حرصت مجلة «جابان ريفيو» الثقافية المتخصصة على إجراء هذه المقابلة مع الروائية اليابانية ناتسو كيرينو فور صدور الترجمة الانجليزية لروايتها «عالم واقعي» التي تعد إحدى أكثر رواياتها الست عشرة التي أنجزتها حتى الآن بروزاً، حيث ألقت الضوء على المحاولات التي تبذل لتصنيف أعمالها والتي تتراوح بين اتجاهين متعارضين تماما، هما الرومانسية والجريمةوفيما يلي نص المقابلة:

كيف تقدمين نفسك للقراء خارج اليابان؟ ما الذي يشكل حافزاً بالنسبة لك يدفعك إلى الكتابة؟

إنني أنتمي إلى نوعية الناس التي تريد على الدوام أن تكون صريحة في التعامل مع المشاعر وطريقة الحياة والإرادة، ولأنني إنسانة لا تفتقر إلى التعقيد، فليس بمقدوري العمل أو العيش بخلاف ذلك بأي طريقة صحيحة. أما عن تصنيف أعمالي فإنني أعتقد أنها تتحدى أي محاولة لتصنيفها من جانب النقاد ووضعها في قالب بعينه.

وقد كانت أول إطلالة لي كمؤلفة هي باعتباري كاتبة لروايات الغموض، ولكنني لا أحب روايات الغموض إلى هذا الحد، ودافعي الرئيسي للكتابة هو رصد نسيج العلاقات الإنسانية، ففي بعض الأحيان تكون الخطوط التي تربط الناس قوية، أو متداخلة، أو ضعيفة أو ملتوية. أليس هذا هو جوهر سرد الروايات؟

الكثير من رواياتك تركز على الجريمة والنساء. لماذا الجريمة؟

أعمالي لا تدور دائما حول الجريمة. وأنا غالباً ما أقرأ أشياء مثل تقارير الصفحة الثالثة في الصحف التي غالباً ما تدور حول الجرائم المحلية، ويساورني الشعور بأنني ألقي نظرة سريعة على حياة شخص ما. وانطلاقاً من ذلك أتساءل عما حدث، وغالباً ما يبدأ خيالي في التوسع من هذا المنطلق. وإنه لغز حقيقي فيما يتعلق بالطبيعة الإنسانية ذلك الذي يدور حول ما يربط شخصاً لا تربطه صلات بالجريمة بآخر مرتبط بها.

وإذا كان القانون يفرض الانضباط على مشاعرنا فإن وظيفة الرواية هي أن تلتقط كل تلك العناصر التي تتسرب من النظام. وأنا لا أعتقد أنني أقدم قصصاً تدور بصفة حصرية حول المجرمات. غير أن كون مخلوقاً ما امرأة في المجتمع الياباني هو وجود بلا هوية. ولست أعتقد أنه شيء جيد أن النساء يعشن في اليابان في بيئة تجعلهن بلا اسم وعرضة للاهتمام.

العديد من كتبك تقدم النساء التي تواجه المشاكل . لماذا تكتبين عن النساء؟

إنني أحس بأن المجتمع الياباني يستغل نساء بلا حول ولا قوة. ويمكنك القول إن المرأة اليابانية إذا لم تكن حريصة فإنها ستتعرض للاستغلال. وهكذا فإن الوضع بالنسبة للنساء خطير ما لم يكن من الذكاء بحيث يقمن بحماية أنفسهن. ولأن الوضع كان هكذا منذ كانت شابات اليوم في مرحلة الطفولة فإنهن على قدر كبير من الحساسية حيال ما يجري.

لماذا تعتقدين أن روايات الجريمة والغموض تخاطب الجمهور؟ هل هذا شيء متعلق بالاهتمام بالتجربة التي يخوضها الآخرون نيابة عن المرء؟

هناك طلب على هذه النوعية من التجارب والحاجة إلى رؤية شيء مخيف يحدث، وهو شيء مماثل للاهتمام في اليابان اليوم بمحطات التلفزيون التي تقدم مواد مماثلة لمواد صحف التابلويد الشعبية. وهذا ليس بالأمر السيئ. ومن هنا فإن ندرة الخيال تأخذ في التعمق، وعندئذ يغدو هذا شيئاً جيداً، حسب تصوري.

تبدو لنا طوكيو من خلال أعمالك متجهمة وخالية من البهجة. هل اليابان بلد بلا مستقبل؟

لست أعتقد أن الوضع في اليابان يدعو لليأس، بل الأمر على العكس، فالضواحي مثيرة للاهتمام من حيث إن الرغبات الإنسانية شفافة وتحظى بالأولوية. وفي حالة الضاحية التي تقع فيها أحداث روايتي «بعيداً» فإن الدور الصغيرة الممتدة في صف واحد هي نتاج لرغبة الناس، ويمكن النظر إليها على أنها يابانية خالصة تماماً.

ما الذي يؤثر في أعمالك؟ هل هو الأدب الياباني أم الغربي وهل تقرأين لكتاب الغموض والألغاز؟

عندما كنت صبية صغيرة، قرأت المجلات بلا تمييز بينها، وقرأت الكثير من الروايات والقصص الموجهة للأطفال والفتية، وغالباً ما قرأت أعمالاً من نوعية «ضائع في المحيط الهادي» و«الفرسان الثلاثة» و«النسوة الصغيرات». وأعتقد أن تلك الأعمال قد أثرت في الطريقة التي أسرد بها قصصي. ولست أحب روايات الغموض كثيراً حقاً، ولذا فإنني لم أقرأ الكثير منها مؤخراً. ما الذي تعتقدين أنه يتطلب القراءة في الرواية والأدب اليابانيين؟

أعتقد أن روايات فوميكو هاياشي تجسد حقاً شعوراً بحرية الروح وبهجة العيش.

ما الذي تنظرين إليه على أنه خطاياك؟

لدي خطايا غير محدودة، ومنها الكسل والإهدار والانفعال الزائد عن الحد، وأنا أعتزم إصلاح هذه الأمور، ولكن لدي شعوراً بأنني إذا أصلحتها، فإن روايتي ستموت عندئذ، ولذا فإنني أتركها على ما هي عليه.

ما الذي يجلب إليك الفرحة؟

إنني أستمتع بالقراءة ومشاهدة وتذوق الأعمال الإبداعية التي يقدمها الآخرون. كما أنني أستمتع بالوقت الذي أمضيه في التعامل مع الأفكار المتعلقة بأي رواية أعكف على كتابتها. وفي الوقت الحالي فإنني أعكف على تأليف عمل لا ينشر مسلسلاً، وعنوانه المؤقت هو «الفردوس» أو «أودور اكودو» باليابانية وهو الشعار الياباني لمنشوريا تحت الاحتلال وأحداثه تقع في ما نشوكو، وقد أنهيت لتوي رحلة بحثية قمت بها إلى هناك وأنا في مرحلة معالجة كل موادي المتعلقة بهذه الرواية التي تستكشف آفاق الحياة في منشوريا في تلك المرحلة التاريخية.

المؤلفة في سطور

* ولدت الروائية اليابانية ناتسو كيرينو، التي غالباً ما يطلق عليها لقب «ملكة روايات الجريمة اليابانية» في عام 1951، وحصلت على درجة علمية في الحقوق من جامعة سايكي، وبدأت كتابة أعمال موجهة للشباب والفتية في حوالي عام 1985 من دون أن تحترف هذا العمل كلية وذلك على امتداد ثماني سنوات، غير أنها ما لبثت أن حظيت بتقدير النقاد والقراء على السواء مما دفعها إلى احتراف الكتابة الإبداعية.

* قدمت حتى الآن ست عشرة رواية وأربع مجموعات قصصية واقتبس العديد من أعمالها للشاشتين الكبيرة والصغيرة وترجمت ثلاث روايات من أعمالها إلى الانجليزية، وهي على التوالي « بعيدا» و «العجائبي» و «عالم واقعي» وتجرى حالياً ترجمة ثلاث روايات أخرى لها تمهيداً لنشرها في الولايات المتحدة.

* فازت بالعديد من الجوائز وألوان التكريم ابتداء من حصولها في عام 1993 على جائزة إيدو جاوا رانبو عن روايتها « وجه يبلله المطر» وصولا إلى حصولها في عام 1998 على جائزة رابطة كتاب روايات الغموض عن روايتها «بعيداً » ومن ثم فوزها بجائزة اوكي الرفيعة في دورتها الحادية والعشرين بعد المئة عن روايتها «وجنتان رقيقتان» في عام 1999.

* تعكف حالياً على انجاز روايتها السابعة عشرة بعنوان « الفردوس » والتي تدور أحداثها حول منشوريا تحت الاحتلال الياباني في القرن الماضي.

منى مدكور