لدى الناس البسطاء الكثير من العطاء، وعليهم أن يعطوا بحرية وراحة بال. نحن أيضا علينا بالمقابل أن نمنحهم أفضل ما يمكن من كل قلبنا، كما علينا مساعدتهم في الحصول على ما يستحقونه فعلا ، قالت الكاتبة والروائية والقاصة والمترجمة الإيرانية سيمين دانشور لدى سؤالها عن مصدر إلهامها.
تعتبر دانشور التي ولدت في شيراز عام 1921 أول امرأة إيرانية تكتب الرواية وكان ذلك حينما أصدرت روايتها الشهيرة «الأمل» عام 1969 التي ترجمت إلى العديد من اللغات وطبعت في إيران وحدها ستة عشر طبعة. درست دانشور في المدارس التبشيرية البريطانية في شيراز وبرعت في كتابة اللغة الانجليزية، وبرز ميلها للكتابة منذ كانت في الثامنة، وبدأت رحلتها مع الكتابة عام 1935. وعندما توفي والدها عام 1941 اضطرت إلى العمل وتعينت في إذاعة طهران حيث كتبت مجموعة من البرامج بعنوان «شيراز غير المعروفة». وقد ساعدها إتقانها للغة الانجليزية في الحصول على وظيفة مساعدة مدير الأخبار الأجنبية.
وبعد مرحلة زمنية انتقلت إلى الصحافة. وكان لهدوء الأوضاع السياسية والاجتماعية في بداية الأربعينات دورا إيجابيا شجعها على متابعة تعليمها، حيث درست عام 1942 في جامعة طهران الأدب الفارسي، وقدمت بعدها رسالة الدكتوراه في (تناول الجمال في الأدب الفارسي).
وأول محاولة لها في كتابة القصة كانت «النار المطفأة» عام 1948. وحصلت على الدكتوراه وهي في الثامنة والعشرين، وفي عام 1950 تزوجت من الروائي وكاتب القصة الإيراني الشهير جلال الإحماد. وسافرت بعد عامين إلى الولايات المتحدة لدراسة الكتابة الإبداعية، وانضمت بعد عودتها إلى جامعة طهرن.
وإلى جانب كتابتها للقصة والرواية، ترجمت دانشور الأدب من الانجليزية والألمانية والإيطالية والروسية إلى الفارسية لكتاب مثل جورج برنارد شو وأنطون تشيخوف وألبرتو مورافيا وناثانيال هوثورن، مما شكل ركيزة لأدب الغرب في إيران. وتناولت دانشور في جميع أعمالها التي تميل إلى الواقعية، حياة المرأة الإيرانية في القبيلة والريف والمدينة، من خلال قضايا إنسانية كالزواج والخيانة وتعذيب الأطفال والمرض والموت والجهل والخداع والفقر والوحدة، والتي كانت محور الاهتمام في الستينات والسبعينات.
ومن أهم قصصها في هذا الإطار مجموعتها الثانية «مدينة كالفردوس» التي نشرت عام 1962. وفي عام 1979 تقاعدت دانشور من عملها في الجامعة ولم تصل بعد إلى درجة بروفيسور وسبب ذلك كما علمت لاحقا جهاز الأمن السابق الذي اشتهر باسم سافاك، ونشرت في العام التالي مجموعتها القصصية إلى من أستطيع أن أقول مرحبا؟ .
كما نشرت في عام 1981 دراسة عن السيرة الذاتية لزوجها الذي تم اغتياله عام 1969 قبل بضعة أشهر من صدور روايتها «الأمل»، وهي بعنوان (أيام غروب جلال). وتعتبر تلك الدراسة من أكثر الأعمال المؤثرة التي كتبتها، وتصف فيها شخصيته كأحد رواد الأدب الإيراني إلى جانب سرد تفاصيل أيامها الأخيرة معه بفهم عاطفي عميق.
تبدأ رواية «الأمل» بحفل زواج وتنتهي بطقوس جنازة، لتأخذ هاتين المناسبتين وما بينهما من أحداث، القارئ في رحلة زمنية إلى مدينة شيراز جنوب إيران خلال فترة الحرب العالمية الثانية، حينما كانت إيران ترزح تحت احتلال وهيمنة الحلفاء حيث احتل البريطانيون الجنوب والسوفييت الشمال.
يتعرف القارئ على شيراز وأجوائها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الفترة من 1941 إلى 1945، من خلال مشاعر ورصد بطلة الرواية زاري، الابنة المطيعة والزوجة المخلصة والأم المحبة التي تشكل محور الأحداث والرابط بينها. وتجمع حبكة الرواية ما بين أربعة محاور تتمثل في الحكام من النخبة والبريطانيين وعملائهم أولا، والقبائل ثانيا والفلاحين ثالثا وأخيرا المجانين والمحكومين.
منذ بداية الراوية وخلال حضور زاري وزوجها يوسف حفل زفاف ابنة المحافظ، يتجلى اهتمامها برصد ما يحيط بها على صعيد الضباط البريطانيين والمسؤولين الإيرانيين، ولا تغيب عنها لعبة التجسس عندما تفاجأ بتحول البائع البريطاني لماكينة الخياطة »سنجر« المتجول، بين ليلة وضحاها بعد الحرب إلى أحد كبار الضباط، كذلك تزلف المسؤولين الإيرانيين للمستعمر، وعنجهية الأخير.
إلى جانب قلقها على زوجها وحرصها على مرافقته كيلا يقول ما لا يجب أن يقال وتعريض نفسه للخطر في حضرة رجال السياسة، وكان إقطاعيا عادلا منصفا مع فلاحيه وحاميا لهم. وتمثل زاري حياة المرأة والزوجة الإيرانية التقليدية من خلال اهتمامها برعاية زوجها وتربية أبنائها والإشراف على البيت والاعتناء بالحديقة التي كانت نادرا ما تغادرها.
والتي ترمز لحياتها الآمنة المستقرة الدافئة وما كان يشغل الزوجة عن أسرتها سوى قيامها ببعض الأعمال الخيرية كالذهاب إلى مصحة الأمراض العقلية في الجوار وزيارة بعض السجينات. . وتبدع دانشور في خلق فردوسا من حياة زاري عبر سردها الزاخر بالمشاعر والأحاسيس المرهفة.
كان اتصالها بالعالم الخارجي يتمثل من خلال الشائعات والأقاويل التي تصلها عبر الأصدقاء، واجتماعات زوجها مع ضيوفه التي لم تكن تثير اهتمامها في البداية، إلا أنه مع مضي الوقت وتأزم الأوضاع على مختلف الأصعدة وانتشار السرقات وفساد السلطة ثم الخوف العام من المجاعة بسبب نهب الحلفاء لكافة المحاصيل والغذاء عام 1942 وانتشار وباء التيفوئيد الذي كان مصدره كما يؤكد العامة الهنود المرتزقة في الجيش البريطاني.
باتت زاري تتصنت خلف الباب لتسمع الجدالات والنقاشات التي تدور بين زوجها وقادة القبائل والشيوعيون والمتعاونون. وتعكس شخصية يوسف الإنسان الوطني الذي عثر على مساره في الحياة، أسوة ببطل إحدى الأساطير الإيرانية «سيافوش» الذي واجه الصعاب كالنار ثم الخيانة وبعدها الغدر.
كانت زاري خلال تلك المرحلة تشغل نفسها مع صديقاتها في جمع الأعشاب وتركيب الأدوية والبحث عن الخلاص في قراءة قصائد حافظ شاعر شيراز والعودة إلى القراءات الدينية للتمسك بالأمل. وكما قتل سيافوش من قبل الغرباء، اغتيل يوسف بعد تخوف المسؤولين من نشاطاته. وبموته تتحرر زاري من حديقتها ودورها التقليدي لتتابع مسيرة زوجها وتطلعاته.
الكتاب: الأمل
تأليف: سيمين دانشور
الناشر: ميج 1990
الصفحات:320 صفحة
القطع: المتوسط
Savushun
Simin Daneshvar
Mage 1990
P.320

