبدو وكأنها تسخر من كل شيء. إنها بكل الأحوال «ناطقة باسمه» وهي تعبر عما يفكر به حيال العالم الذي يعيش فيه.
بدأ ألبير قصيري الكتابة صغيراً. كان عمره آنذاك عشر سنوات فقط وحيث كان قد قرأ منذ سن مبكرة الأعمال الأدبية الكلاسيكية مستفيداً من أمرين أولاً «لم تكن هناك تلفزة»، وثانياً «أن أخاه الأكبر كان مهتماً بالثقافة». هذا ما نقله عنه أحد معارفه منذ عام 1993.. بدأ الكتابة «صغيراً» لكنه لم يكتب سوى «قليلا». وقد حرص دائماً على عدم اعتبار كتبه «روايات». «أنا لست روائياً»، كما كان يقول ويردد ويضيف: «أنا كاتب» فـ «الروائي يكتب قصصاً، وأنا لا تهمني القصص.. وما أكتبه في كتبي هو ما أفكر به».
بل لا يتردد ألبير قصير في القول إن آخر الأدباء الفرنسيين كان جان جينيه وهو الآخر بدأ حياته «لصاً» وأنهاها أديباً «احترف التشرد» إذ لم يكن له أي عنوان معروف سوى دار النشر التي كانت تصدر كتبه.. وكان صديقاً لـ «حركة الفهود السود» المناهضة للعنصرية في أميركا ومناصراً للقضية الفلسطينية فهو صاحب كتاب «الأسير العاشق» الجميل.. ومثل جينيه «عاشت» جميع شخصيات ألبير قصيري في أحياء القاهرة الفقيرة وفي أوساط «المجانين والشعراء والشحاذيت» باختصار في تلك الأحياء التي شهدت طفولته.
عرف ألبير قصيري شهرة واسعة في فرنسا ثم في أميركا بفضل صديقه هنري ميلر الذي قدمه للقراء باللغة الانجليزية وقارنه مع مكسيم غوركي وروستويفسكي،. لكن ألبير قصيري بقي «مصرياً» وكان يردد باستمرار «أنا غريب في باريس». ولكنه لم يتردد أيضاً في التأكيد أنه جاء إلى باريس «كي يبقى فيها».
وقد بقي فيها لا يملك شيئاً واختار أن يعيش كاتباً، حسب تعريفه للكاتب ولحياة الكاتب. يقول: «هذه هي حياتي. ولذلك لا أمتلك سيارة ولا دفتر شيكات ولا بطاقات اعتماد مصرفي. إنني لا أملك شيئاً».
ذات يوم التقى ألبير قصيري صدفة بإحدى صديقاته» كان لديه الكثير منهن ـ في شارع سان جرمان. لقد لخصت له قصة حياتها خلال الأربعين سنة الأخيرة، بعد أن فارقته بالقول: «ثلاثة أطفال، طلاقين، تغيير أربعة مساكن» ثم أضافت وأنت؟
وكانت إجابته: «أما أنا، فلم يتغير شيء. مازلت أتمتع بقيلولة بعد الظهر، وعلى نفس السرير الذي كنت أنام عليه عندما تركتيني».
ومنذ يوم 22 يونيو الماضي لم يعد هناك من يستطيع أن «يزعج» قيلولة ألبير قصيري. لقد وجدوه وقد فارق الحياة على أرض الغرفة رقم 53 من فندق «لويزيان» حيث كان قد عاش عدة عقود من الزمن من دون أن يمتلك سوى ملابسه.
الذين عرفوا البيرقصيري ربما انهم قد «نسوا إمكانية أن يرحل. لقد «خذله» جسده النحيل.
موستاكي عن قصيري
كتب جورج موستاكي الموسيقي المعروف عن صديقه ألبير قصيري بمناسبة وفاته:لقد وجدوه ميتاً مُسجى على أرض غرفته الصغيرة في فندق لويزيان التي شغلها منذ أكثر من 50 سنة. وبنفحة من الحياة والتعالي ـ هاتان الكلمتان اللتان تصفانه تماماً ـ كلّف نفسه عناء أن يلف جسده النحيل بغطاء قبل أن ينطفئ؟ وكما لو أنه أراد أن يكون مقبول الهيئة لأولئك الذي سوف يكتشفونه.
تدهورت صحته منذ فترة طويلة، سرطانات في الحنجرة قضت على حباله الصوتية وأصبحت ساقاه تترنحان به عندما يمشي، لكنه وجد دائماً الطاقة، متكئاً على عصى أو على ساعد رفيق، للذهاب يومياً إلى مقهى فلور التي أصبح أحد أعمدتها.
هناك التقيت به للمرة الأولى من أجل مشروع إخراج «شحاذون ونبلاء» للسينما. كنت أحد قارئيه المعجبين به منذ فترة طويلة (...). ولادتنا في مصر، نظرتنا للحياة وللعالم قاربت بيننا. (..). عملية إعداد الفيلم قاربت بيننا أكثر. وفي الديكور الذي أقيم في تونس كي يمثل مصر، بلد مولدنا، استرجعنا ذكريات نمط الحياة في الشرق الأوسط. لكن كان اختيار الفتيات الجميلات للحضور فقط في بعض اللقطات واختيار المطاعم الجيدة قد أصبح أهم من متطلبات إعداد الفيلم.لم يعرف الفيلم أي نجاح، لكن ألبير قال لي مواسياً: «لقد فشل الفيلم، لكنه استطاع أن يعزز الصداقة بيننا».

