أخيرا صار للمسرح العربي المتبعثر بين عواصم ومدن الوطن العربي هيئة عربية تعمل على ربط شبكة المسرح والمسرحيين العرب ببعضها بالبعض الآخر، مكتب عربي له فروع في البلدان العربية هدفه الأوحد والاهم هو التفكير عربيا وبصوت جماعي وبشكل عملي في مسرح يجمل رؤى الأمة شعارا ،يعمل الجميع تحت رايته من اجل ثوابت وركائز واحتواء لانطلاقات الإبداع المسرحي العربي في أي ركن أو زاوية من الوطن الكبير..

مرعي الحليان

في ما يشبه الحلم تحقق إنشاء هيئة عربية للمسرح بمكرمة سخية ومبادرة واهتمام شخصي من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.. خيمة عربية ومظلة وورشة تفتح الآفاق للمسرحيين العرب وتزيل من أمام تواصلهم الكثير من العقبات.. لسنوات طويلة استمرت الدعوات إلى لم شمل المسرحيين العرب في بوتقة واحدة تحقق للمسرح العربي ازدهاره وتوسع من تخوم تأثيراته، وتعزز من قدراته، ولم يكن أمام المسرحي العربي سوى المهرجانات العربية التي تقيمها المدن والعواصم العربية سنويا، حيث المتنفس الوحيد، والملتقى الوحيد الذي تدار فيه رحى الحوارات حول الشؤون والشجون المسرحية..

يلتقي المسرحيون العرب وهم ضيوف على المهرجانات في الأروقة والممرات وبين كراسي النظارة في صالات المسرح وحول الطاولات المستدير والمستطيلة يعملون بمباضع البحث عن هوية مسرحية عربية، ومسرح يحمل الصوت العربي عاليا ويعبر عن العربي كإنسان يمتلك خطابه الثمين في فضاء البشرية.. لم المهرجانات كافية إلا لتلك الجلسات السريعة والتفافات حول ومضات مسرحية على الخشبة، يحلوا لهم أمامها إدارة النقد والحوارات الأكاديمية..

لكن ظلت الكثير من العوائق التي يواجهها المسرحي العربي خصوصا في مسألة الانتشار هي الأكثر تأثيرا في التواصل المسرحي العربي.. فأصغر حجر عثرة مثلا يتمثل فيما لو أراد مسرحي عربي أن يطوف بعمله المسرحي بين البلدان الشقيقة فيجد أن عليه تكلف أعباء كثيرة وإتمام إجراءات روتينية خانقة.

هذا إضافة إلى ضيق الحال وقلة حيلة الدعم والرعاية.. ليست المهرجان السنوية إلا نوافذ سنوية يطل فيها المسرحي العربي على إبداع شقيقه المسرحي على الطرف الآخر.. ولسنوات طويلة كانت العاطفة تسحب كبار نجوم المسرح العربي نحو مطالبات بضرورة عمل مسرحي عربي مشترك..

في الشارقة وقبل خمس سنوات تقريبا تم تبني ملتقى الشارقة للمسرح العربي.. يعقد الملتقى السنوي بوجود نخبة مختارة من المسرحيين العرب جلساته حول هم من هموم المسرح وفكره، كما يتم تقديم عرض أو عرضين وإتاحة فرصة الاطلاع عليهما.. هذا الملتقى أسس لحالة وجوب هيئة عربية للمسرح.. ولأن الشارقة هي عاصمة المبادرات، فقد انطلقت مبادرة الهيئة منها..

لهذا يجوز السؤال الآن عن منعطف مهم في تاريخ المسرحي العربي.. إذا ما استطاعت الهيئة العربية للمسرح أن تبلور أهدافها ورؤاها وان تحقق الاشتراك المطلوب في العمل العربي المسرحي المشترك.. والدعوة لهذا العمل الجماعي لن يكون مسحوبا فقط بعاطفة العمل العربي المشترك وتحقيق ولو أحلام بسيطة في وحدة الهم والمصير العربيين..

ولكن الدعوة في ذاتها تذهب كثيرا باتجاه دعم المسرحي العربي وإزالة العوائق التي تعترض إنتاجه وفنه المسرحي.. فالهيئة تطرح نفسها كداعم ورافد لتمويل وتبني المشاريع المتعلقة بالفنون المسرحية..

فهناك على الأجندة وفي الأهداف العامة رغبة جامحة في تلاقح الإبداعات الفكرية الفنية المسرحية العربية بين بعضها البعض، تبادل الخبرات، تبادل التجارب، إقامة الندوات والورش المسرحية.. العمل باتجاه تأصيل موضوعات المسرح وربطها بالإنسان العربي حاضره ومستقبله.. الاتكاء على إنتاجات الإصدارات الأدبية ودعم البحوث..

وإذا ما تحقق جزء من هذه الأحلام المسرحية، فانه من الواجب النظر إلى أن المسرح العربي يمر بمنعطف ايجابي في ظل هذه المبادرة الكبيرة.

إن العمل المسرحي العربي المشترك كان حلما من ضمن ملايين الأحلام الصغيرة التي تمناها العربي أن تتوالد من رحم حلمه الكبير بالوحدة العربية.. لكن هذا الحلم الأخير تكسرت محاولاته واستيقظ العربي بعد خدر كامل بالحلم وأمانيه على مزيد من التبعثر، لكن الضمير العربي بقى حاملا فيروس الانتماء الجميل، لا يستطيع الخلاص ولا الفكاك منه، بل إن الأزمات التي تحيق به تجعله أكثر اندفاعا لاستثارته من جديد..

قد يبدو هذا الإقرار في حكم التفكير الرومانسي لكن مسيرة المسرح العربي كشفت، بل أكدت أن المسرحيين العرب ولزمن طويل استمروا يتنادون من اجل عمل مسرحي عربي، أن تجتمع القامات المسرحية العبقرية في بوتقة إبداع يلغي الانتماءات الصغيرة من اجل الانتماء الكبير. لكن لم يتحقق شيء من تلك المحاولات، حتى ولو كانت هناك بوادر برامج مشتركة، إلا أنها كانت تبزغ وتخبو في حينها نتيجة مليون سبب ومليون معوق..

في كثير من المهرجانات والملتقيات العربية كشفت أصوات المسرحيين الأكاديميين العرب عن ضرورة بلورة روح عربية لمسرح عربي.. ولم يكن الهدف تعريب المسرح، بالرغم من أن بعضهم ذهب إلى هذا المنحى، لكن الهدف كان البحث عن صيغة العربي في مسرح إنساني.. اغلب جهود المسرحيين العرب مبعثرة بين الأوطان، ومبعثرة داخل أوطانها.. فلم يبلغ المسرح العربي مدى مفرح في الفضاء العالمي. وبقى المسرحيون يعتقدون أنهم بحاجة لقبة تجمعهم وخشبة مسرحية واحدة يقفون عليها، وبقوا هكذا على الدوام يغذون روح التمني هذه..

في نهاية شهر مايو من العام الماضي افتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مقر الأمانة العامة للهيئة العربية للمسرح في الشارقة، بحضور عدد من كبار المسؤولين عن الحركة المسرحية العربية والمحلية والذي تكفل سموه بكافة تكاليف إنشائه وتجهيزه.

كما تكفل سموه أيضا بتكاليف وتجهيز مقر رئاسة الهيئة العربية للمسرح التي تتخذ من القاهرة مقرا لها والذي سيتم افتتاحه قريبا. ووجه صاحب السمو حاكم الشارقة الهيئة العربية للمسرح أن تسعى فورا إلى بناء مسارح في المراكز القطرية حتى توفر المكان المناسب للمستفيدين بالمسرح من الشباب في مختلف المجالات.

ووجه سموه الهيئة بان تؤمن للفنان المسرحي حياة كريمة في كل الأحوال في المرض والعجز أو الوفاة وأيضا أن توفر للكاتب المسرحي والمنتج المسرحي فرص الالتقاء برفقاء المسرحيين في الأقطار العربية.

وكان قصر الثقافة في الشارقة قد شهد ميلاد الحلم من خلال المؤتمر العام الأول للهيئة العربية للمسرح بحضور أعضاء المؤتمر من كافة البلدان العربية حيث اقر النظام الداخلي وآلية العمل التي أقرتها اللجنة التأسيسية للهيئة العربية للمسرح، التي أقرت أواخر شهر أكتوبر 2007 إبان اجتماعها في الشارقة. كما تم انتخاب المجلس التنفيذي وتسمية اللجان المنبثقة عنه، واختيار مديري المكاتب الإقليمية وإقرار برنامج عمل الهيئة لعام 2008. وحضر المؤتمر كضيف شرف » منفرد بلهاردز » رئيس الهيئة العالمية.

ومن الإمارات، من الشارقة على وجه الخصوص انطلقت الدعوة لتأسيس قبة عربية للمسرح العربي حيث أعلن إسماعيل عبدالله رئيس جمعية المسرحيين بالدولة عضو اللجنة التأسيسية للهيئة العربية للمسرح عن إشهار هيئة المسرح العربية، وذلك ضمن احتفال كبير أقيم في قاعة طيبة بفندق سميرا ميس بالقاهرة ،وقد حضر الاحتفال حشد كبير من المسرحيين العرب والعالميين من 50 دولة تشارك بمهرجان المسرح التجريبي الذي يقام أكتوبر من العام 2008.

سمي ذلك الاحتفال بإعلان القاهرة حيث ألقيت فيه الكلمة التي بلورت للمسرحيين العرب فكرة الهيئة وأهدافها.. وجاء في بيان القاهرة الذي تلاه إسماعيل عبدالله رئيس جمعية المسرحيين بالدولة: بادر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة إلى احتضان المسرح والمسرحيين والتصدي لما يمكن أن يجعل المسرح فاعلاً في مجاله المحلي فالعربي على سواء ليمكن بعدئذ أن يتحاور أهل المسرح العربي مع أهل المسرح في بقاع الكون لأجل تعايش وتفاهم وأفق تسامح إنساني يجعل الحياة أجمل والكون أبهى والعيش عملية بناء لا عادة تذهب إلى الجفاء الذي لا ينفع الناس.

وقد وجه سموه بمناداة المسرحيين العرب وحفز أهل المسرح ودعوة مؤسساته وكياناته العربية على اختلافها إلى الاحتشاد والتلاحم والتفاعل لأجل دعوة توحيدية جديدة في شكل سماه (الهيئة العربية للمسرح) على غرار الهيئة الدولية للمسرح تتبع الهيئة (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) مثلما تتبع الهيئة الدولية للمسرح لليونسكو» المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم سواء بسواء وكتفا بكتف. ولكن بتلاحم وتآزر وتعاون وتضامن من يكسب المسرح قصب السبق والقدح المعلى في التفعيل والتنشيط والابتكار الفني لمسرح العرب ومسرح الإنسان.

من هنا نبدأ، من مشيئة عربية جامعة لتأسيس الهيئة العربية للمسرح في جهات العرب كلها ولخيرها مجتمعة.. هيئة تكون لها مراكزها القطرية ومكاتبها الإقليمية ورئاستها وأمانتها العامة ونظامها الإداري والمالي الذي سوف يوفر حاكم الشارقة حده الذي يكفل الخدمة حتى يفتح أهل المسرح أريحية إبداعهم فتنبت حراكاً مسرحياً يولد وعياً يؤثر على العربي ليكون أكثر سوية في حياته وفي عيشه وفي إنتاجه.

بعد ذلك تسارعت الوتيرة وبدأ الإعداد لافتتاح مقر الهيئة الرئيسي في جمهورية مصر العربية وهو الأمر الذي سوف يتم في أكتوبر المقبل.. أما اللجنة التأسيسية التي نالت شرف التوقيع بأسماء الفنانين العرب مجتمعين فقد تكونت من المبدعين نور الشريف، سعاد العبدالله، عبدالله العويس، محمد المديوني، إسماعيل عبدالله، فايز قزق، أحمد الجسمي، رفيق علي أحمد، ثريا جبران، حبيب غلوم، اشرف زكي، أحمد بورحيمة، سليمان البسام، غنام غنام، ريتا عوض، ناجي الحاي، فتحي عبدالرحمن، محمد الأفخم، حسن رشيد، يوسف عيدابي،. بينما سمّت لجنة استشارية من فوزي فهمي، فؤاد الشطي، أسعد فضة، علي مهدي، حاتم السيد، سميحة أيوب، قاسم محمد، موسى زينل، عبدالكريم جواد، محمد عبدالله، أنطوان كرباج، إبراهيم غلوم، عبدالكريم برشيد، نبيل الفيلكاوي، راشد الشمراني، صباح عبيد، المنصف السويسي.

باكورة نشاط الهيئة العربية للمسرح

أقرت الهيئة العربية للمسرح إنتاج مسرحية «شمشون الجبار» التي كتبها صاحب السمو حاكم الشارقة والمشاركة بها كأول إنتاج عربي مشترك في احتفالية اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية العام ،2009 إضافة إلى عرض المسرحية «أيفا» في احتفالية اليوم العربي للمسرح في القاهرة، وكذلك في افتتاح مهرجان أيام الشارقة المسرحية في الشارقة للعام 2009.

كما أقرت الهيئة العربي للمسرح تنظيم مهرجان المسرح العربي الأول (المتنقل) والذي سينظم كل عام في عاصمة عربية، على أن تعقد دورته الأولى في القاهرة، وأن تبدأ فعالياته مع الاحتفال باليوم العربي للمسرح في 10 يناير من كل عام، وتم تكليف الفنانة القديرة سميحة أيوب لكتابة وإلقاء كلمة اليوم العربي للمسرح.

كما وجهت الدعوات للعديد من الشخصيات والأسماء المسرحية الاعتبارية على مستوى الوطن العربي والعام، إضافة إلى مشاركة الهيئة بفعالية الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية، وتوفير الدعم المادي لأنشطة المكتب القطري للهيئة في فلسطين، حتى يتمكن من إنجاز أنشطة وفعاليات مسرحية داخل فلسطين، وذلك تجسيداً لمكانة القدس ووضعيتها في وجدان وكيان الإنسان العربي عموماً.