العولمة فلتر المكاشفة الكونية، والحدود فلتر متحفيٌّ، والقمر الصناعي فلتر الفراغات الكبرى، والمال فلتر عابر للقارات، والسلعة فلتر نجومي، والإعلام فلتر الحقيقة

«الفلتر»، في باب المعرفة، اكتشافٌ لمُعين، لا يمكن تجاهل حضوره الأبدي/ فضله، رغم أن المفردة أجنبية ، أي (مصفاة)، ولكن استخدامها المتنوع في حياتنا اليومية، جعلها مألوفة، إلى درجة أن في الإمكان تصريفها (فلترَ، يفلتر، والفلترة: إضفاء طابع فلتري على الموضوع، أو الحدث..الخ)، من السيكارة، إلى أدق تفاصيل حياتنا الخاصة. تُرى ما الذي يضفي على الفلتر سحر المعنى المغيَّب دائماً؟

بيننا نحن، كبشر، وفي مختلف انتماءاتنا، وكلٌّ بحسب ما يميّزه في هذا المنحى، يكون الفلتر أكثر من اتجاه للنظر، وصياغة للعلاقة التي تظهرنا، كَم نحن رهائنَ الفلتر، شئنا أم أبينا. الفلتر يسبقنا زمنياً، نحن طارئون عليه، داخلون في لعبته، كما يقول كتاب الطبيعة، من خلال فعل المصفاة، في مجمل »أنشطتها«. لأي/ كل كائن، ولو كان جماداً، فلتره، بينما نحن، فما لا يحصى فلترياً.

يمكن البدء من اللغة، وكيف أنها تراهن على بُعد استراتيجي فلتري: كيف توجِد المعنى الأكثر نفاذاً في الذات، الصورة الأجمل بالمقابل. هنا، يكون الشاعر فلتريَّ الجسد أكثر من الناثر، لأنه ذاته يمارس فلترة مستمرة لعلاقاته مع الآخرين، الموجودات، أي صياغة دائمة لكل ما يعنيه.

إن فتنة القول الشعري، ترغيب باللغة، وإصغاء إلى ثرائها الدلالي، توجد فلترة هنا إذاً، والتفسير فلتر وحيد الجانب، خلاف التأويل فهو فلتر مركَّب، بتعددية وظائفه المجهولة والمعلومة، وكل تدقيق في القول، ليس أكثر من تصفية حساب مع كلمة دون أخرى: تعديلاً، تشذيباً، إضافة، ابتغاء لرغبة معينة، باعتماد الفلترة أيضاً، وفي إنجاز أبسط فعل، نتقدم بمشروع شراكة مثمرة، أي نزداد تقارباً، والعملية لا تعدو أن تكون فلترة، بدورها.

الفلكي يبحث عن فلتره في الكوني: الفلكي، والكيميائي في المعادلات، بينما الرياضي، ففي الأرقام والرموز المقابلة، والطبيب في معالجاته لفلترة الجسم.

فلتر الفنان إلهامه المتعدد المقامات، والسياسي حنكته، والقائد دهاؤه، والعاشق قلبه، وفلتر العبقرية يقظة الجسد القصوى، وفلتر الجمال التذوقُ، وفلتر الينبوع العين، وفلتر الأرض السماءُ، وفلتر المعلوم المجهول، وفلتر الأنانية الحقد، والموت فلتر الحياة الأخرى، أما اللغة فهي فلتر التواصل، والإيماء فلتر الجسد، أما اللذة فهي فلتر الشهوة، والقبلة فلتر الرغبة في الفناء.

والزواج فلتر التناسل، والمرأة فلتر الرجل، وتتنوع هذه نسبة تصفية وقيمة، كما يقول تاريخنا المقروء. والطبيعة فلتر الوجود، فيكون النبات فلتر الحيوان، والحيوان فلتر الإنسان، أما الأخير فهو فلتر خالقه الأزلي، ليظل فلتر الأزلي خارج اللغة المعتادة!

فيما نحن عليه راهناً، العولمة فلتر المكاشفة الكونية، والحدود فلتر متحفيٌّ، والقمر الصناعي فلتر الفراغات الكبرى، والمال فلتر عابر للقارات، والسلعة فلتر نجومي، والإعلام فلتر الحقيقة غير المحكمة والفاتنة معاً، والاستعراض فلتر الثقافة الحسية...

فالفلترات تسيّرنا، مثلما تحدد علامات تفوقنا على أنفسنا، أو ضعفنا النظري والعملي. حسب الإنسان هنا، أن يحسن فلترة ما حوله، وهو على تماس مباشر بفلترات العناصر والكائنات، وما لم يُسمَّ، ليكون أكثر قابلية عيش ومقدار لدى مثيله، فالجّدة فلتر تلسكوبي لبقاء الأصلح.

سؤال أخير: لماذا لم نستخدم المصفاة بدلاً من الفلتر في السياق؟ هذا يعود إلى اللغة بالذات وفلترها الحياتي، عبر تاريخها التقني والاعتباري مجالَ نظر وعمل، وربما وهم الاعتقاد، بأن الفلتر غير المصفاة واقعاً، أو يقينه، بأن المصفاة إزاحة غير مشروعة للفلتر، من جهة الدلالات.

المصفاة تزكم أنوفنا بحدود ضيقة، بينما الفلتر فمفهوم حداثي وما بعده، ولهذا يجد كلٌّ منا، أنه أميل إلى الفلتر منه إلى المصفاة رغم يسر التقابل، لكن العلاقة الأرحب تختار الفلتر لا المصفاة، إلى أجل غير المسمى، حتى تثبت المصفاة أنها الفلتر حقاً، أو تغدو هي في الواجهة بجدارة فعلاً!

إبراهيم محمود