«عالم في مدينة»، إنها نيويورك، هذا ما يعلنه مؤلف الكتاب جوزيف بيرجر في العنوان ويقدم عليه البراهين من واقع حياة المدينة وتطورها ووفود أعداد كبيرة لها من البشر القادمين من مختلف مناطق العالم ومختلف الإثنيات ومختلف الأديان مما يجعلها بالفعل عالم في مدينة .
بهذا المعنى يرى المؤلف في نيويورك «مدينة ـ عالماً» نقرأ: عندما ترعرعت في هذه المدينة في خمسينات القرن الماضي ـ العشرين، كان عدد المجموعات الإثنية لا يبلغ سوى نصف دزينة. وكان السواد الأعظم من أبناء هذه المجموعات قادمون من القارة الأوروبية. أما اليوم فيمكنني أن أذكر ما بين 25 و30 مجموعة اثنية كبيرة لم يكن لها أي تواجد سابقاً. باختصار أصبحت نيويورك مدينة ذات تلاوين أكثر وأكثر حيوية وأكثر أهمية؛ إنها مدينة تسمح لي بالتجول في جميع أنحاء العالم بمجرد امتلاك بطاقة لركوب المترو . ويكفي أن يأخذ المسافر المترو العامل على الخط رقم 7 من مركز المدينة ويتجه نحو الشرق باتجاه حي كوين الذي يسكنه حوالي 3 ملايين نسمة، أي ما يجعل منه المدينة الرابعة في أميركا لو أنه كان مزوّداً بـ «بلدية» خاصة به. وإذا نزل المسافر في محطة جاكسون هايت فإنه سوف يصل أولاً إلى الهند الصغيرة ، حيث يظن نفسه أنه فعلاً في الهند الحقيقية .
فالمقاهي هندية والمتاجر هندية والسلع هندية وحتى الخضار والفواكه هندية. لكن ساكني هذا الحي لا يقتصرون على الهنود وإنما فيهم الكولومبي والهندوراسي، باختصار إنهم يمثلون »جميع الألوان«. أما المكان الأفضل لـ «تعارف» هؤلاء جميعهم فهو المدارس العامة . وتتم الإشارة هنا إلى أن إحدى مدارس نيويورك تضم أكثر من مئة اثنية أو جنسية مختلفة.
وعلى طريقة التحقيق الصحافي دائماً يشير المؤلف إلى أحد شوارع نيويورك حيث يوجد مطعم أفغاني يقابله على الرصيف الآخر مطعم أرجنتيني يليه مجموعة من المتاجر التي ترفع العلم الكولومبي. وهناك في نيويورك مناطق لتجمعات روسية وتجمعات هندية وتجمعات أخرى للقادمين من مناطق العالم الفقيرة كلها تقريباً.
المجموعات القديمة في مدينة نيويورك هناك ذوي الأصول اليونانية، وهؤلاء لهم مقاهيهم التي لا يزالون يتحدثون فيها اللغة اليونانية حتى ساعة متأخرة من الليل. وإذا كان هؤلاء اليونانيون يسيطرون سابقاً على الأحياء التي يعيشون فيها فإن سطوتهم قد خفّت مع قدوم أعداد جديدة من الوافدين.
ثم إن أولئك الذين حققوا من بينهم نجاحاً مادياً تركوا أماكن التجمع القديمة للذهاب إلى أحياء أكثر ثراء ورفاهية. وإذا كان لا يزال هناك عدد من المقاهي التي تحمل أسماء يونانية مثل اثينا أو أرمونيا أو زودياك فإن نسبة اليونانيين من روادها قد تضاءلت اليونانيين الحقيقيين .
ويصف المؤلف في هذا السياق كيف أن مجموعات أخرى قد اجتاحت الحي. الواقع الجديد يدل عليه بوضوح وجود »عدة مئات من الذين تعود أصولهم إلى شمال إفريقيا والشرق الأوسط قصدوا مسجد الإيمان في يوم جمعة.
ويعتبر المؤلف أن هذا المسجد هو أحد أشهر مكان العبادة بالنسبة للمسلمين في نيويورك. وينقل أنه صادف ذات مرة أحد المهاجرين المغاربة وكان قد قدم للصلاة ومعه كمية من الطعام الوطني المغربي من أجل توزيعها على الفقراء بمناسبة ولادة ابنة له.
الحي المقصود لا يملك من دلالاته على العالم العربي مسجد الإيمان فقط وإنما أيضاً عدداً من المطاعم المختصة بوجبات طعام بلدان الشرق الأوسط ومن المتاجر ووكالات السفر ومدارس تعليم قيادة السيارات ومخازن لتأمين جميع السلع والخدمات. أما المقاهي فهي عديدة ويغلب فيها تدخين النراجيل . والأحاديث المتبادلة هي غالباً في السياسة أو حول كرة القدم.
لكن أبناء بلدان شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة وقادتهم أقدارهم إلى نيويورك فليسوا هم وحدهم المسؤولين عن تغيير شخصية الجوار في منطقة استوريا . وإنما هناك أيضاً من قدموا خلال العقد الأخير أو العقدين الأخيرين من البنغاليين والصربيين والبوسنيين والأكوادوريين، ولكن أيضاً البرازيليين الذين جلبوا معهم علب الليل حيث تزدهر رقصة السامبا .
يقول المؤلف: عندما فازت البرازيل بكأس العالم لكرة القدم عام 2002 ساد في الشوارع جوّ من الحداد . لقد تدهور موقع اليونانيين في ذلك الحي، أما الآن فيسود الهندوس والعرب، هذه هي فترتهم ، كما ينقل المؤلف عن أحد محاوريه. هكذا ازدهرت المخابز وصناعة الحلويات وانتشرت شاشات التلفزة التي تعرض في المقاهي أخبار قناة الجزيرة باستمرار.
باختصار غدت منطقة استوريا ، كما يصفها المؤلف، مكان التواجد العربي الكثيف حيث لا يحس المهاجرون العرب بـ «الحنين» إلى بلدان المولد فهذه قد انتقلت بصورة مصغّرة إلى استوريا. ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات الصعود الاجتماعي والثقافي الذي عرفته شرائح كبيرة من النيويوركيين الجدد كما دلّت العملية الإحصائية في المدينة عام 2000، إذ هناك نسبة مهمة بين أبنائها ممن حصلوا على شهادات جامعية بل وعلى شهادات الدكتوراه من أشهر الجامعات.
تعايش
يقدّم جوزيف بيرجر توصيفه لمدينة نيويورك وكأنه يكتب تحقيقاً صحافياً مطوّلاً عن حالة التعايش القائمة بين الوافدين الجدد من عرب وباكستانيين وبنغاليين وهنود وبين الذين كانوا قد أقاموا في المدينة منذ سنوات طويلة.
المؤلف في سطور
جوزيف بيرجر هو صحافي عمل لمدة ربع قرن في «النيويورك تايمز». يهتم بقضايا التربية والمسائل الدينية. له ثلاثة كتب كان أولها هو الباحثون العلميون الشباب: أميركا المستقبل ثم الحياة في أميركا بعد المحرقة ، والكتاب الحالي «العالم في مدينة».
الكتاب: عالم في مدينة: نيويورك
تأليف: جوزيف بيرجر
الناشر: بالانتيان بوك نيويورك 2007
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
The world in a city travelling the globe through the neighborhoods of the New York
Joseph Berger
Ballantine Books- NewYork- 2007

