العلاقة مع المكان يصنعها الشاهد. والشاهد هنا قد يكون أثراً مادياً أو معنوياً أو رمزياً. الشاهد الشاخص قد يكون معماراً هندسياً أو نصباً وطنياً أو برجاً شاهقاً. وقد يكون غير ذلك في معظم الأحيان كالأسواق التجارية الكبيرة والفنادق الراقية بكل ما فيها من حضور وجاذبية.
بعض المدن الكبرى صنعتها الشوارع وصنعت أجواءها الاجتماعية والنفسية والسياحية والتجارية وأبقتها على قيد الحياة والسياحة والنشاطات الاجتماعية المختلفة. الشوارع العملاقة بتجلياتها اليومية وحضورها الاجتماعي الحميم لها أثر وتأثير في توطيد العلاقة بالمكان. تستطيع أن تصنع ألفة وحميمية مع الآخرين بمقدار انفتاحها الحضاري والجمالي والسياحي ولنا من الشواهد العالمية ما يكفي لتأكيد ذلك ؛ كشارع الشانزيليزية في باريس هذا (الوطن) الصغير للفرنسيين والوافدين والسياح لاكتظاظه بالمقاهي والمفاتن الكثيرة والشواهد الثقافية المتميزة ومساحته العريضة التي تتيح للجميع حرية الحركة والتنقل السهل بين مكوناته المختلفة. وكما هو شارع الاستقلال في اسطنبول هذا الشارع الغريب الذي يلتصق به الناس ليل نهار في أجواء طافحة بالجمال والشباب.
بشكل آخر فإن شارع الزهور في زيوريخ السويسرية نموذج جمالي للشوارع ذات التأثير العميق في نفوس الآخرين لجمالياته اللامتناهية وعبقه الشذي. كما ان شارعي كونفيديراسيون و رون في جنيف وهما شارعان ينبضان دائماً بالحركة، تنتشر فيهما غالبية المقاهي والفنادق، بالإضافة إلى كونهما شارعي التسوق في المدينة، نظراً للوجود الكثيف لأرقى دور المجوهرات وأبرز محلات الألبسة وأبرز ميزة في جنيف قرب الشوارع من بعضها البعض، مما يجعل التنقل سيراً على الأقدام فيما بينها بسهولة ومثلهما شارع ( دو مارشيه) في العاصمة السويسرية. كما هو الحال في شارع مانهاتن في نيويورك وشارع البوليفار في هافانا وهو شارع قديم جدا في وسطه منتزه ومقاعده حجرية مزدانة بالتماثيل. يتوفر على متاحف كثيرة وفيه مبنى الكابيتوليو وأهم دور السينما وهو شارع سياحي من طراز.. وشارع سان كاترين الذي لا ينام الليل ولا النهار حيث يعج بالبنوك ودور السينما وتقام فيه المهرجانات والفعاليات الفنية والثقافية طوال الأسبوع في مونتريال..
شوارع البلاد العربية : في البلاد العربية ثمة شوارع شهيرة اكتسبت شهرتها من أحداث سياسية عظمى كشارع الرشيد في بغداد الذي تحتفظ ذاكرته بالمظاهرات والانقلابات العسكرية والخطابات الحماسية. وفي مصر شارع الموسكي الشعبي الضاج بالمصريين والسياح لطبيعته الشعبية والتجارية والاستهلاكية وكذلك شارع فؤاد الذي لا يقل أهمية عن الشارع الأول في صخبه الاجتماعي والتجاري. وفي بيروت هناك شارع الحمراء الشهير الذي يضم أشهر البنوك والمصارف والمكاتب التجارية والمكتبات والصحف وبجمالياته الكثيرة التي يعرفها العرب الذين يزورون بيروت، الأمر نفسه في شارع أبو رمانة في دمشق فهو الآخر ينطوي على ميزات اجتماعية وثقافية تجعله موطئ قدم جاهزاً لرواده على مدار الساعة.
ذاكرة الشوارع
الشوارع ذاكرة أوطان. وهي عادة ما تكون مستقبِلة للزائرين وجاذبة للوافدين. الشوارع تواريخ وسجلات مفتوحة وشواهد أثرية أو معمارية أو شعبية فارتبطت بسلوك حضاري معين ومزايا شخصية لا تتشابه مع غيرها من شوارع العالم. فقامت أسسها الأخلاقية على وصفة اجتماعية سياحية اقتصادية ؟ فإن كانت الشوارع هي ذاكرة أوطان فما هي ذاكرة دبي الحديثة عبر شوارعها المعروفة؟ وكيف تشكّل الشوارع ذاكرة مدينة بدأت حياتها على أعتاب اقتصاد جامح يستبق الزمن والذاكرة متطلعاً إلى المستقبل؟
الشارع الرئة
مثالنا هو شارع الشيخ زايد كونه أشهر شوارع دبي الذي يمكن وصفه بأنه رئة دبي السياحية والوظيفية والاجتماعية والسياحية والاقتصادية والاجتماعية.
رئة نابضة بالحياة السريعة وهي تطوي الزمن إلى إنجازات قادمة. وهو العلم الأبرز بين شوارعها والأكثر اتساعاً بين الشوارع لحجم الزخم المروري اليومي فيه. إذ تمر عليه يومياً مئات الألوف من السيارات في الذهاب والإياب. ويمكن وصفه بالشريان الذي يضخ دماء الحياة إلى دبي وهو الرابط الأساسي للمدينة بين بقية الإمارات. كونه شرياناً متدفقاً بالحركة الدائبة من جانبيه في الصعود إلى المدينة أو الخروج منها.
شارع ينبثق من رحم دبي ويمتد من البحر إلى الصحراء جالباً معه كل خبرات الحياة الجديدة من تكنولوجيا وإعمار وبناء وشواهق عمرانية وفنادق بطرزٍ حديثة ومطاعم ومحلات وعمارات عملاقة. ينمو بشكل يومي فتنمو معه الحياة الراكضة إلى مستقبل جديد تتطلع إليه عبر البناء وصيرورة الذات وهي تتشكل بفاعلية الحداثة الجديدة، وما امتداد البناء فيه من شواخص معمارية حضارية إلا دليل على أنه الشارع الحيوي الأول في دبي تجارياً وسياحياً.
بضعة كيلومترات
بعيداً عن تقسيم الشارع إلى محطات بلدية وفواصل تجارية وعمرانية سنقتطع جزءاً منه لمعاينة النوع الثقافي الجديد الذي يتوفر عليه وهو الجزء الأكثر حراكاً في يومياته السريعة، فشارع الاستقلال الاسطنبولي مثلاً لا يزيد طوله على ثلاثة كيلومترات فقط، غير أنه سرّة اسطنبول وملاذ سيّاحها وعلامة في تاريخها العريق ويزوره يومياً ثلاثة ملايين شخص!
وشارع الشيخ زايد في بضعة كيلومترات منه بدءاً من نهاية نفق المكتوم وحتى مدينة دبي الإعلامية هو شارع الحداثة الجديدة بتجلياتها المعمارية والعمرانية والسياحية، فهو الرابط بين المدينة إلى تلك التجليات الشاخصة ، صعوداً إلى جميرا الفريدة وما فيها من خصائص عمرانية معمارية ارتبطت بتراث المدينة القديم كبرج العرب وفندق السلام ومدينة النخلة ومدينة دبي للإنترنيت ومدينة دبي الإعلامية الكبيرة التي تضم حوالي 928 مؤسسة اعلامية و42 فضائية عربية.
ونزولاً حيث يشمخ برج دبي العملاق على مشارف الشارع ليؤرخ لعصر حداثي مختلف عن كل عصور المدينة. ويرافقه في المسير جسر المترو المقبل الذي سيؤسس لعصر جدير بالانتباه.
عُرف عن هذا الشارع أنه ليس شارع مُشاة وسابلة كونه شارعاً رئيسياً منتجاً لكنه يخفي وراءه عدداً من الشوارع وهي الشوارع الخلفية التي تشكل مصبات رافدة للشارع العام وتشكل مفاتيح سريعة للدخول والخروج منه. هذه الشوارع تقع عليها أفخم الفنادق والأبراج والمطاعم.
كما يضم على جانبيه أفخم العمارات والأبنية ولا شك أن جسر المترو المقبل سيكون أحد أبرز معالم هذا الشارع الذي يتناغم مع مستجدات التطور والحداثة العالمية في آخر طروحاتها العلمية والعملية في تشكيل وعي نفسي جديد يقوم على أسس معمارية واقتصادية تساير النوع الحياتي المختلف في تطوراته العظيمة.
برج دبي شاهد جديد يطل يومياً من خلف شارع الشيخ زايد معلناً ولادة حية لصرح عالمي كبير يتطاول حد الغيوم مشيراً إلى آفاق اقتصادية وسياحية رحيبة في فضاء دبي الذي أضحى قِبلة العالم. وثمة أبراج مرافقة له بدأت تنمو وتتوضح معالمها في نفس الفضاء المضاء بقناديل عمرانية آخذة بالحضور في صباحات دبي المشمسة.
فضاءات صحراوية
شارع الشيخ زايد حلقة وصل بينه وبين مواطنيه ووافديه وسائحيه، فهو المَدخل والمَخرج إلى دبي. المدخل إلى أحشاء المدينة القديمة وأسواقها ودكاكينها وبحرها ومراكبها وسفنها وتراثها الحي الباقي إلى يومنا هذا كشاهد على عصر قديم كانت البساطة أهم ما يميزه ،والمَخرج إلى فضاء أكثر علاقة بالحياة الجديدة من حيث المعمار والبناء والشواهد الثرية بالانفتاح الحياتي على مستجدات العصر وإرهاصاته المختلفة.
وبين الدخول والخروج يبقى شارع الشيخ زايد علامة من علامات المدينة في التواصل اليومي إلى الحياة بأفقها المتجدد. الجهة اليمنى الخارجة باتجاه أبوظبي تتقاطر بالبناء العمودي من فنادق راقية وعمارات سكنية ينعكس زجاجها الوردي والأزرق مع بريق الشمس وتخفي وراءها حياة مختلفة من السياح الأجانب والعرب والأثرياء والمضاربين ونجوم المال والأعمال والاقتصاد. فيما تحتضن الجهة اليسرى القادمة إلى دبي مترو الحداثة التكنولوجية وبرج دبي وأبراج الإمارات ومكاتب تجارية متنوعة المهمات.
يتيح شارع الشيخ زايد من جهتيه بروز فضاءات مفتوحة لم تشغلها العمارات والأبنية بعد. وهي فضاءات صحراوية توفر حرية كبيرة للشارع في خلق الجو المفتوح بصرياً والاستفادة من الضوء المتدفق والحرارة المطلوبة والبيئة المتوازنة. ويظل هذا الجو منفتحاً بضوئه لبضعة كيلومترات حتى مشروع النخلة حيث يتسامق البناء مرة أخرى وتعلو شواخص العمارة الحديثة من جديد.
فيشكل بذلك قوساً ضوئياً يعبر جهتي الشارع من اليمين إلى اليسار في انفتاح هندسي خلقته المصادفة ونتمنى أن يبقى هكذا ليحقق الكثير من عناصر الجو الصحراوي التي تصب في جعل الشارع مفتوح الجهتين بدل أن تخنقه العمارات القادمة، ليبقى هذا القوس مثالاً على استثمار عناصر البيئة المحلية لإضفاء قدر أكبر من المرونة والانسيابية عليه.
ونشاهد حالياً جهوداً مكثفة من بلدية دبي لإكساء رصيف الشارع بالأزهار والثيل بشكل مسطحات خضراء تمتد مع امتداده في الفراغ غير المشغول حالياً بالأبنية العالية، مما يضفي عليه طابعاً جمالياً بشكل حديقة متراصفة تنمو مستطيلة سيكون لها وقعها النفسي عندما تتجمل فتجمل واحدة من ضفتي الشارع الطويل.
في هذا القوس المفتوح تترتب بعض العمارات الواطئة التي تستمر معه إلى مسافات معينة وقبل مشروع النخلة، فتخلق شيئاً كثيراً من التوازن الهندسي الذي قد تغرقه عمارات المستقبل الاقتصادية والتجارية والمشروعات الكبرى التي يُنوى التخطيط لها، بوصف هذا الشارع على أنه الأغلى بين شوارع دبي بوجود برج دبي الذي سيخلق زحاماً اقتصادياً في المكان عبر تنافس الشركات الأجنبية العملاقة في حجز مقاعدها وكونه شارعاً يبتعد عن مركز المدينة المزدحم عادة بالبنايات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والسابلة من الوافدين الآسيويين الذين يشكلون الثقل الأكبر في مركز دبي. كما أنه شارع خرج من الحاضر إلى المستقبل المتين والذي ستضمنه الكثير من المشروعات الاقتصادية والثقافية والعلمية.
ليل الشارع
سيكون ليل شارع الشيخ زايد اقل زحاماً كلما تقادمت ساعات المساء ؛ فسيارات الوظائف تكون أقل مروراً وسيارات السياحة والفرجة هي الأكثر نشاطاً في ليل الشارع المضاء بشتى الألوان والنيونات المشتعلة في واجهات الفنادق والعمارات والشركات.
لتؤكد حيوية الشارع في خلق نوع ترفيهي واجتماعي وثقافي واحتفالي في شوارعه الخلفية على الأرجح لأنه شارع رابط وموصّل لا ينتمي إلى شوارع السابلة كونه شارعاً دالاًّ على النوع السياحي والثقافي من ضفتيه ورابطاً للأنشطة الثقافية والمعرفية والعلمية والدلائل كثيرة من تلك التي اشرنا إليها بداية.
اجواء ليل الشارع هي غيرها في النهار، حيث يخفت ضجيج السيارات إلى حد كبير وتنبثق حياة ثانية قوامها الألوان والأضواء الوامضة التي تكشف حشداً من الإعلانات التجارية والسياحية والثقافية العامة.
شارع الرشيد في بغداد
يعد شارع الرشيد من ابرز الشوارع الرواقية في العالم العربي وأكثرها تأصيلاً لفكرة الرواق العباسي التي كانت سائدة في الأسواق المسقفة والتي توفر الحماية المناخية والظلال للسابلة. وكان الوالي العثماني (الجنرال ناظم باشا) أول من فكر بإقامة شارع الرشيد عام 1910 لتسهيل حركة الجيوش التركية الذاهبة إلى البصرة.
ولما عرف سكان بغداد ان معظم بيوتهم ستهدم ولن يكون هناك تعويض مناسب لهم، خرجوا بمظاهرات احتجاج واسعة؛ ليشهد هذا الشارع أول ردة فعل جماهيرية قبل ان يولد ! وفي عام 1915 أمر الجنرال خليل باشا قائد الجيش العثماني وآخر ولادة بغداد بتنفيذ مشروع إقامة الشارع وافتتح في 23 -7-1916 وهو يوم إعلان الدستور العراقي وسمي (خليل باشا جاده سي) أو (الجاده العامة) أو (الجاده) للاختصار، فظهرت فيه لأول مرة عربات (البرشقة - أو البرجقة) التي تجرها الحمير والبغال والخيول ؛ ل
يكون الأول من نوعه في بغداد والعراق والاهم بين الشوارع الحيوية والمركزية الجاذبة للانشطة التجارية والعمرانية والخدمية والثقافية، وبات همزة الوصل الحيوية للشعراء والسياسيين والخطباء والضباط عبر منافذ الترفيه التي أنشئت عليه فيما بعد كالمقاهي والسينمات والجوامع والمنتديات والمؤسسات الصحفية والثقافية.
شارع الشانزليزيه
أرقى وأفخم الشوارع السياحية في العالم. يتوفر على افخر وأرقى المحلات والماركات العالمية والمطاعم الراقية والمقاهي الكثيرة على جانبيه كمقهى الكارديدور، وهو موطئ الأدباء والمثقفين العرب والأجانب. وهذا الشارع يبدأ من تجمع عدة طرق أو شوارع رئيسية تلتقي في دوار على بوابة قوس النصر ثم ينتهي إلى دوار ميدان سلة اهرامية قديمة يكون فيها اغلب الأحيان أو تقام عليها العروض الوطنية والعسكرية.
وارد بدر السالم



