يقدم هوبير ريف في كتابة «لن أملك الوقت » مذكراته منذ سنوات طفولته وشبابه الأولى التي أمضاها في منطقة كيبك الكندية وحتى بلوغه درجة علمية سامية مشهود بها على الصعيد الدولي. ولا شك أن هذه هي المرة الأولى التي يتحدّث فيها هوبير ريف بهذه الصراحة وبـ «ضمير المتكلم» عن أسرته وعن بدايات تعلقه بالطبيعة منذ تجواله في الغابات الكندية وأيضا عن خيبات أمله ومدى تأثره بالقراءات الفلسفية وعلاقته مع أفكار عصره ومع الكنيسة.

باختصار إنه يتحدث عن كل شيء وعن الهجوم التي تقربّه أكثر فأكثر مع أولئك الذين يقرؤونه. ويشير رجل العلم هوبير ريف إلى أنه أمضى 12 سنة من حياته وهو يجمع الذكريات في منظور دفع الشباب للاهتمام بالمسائل العلمية. لكن عبر هذا المنظور يقدّم شهادته على الإنجازات التي حققها العلم خلال العقود الأخيرة من الزمن.

إن هوبير ريف يعود للحديث عن سنوات دراسته في معهد «بريبوف» وفي جامعة مدينة مونتريال الكندية. ويتوقف طويلا عند أول عمل مدفوع الأجر مارسه عندما كان طالبا. وكان ذلك العمل في إطار مؤسسة للأعمال المنجمية حيث عرف هناك صلاته الأولى مع العلم ولو كان في خدمة الكسب . وهذا ما يصفه بالقول: كان الجو المحيط ممتازا، وكنت أحس أنني غارق في بحر من العلم ومن العمل الخلاّق .

ويكرّس الأستاذ هوبير ريف العديد من صفحات هذا الكتاب لوصف أسفاره العديدة إلى مختلف مناطق العالم حيث عرف عن قرب ثقافات وحضارات أخرى. ومن الصفحات الممتعة في الكتاب تلك التي كرّسها المؤلف للقائه مع العلماء السوفييت في ظل النظام الشيوعي.

وإذا كان هوبير ريف يتحدث طويلا عن قلقه حيال التهديدات التي تعدد كنوز الحضارة الإنسانية المتكدّسة عبر العصور والتي قد تصبح مجرّد ذكريات إذا لم يغيّر البشر اليوم الطريقة التي يتعاملون فيها مع الثروات المادية والروحانية للعالم، إذا كان كذلك فإنه، بالمقابل يتحدث أحيانا مثل طفل صغير رغم اللحية البيضاء التي يتميز بها، فهو من مواليد عام 1932.

ويخبرنا أن ذلك الطفل الذي كأنه لم يكن يهتم في مطلع شبابه بالكتب فقط، ولكنه كان يحلم بالذهاب إلى نهر «سان لوران» بأمل رؤية فتيات العائلة من بنات العم وبنات الخال وهن يسبحن ، بل ويخبرنا عن إعجابه الكبير منذ أن كان فتى يانعا برجل كنيسة كان يهتم بالنباتات ويأتي لـ «قطف بعضها » من الحديقة الخلفية لمنزلهم، وربما كي يلتقي بوالدته.

كان رجل الدين قد حصل على شهادة الدكتوراه مع تقدير اللجنة الفاحصة من جامعة هارفارد. ولهذه الجامعة بالتحديد وجّه الشاب هوبير ريف طلبا للقبول عندما حصل على الشهادة الثانوية.ويؤكد هوبير ريف أنه رغم المكانة العلمية الرفيعة التي وصل إليها كعالم فلك وفيزياء، لم ينس أبدا ذلك الأب الروحي الذي فتح عيونه على العلوم وهو يتحدث عن الجراثيم والبكتيريات وهو أمام مجهر. لقد أعطاه، كما يقول، الشهية من أجل ولوج دروب العلم منذ أن كان فتى مراهقا.

إن هوبير ريف يكرر بأشكال مختلفة أنه لا يحب فقط اكتساب العلم، بل يبحث أيضاً عن سبل نقل المعرفة إلى الآخرين. وهو يريد بذلك أن يؤكد على أهمية أن يكون رجل العلم ذا نزعة إنسانية أيضا. هكذا كان قد اكتسب منذ فترة شبابه الأولى رغبة التهام الكتب التي تقع تحت يديه. وبهذه الصفة، أو على قاعدة مثل هذا الفضول، اطلع على بعض كتب علم الفلك.

يقول: لقد اكتشفت ذلك الوجود الرائع لذلك العالم الخاص بعلم الفلك وبما فيه من صور لكواكب ومجرّات. وكنت أقرأ كل صفحة مرّات عديدة كي أتحقق من أنني قد فهمت مضمونها جيدا ولكن خاصة من أجل التأكد أنني كنت حقيقة بصدد ولوج عالم حقيقي وأنه يستحق أن أوليه أكبر الانتباه وأكبر الجهود. لقد كنت أحس قليلا بما كان يعتري المكتشفون وهم يسبرون مجاهيل جزر لم يطأها أحد وكانوا على استعداد لتحمّل أكبر المصاعب من أجل اكتشاف ثرواتها».

ويروي هوبير ريف في هذا السياق أنه عرف مبكّرا القناعة «المبهمة» بأن العلوم سوف تشكل جزءا هاما من حياته. هكذا شرع في دراستها بالجامعة في مونتريال ثم حصل على الدكتوراه في «علوم الفلك النووية» من جامعة كورنيل الأميركية. وهناك فهم أن العلم يتقدم وأنه يستطيع أن يقدّم مساهمته بدلا من الانتظار في دور المتفرّج.

ويشير هوبير ريف إلى أن بعض أساتذته كانوا من العلماء الذين ساهموا في «مشروع مانهاتن» لصناعة القنبلة النووية. ثم سمح له موقعه فيما بعد كأستاذ جامعي بالتعرّف على العديد من مناطق العالم. لكنه أصرّ دائما على التجديد. يقول: «لقد رفضت بشكل قاطع الاقتراحات بتولّي مناصب ربما كان منها أن تحدّ من الزمن الضروري لتلبية رغبتي بالمعرفة».

سؤال مشروع

بعد عقود طويلة من البحث عن المعرفة، يرى هوبير ريف أنه كان محظوظا في حياته وبوجوده في وسط مشرّب بـ «الثقافة والفن والعلم ». ثم يتساءل: »لماذا أنا، ولماذا أنتم الذين تقرؤون هذه السطور؟ هل هناك إجابة ؟

المؤلف في سطور

هوبير ريف هو عالم فلك وفيزيائي. يحظى بشهرة عالمية خاصة بسبب مواقفه المطالبة بحماية البيئة وحماية الثروات النباتية والحيوانية. قدّم هوبير ريف عشرات الكتب ومن بينها: «غبار النجوم» و«آلام الأرض» و«وقائع كونية»... وقد بيعت من كتبه عشرات الألوف من النسخ.

الكتاب: لن أملك الوقت الكافي: مذكرات

تأليف: هوبير ريف

الناشر: سويل باريس 2008

الصفحات: 337 صفحة

القطع: المتوسط

Je n'aurai pas le temps: mémoires

Hubert Reeves

Seuil - Paris 2008

733.P