من جديد تعود الروائية اليابانية ناتسو كيرينو لتطل على القراء خارج اليابان عبر ترجمة ثالث رواية لها إلى اللغة الانجليزية بعنوان «عالم واقعي» بعد روايتيها «بعيدا» و«غرائبي» وذلك فيما يبدو أنه محاولة جدية للتعريف بهذه الروائية التي يتمثل رصيدها الإبداعي حتى الآن في ست عشرة رواية وأربع مجموعات قصصية.
وتعكف حالياً على انجاز روايتها السابعة عشرة، فيما تبذل جهوداً مكثفة لإصدار الترجمة الانجليزية لثلاث من رواياتها في المستقبل القريب هي على التوالي «ما يتبقى»و«ميتابولو» و«وجنات ناعمة». ومن المؤكد أن هذا كله يثير فيضاً من الاسئلة. لماذا هذا الاهتمام بكيرينو بينما الأدب النسائي الياباني بأسره لايكاد يحظى عالمياً بالحد الأدنى من الاهتمام الذي يستحقه؟ هل يرجع ذلك إلى قدرة روايات الجريمة والغموض والرومانسية التي تكتبها على استقطاب القراء ومن ثم الناشرين في الغرب في ضوء كونها مؤلفة أعمال لا تكاد تخرج من قائمة أفضل الكتب مبيعاً في اليابان؟ ما الذي يميز روايتها هذه «عالم واقعي» عن رواياتها الأخرى.
وأخيراً ما الذي يجعل كيرينو تقفز قفزة كبرى في روايتها السابعة عشرة التي تعكف على انجازها الآن لتقدم لنا أجواء تاريخية حيث تدور أحداثها في منشوريا تحت الاحتلال الياباني؟ هل هذا استمرار لأجواء روايتها في قالب تاريخي مختلف؟ أم هو نوع من الهرب إلى الأمام؟
لاشك في أن هذه الأسئلة كلها جديرة بالوقوف أمامها وتأملها ومحاولة الإجابة عنها، ولكن ما يعنينا في المقام الأول أن نلاحظ أننا في عالم واقعي إزاء عودة من نوع آخر إلى اقتحام عالم الضواحي الياباني، الذي يبدو لنا عالماً كابوسياً حقاً وشديد التعقيد، بينما تراه المؤلفة انعكاساً مباشراً لرغبات اليابانيين أنفسهم، لا أقل ولا أكثر.
من جديد نحن في هذه الرواية أمام عودة إلى الرواية السوداء في أبعادها النسائية التي تتخذ من ضواحي طوكيو مسرحاً لأحداثها. هذه المرة نحن على موعد في ضاحية مزدحمة مع أربع فتيات في عمر المراهقة يمضين بلا مبالاة في شق طريقهن في صيف حار حافل بالمزيج المألوف في طوكيو من الضباب والدخان، الذي تصل خطورته إلى حد قيام السلطات المعنية بالبيئة بتوجيه إنذارات منه للسكان.
لكن الفتيات الأربع لا يكترثن بالتلوث الذي يتعرض له الهواء، وإنما يمضين إلى المدرسة المتداعية التي يترددن عليها في العطلة الصيفية لضمان أن يجدن لهن أماكن في جامعات متميزة، حيث نعرف أن نظام التعليم الياباني يفصل بين التخرج من المدارس الثانوية وبين الالتحاق بالجامعات، لأن هذه الخطوة الأخيرة تتم بناء على امتحانات عسيرة تعقدها الجامعات نفسها لغربلة الطلاب المتقدمين إليها.
نحن على موعد أولاً مع توشي، الفتاة التي يعتمد عليها حقاً من بين الفتيات الأربع، والتي سرعان ما تبرهن من خلال الأحداث على أنها تستحق، عن جدارة أن تحمل هذه الصفة. ومن بين الفتيات الأربع كذلك تبرز تيروتشي التي تحمل، بامتياز أيضاً، لقب الطالبة الأكثر اجتهاداً واستغراقاً في دروسها.
وهناك يوزان، الحزينة دائماً، والتي لا يفارقها حزنها الدائم على أمها التي رحلت عن عالمنا تاركة لها ما يمكنننا وصفه بالفراغ الإنساني الرهيب، والتي تحاول في الوقت نفسه أن تحجب عن صديقاتها اهتمامها الجنسي، الذي سيفسر عن إصابتنا بشعور حاد بالصدمة مع انطلاقنا في قراءة الرواية.
وتأتي في ختام رباعي فتيات الضواحي كيرارين، اللطيفة والرقيقة التي تسدل ستاراً من السرية التامة على سلوكها المستهتر وسهراتها الموغلة في الليل، والتي تنجح في أن تحجب تفاصيل هذا كله عمن يحيطون بها.
عندما يتم العثور على جار توشي وقد قتل بطريقة وحشية، فإن الفتيات الأربع يساورهن الشك في أن القاتل هو ابن القتيل، وهو طالب في المرحلة الثانوية تطلق الفتيات الأربع عليه اللقب الساخر والدال «الدودة» ولكنه عندما يهرب مصطحباً معه دراجة توشي الهوائية وهاتفها النقال، فإن الفتيات الأربع يجدن أنفسهن في مواجهة عاصفة من الاخطار، وهي أخطار لم يكن بوسعهن أن يتخيلنها، والتي تنبع من داخلهن وأيضاً من العالم المحيط بهن على السواء.
هكذا فإننا نجد أنفسنا من جديد في عالم الضواحي، وفي مواجهة جريمة وحشية، ووسط مسلسل من الغموض والإخطار في إطار نسيج نفسي متداخل وسوداوي. وتمتد أما منا لوحة بانورامية هائلة لحياة المراهقين في اليابان تتحدى كل الأفكار المسبقة التي قد تكون لدينا عن يابان اليوم ومشكلاتها وما يواجهه شبابها.
ومن المؤكد أن الرواية بوضعيتها هذه تكاد تقدم لنا لغزاً مغلقاً، يستعصي على الحل، ويتحدى الجهود التي تبذل في هذا الإطار، فمن الذي قتل الجار العتيد؟ وما علاقة الفتيات الأربع بالجريمة؟ وكيف سيواجهن الاخطار التي تتربص بهن؟
إن مسلسل الأسئلة هذا يمتد بلا انتهاء تقريباً، بل أنه يفتح شرفة عريضة على الروايات التي ستقدمها دور النشر الأميركية قريباً من إبداع الكاتبة. في رواية «وجنتان رقيقتان» يدور اللغز الذي يستند إليه العمل بأسره حول جريمة اختطاف طفل وسط ملابسات شديدة التعقيد، ومن دون أن يبدو في الأفق أي مفتاح لإمكانية هل هذا اللغز أيضاً.
أما رواية «ما يتبقى» فإنها على الرغم من اتخاذها من جريمة خطف أيضاً محوراً لها، فإنها تحفل بالظلال العاطفية الحارة والملتبسة في آن،و تقوم بنية السرد على تداخل مدهش، ففي جانب لدينا المؤلفة وهي تحكي في الزمن المضارع متأملة في الماضي عندما تعرضت للخطف لمدة عام على يد شاب قال لها إنه يريد أن يكون صديقها، ومن ناحية أخرى على وقائع ذلك الماضي بكل أهواله.
أيا كان الأمر، فإن من المؤكد أن «عالم واقعي» تخاطب بنجاح من يحبون هذا اللون من أدب الغموض والجريمة والإثارة، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال للسؤال الكبير: لماذا نجد في الغرب هذا الاندفاع لترجمة مسلسل روايات كيرينو بهذه السرعة الفائقة بينما تظل أعمال روائية عظيمة مثل فوميكو هاياشي التي تقول كيرينو إنها قد تأثرت بها غارقة في ظلال التجهيل؟
إنذار
إنني أضيف خطوطاً بقلم التجميل إلى حاجبي، فيما تنطلق صفارة الإنذار من الضباب والدخان الممتزجين. وهذا أمر يحدث كل يوم منذ بدء عطلة الصيف، لذا فإنه ليس بالأمر المفاجئ. يعلوا هذا الصوت النسائي متطاولاً عبر مكبرات الصوت: هل لي في أن أحظى بانتباهكم! لقد تم منذ قليل إصدار إنذار من حدوث تلوث في الهواء وتتعالى صفارة الإنذار كأنها أنين يتعالى من ديناصور عجوز .
الكتاب: عالم واقعي
تأليف: ناتسو كيرينو
الناشر: نوف ـ نيويورك 2008
صفحات: 196 صفحة
القطع: المتوسط
Real World
Natsuo Kirino
Knoph, N.Y., 2008
691.P

