مؤلف كتاب الإعجاز والإيجاز هو العلاّمة «عبد الملك بن محمد بن إسماعيل- أبو منصور الثعالبي» الذي لقب بالثعالبي لأنه كان فرّاء، يخيط جلود الثعالب، كما أنه كان يؤدب الصبيان في الكتّاب. عاش «الثعالبي» في «نيسابور» ولد سنة 350 هجرية، وتوفي سنة 430 هجرية. تاركاً أكثر من ثمانين كتاباً. ولكنه رغم ذلك عاش فقيراً يشكو العوز والجور والظلم.
وضع أبو منصور كتابة في عشرة أبواب:
يبدأ في الباب الأول بقوله: من أراد أن يعرف جوامع الكلم وينتبه على فضل الإعجاز والاختصار ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن، وليتأمل علوه على سائر الكلام، فمن ذلك وقوله عز وجل ذكره: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا» استقاموا كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلّها، وذلك لو أن إنساناً أطاع الله سبحانه مئة سنة ثم سرق حبة واحدة، يخرج بسرقتها عن حد الاستقامة.
ومن ذلك قوله عز وجل: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون«. فقد أدرج فيه ذكر إقبال كل محبوب عليهم وزوال كل مكروه عنهم ولا شيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف، لأن الحزن يتولد من مكروه ماض أو حاضر، والخوف يتولد من مكروه مستقبلاً.
فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه بل يتبرم بحياته، والحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس، كما أن السرور والأمن أقوى أسباب صحتها، فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كل محنة وبلية، والسرور والأمن موضوعان بإزاء كل صحة ونعمة هنية.
وقد قدم «الثعالبي» للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، تبين مدى الإيجاز اللغوي الذي امتلكه الرسول الكريم، ومنها:
- إياكم وخضراء الدمن- لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ـ ، المؤمنون كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضاً ـ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ـ مثل أصحابي كالملح ولا يصلح الطعام إلا به.
ثم يقدم لنا الثعالبي أقوالاً مما قاله الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم:
قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ الموت أهون ما قبله وأشد ما بعده ـ صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
يقول علي كرّم الله وجهه: قيمة كل امرئ ما يحسن ـ المرء مخبوء تحت لسانه ـ الناس أعداء ما جهلوا ـ خير أموالك ما كفاك، وخير إخوانك من واساك، ثم يقدم أبواباً عدة ليصل إلى الشعراء، فيبدأ بامرئ القيس:
فقد طوفت في الآفاق حتى
رضيت من الغنيمة بالإياب
وهكذا يقدم لنا كتاباً ساحراً في بلاغته وإيجازه علّنا نتعلم...!
