يسلط الكتاب الضوء على ملف المياه في منطقة الشرق الأوسط بناءً على دراسة جامعة لعدة معطيات تخص الموارد المائية وعدد السكان وتوقعات الاستهلاك المستقبلية، على أن السبيل الوحيد تقريباً لمواجهة الاستهلاك المتزايد من المياه في تلك المنطقة هو إعادة معالجة المياه المستعملة .
«الشرق الأوسط: شعوب وبلدان» هو كتاب عن المنطقة الممتدة من مصر إلى أفغانستان والتي تشكل ملتقى عدة قارات، وسكانها موزعون، كما يحدد المؤلفان، بين ثلاثة مجالات ثقافية: عربية وفارسية وتركية ويبلغ مجموع عدد سكانها أكثر من 370 مليون نسمة.تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثمانية فصول، تحمل العناوين التالية: تنوع الأوساط الطبيعية و ملتقى الشعوب و أشكال ترسيم الحدود وبلدان جديدة في القرن العشرين و اقتسام المياه: تحد معاصر و ثروة الهيدروكربورات و رهان الزراعة الخاسر و تفتح المدن وازدهارها وأخيراً جيوسياسة وعولمة . يقوم المؤلف أولاً بشروح مستفيضة حول جغرافية و جيوسياسة منطقة الشرق الأوسط على أساس مختلف المعايير الاثنية واللغوية، ولكن أيضاً وأساساً على قاعدة التمايزات المناخية ومستلزمات قضية توزيع المياه وتوزع مناطق تواجد مصادر الطاقة. هكذا مثلاً يتم التأكيد على الدور المهم الذي تلعبه التضاريس والجبال في بعض البلدان مثل أفغانستان واليمن.
وتتميز منطقة الشرق الأوسط، كما يتم تقديمها، بموقع استراتيجي متميز، وهي بالتالي مجال تجري المبادلات في إطاره ولكن أيضاً ممر للعبور في اتجاهات مختلفة. كذلك يتم التأكيد على أن اكتشاف النفط في المنطقة عزز من دورها ومن أهميتها على الصعيد الدولي، لكن ترتب عليه أيضاً تباينات اجتماعية كبيرة مع تباين كبير أيضاً في مجال تحقيق التنمية الاقتصادية.
وتشهد هذه المنطقة، كما يتم توصيفها، الكثير من الأزمات التي تصعب السيطرة عليها وبالتالي يمكن أن تكون شديدة الخطورة في منظور المستقبل. هذه الأزمات تواترت وزاد إيقاعها خاصة في المناطق الشاطئية لشرق البحر الأبيض المتوسط وجنوبه وحول الخليج العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب مكرّسة لتحليل المجال الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط من زاوية الصلات مع أوروبا التي كانت العلاقة معها هي باستمرار أحد المعطيات الاستراتيجية الفاعلة في المنطقة، وأيضاً من خلال دراسة الآليات التي تمّت على أساسها عمليات ترسيم الحدود.
هذا مع دراسة دور الإيديولوجيات السياسية في تحديد معالم المجال الجيوسياسي الشرق أوسطي. وفي الفصول الأربعة التالية تتم دراسة بعض ما يتم اعتباره كـ «مشكلات استراتيجية» تنطرح على أساس المجاميع الإقليمية. وفي مقدمة هذه المشكلات تلك التي تخص توزيع المياه . ويتم التأكيد بداية أن المياه توجد في صميم اهتمامات الحقبة الراهنة في المنطقة المدروسة.
ويتم التأكيد هنا على مسألتين: المسألة الأولى هي تتعلق بـ «التوزيع غير المتكافئ»، والمسألة الثانية تخص قضية «الوصول إلى مصادر المياه» والتي تترتب عليها مشكلات ذات طبيعة جيوسياسية غير محسوبة النتائج. ويتم التأكيد هنا أن هذه القضية تمثل أحد الملفات «المركزية» في سبيل الوصول إلى سلام دائم في المنطقة.
وتتمثل إحدى الخصائص الرئيسية لأغلبية مناطق الشرق الأوسط، بالمعنى الواسع للكلمة، في قلّة هطول الأمطار و»عدم انتظامها مما جعل اللجوء إلى المياه الجوفية أمراً لا مفر منه. وتشكل الأنهار الثلاثة: النيل والفرات ودجلة أوراق رابحة بالنسبة للمناطق المعنية بها، بل للمنطقة كلها، شريطة عدم تغليب الأنانية وسعي كل دولة للاحتفاظ بالحصة الأفضل لها.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الوضع في منطقة المغرب العربي حيال مشكلة المياه، ذلك أن هذه المشكلة لا تهدد بنشوب نزاعات بين الدول المتجاورة. هناك مشكلات أخرى قد تكون سبباً لنشوبها.
وفي ملف المياه هذا يتم التأكيد، بناءً على دراسة جامعة لعدة معطيات تخص الموارد المائية وعدد السكان وتوقعات الاستهلاك المستقبلية، على أن السبيل الوحيد تقريباً لمواجهة الاستهلاك المتزايد من المياه هو إعادة معالجة المياه المستعملة .
فهذا الخيار وحده قد يفتح بعض الآفاق، ويتم تكريس عدد من الصفحات لمشكلة المياه في حوض نهر الأردن . هنا تتم الإشارة إلى أن الفلسطينيين هم الذين يعانون من ضغط مشكلة المياه. والصراع هنا ليس فقط على مياه نهر الأردن وإنما على سبل الوصول إلى المياه الجوفية في الضفة الغربية.
من هنا يتم التأكيد على أن ملف المياه له أهمية قصوى في أفق الوصول إلى تسوية سلمية بالمنطقة .وفي محصلة التحليلات المقدّمة يتم التأكيد على أن رهانات داخلية أو خارجية ذات طبيعة إيديولوجية واقتصادية واستراتيجية تتداخل فيما بينها، وهي وراء أكثر من نصف قرن من الأزمات والحروب المتعاقبة.
المؤلف في سطور
جورج موتان أستاذ جامعي لمادة الجغرافيا، قام بالتدريس لسنوات عديدة في جامعة الجزائر (1968ـ 1978)، ثم في معهد الدراسات السياسية بمدينة ليون حيث كان مديراً أيضاً لهذا المعهد خلال فترة 1981ـ 1995.
يتابع أبحاثه في إطار مجموعة البحوث والدراسات حول حوض المتوسط والشرق الأوسط التابعة للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. نشر جورج موتان كتابين عن العالم العربي إلى جانب عدة أعمال أخرى هما«المياه في العالم العربي» بالاشتراك مع جان بيسون والآخر حول «جيوسياسة العالم العربي».
الكتاب: الشرق الأوسط: شعوب وبلدان
تأليف: جورج موتان
الناشر: ايلليبس باريس 2007
الصفحات: 92 صفحة
القطع: المتوسط
Le Moyen-Orient: peuples et territoires
Georges Mutin
Ellipss - Paris 2007
P.192

