الخيط الذي ميّز الثقافة العربية في فلسطين، هو ذلك القلق والارتباك الذي ارتفع منسوبه، مع الإخفاقات والنكسات، في التصدي للاستيطان اليهودي يقدم سعيد مضيه في كتابة «رواد التنوير في فلسطين» تناولاً تاريخياً للثقافة الفلسطينية، من خلال قراءة أعمال رواد التنوير فيها، معتبراً أن السمة المميزة للثقافة الوطنية الفلسطينية تتجسد في أنها ولدت وترعرعت عبر الجهود التنويرية.

وفي سياق النضال ضد الغزو الاستيطاني الصهيوني، ذي الأهداف الاقتلاعية والمندمج عضوياً في الانتداب البريطاني. وينهض الكتاب على دراسات في أعمال محمد روحي الخالدي وبندل الجوزي وخليل السكاكيني ونجيب نصار وخليل بيدس ونجيب عازوري وتوفيق كنعان وإسعاف النشاشيبي وكلثوم عودة. وخاضت الثقافة الفلسطينية، خلال الصراع المحتدم منذ بدايات القرن العشرين، وكثقافة تجسد الهوية المهددة بالاقتلاع، النضال ضدّ السقم الذاتي، المجسد في التخلف الاجتماعي للمجتمع المحلي واستلاب جمهور الفلاحين الواسع وعفوية الممارسة. كما تاهت بين فهم للصهيونية كحركة يهودية مضمونها الزيف، أو كشر أزلي يقتضي تطهير البشرية منه.

بالمقابل، ركزت الثقافة المناهضة للصهيونية، لدى المنورين الفلسطينيين، وقطاع من المثقفين العرب، على التحذير من خطورة الاستيطان اليهودي، والتنديد به. لكن أحداً لم يطرح سبل جسر الهوة الواسعة بين إمكانات المستوطنين اليهود، والوضع المزري للفلاحين الفلسطينيين. وجرى إغفال عوامل الضعف الذاتية، وكذلك سبل التغلغل في النفسية الاجتماعية، والتعرف عليها، من أجل توجيهها ومساعدتها على التغيير.

ويحدد المؤلف ثلاث أدوات اعتمدها المنوّرون لنشر رسالتهم التنويرية، وهي الحث على افتتاح المدارس، أو المبادرة بإنشائها، وإصدار الصحف والمجلات ونشر الكتب، واستحضار الأدب والثقافة القومية والاعتناء بفنون القصة والشعر والرواية والنقد الأدبي.

غير أن الخيط الذي ميّز الثقافة العربية في فلسطين، هو ذلك القلق والارتباك الذي ارتفع منسوبه، مع الإخفاقات والنكسات، في التصدي للاستيطان اليهودي في فلسطين. وأخذَ هذا المنحنى طابع الندب في بعض الأحيان، والانفعالية في أكثر الأحايين، الأمر الذي أفقده الرؤية الموضوعية والواقعية السياسية، لكن الثقافة الفلسطينية استمرت كثقافة مقاومة، ولم تنجح في الانتقال إلى ثقافة تحرّير.

ويرفض المؤلف القول بعقم الجهود التنويرية، لأنها حركت الجليد الدهري، دون أن تبعث الحيويّة في العروق المتجمّدة. وجاء الانتداب الكولونيالي على فلسطين، ليعزز مكامن التخلف في الحياة العربية، السياسية والاقتصادية والثقافية في فلسطين، إذ ألبس التخلف حلة عصرية.

لكن تتالي النكسات في الصراع مع الغزوة الصهيونية، قد ولد حالة اهتياج انفعالية مناقضة للعقلانية، تتعطل لدى الجماهير ملكة التفكّير السليم، وتتركها تنقاد، مسلوبة الإرادة مشحونة بغريزة الانتقام وثقافة الضدّ. وبصفتها هذه تفشل في السيطرة على واقعها، وتُضيّع مستقبلها.

ويتضح من قراءة أعمال رواد التنوير في فلسطين أنهم لم يكتفوا بمقاومة المشروع الصهيوني على الصعد السياسية والمقاومة، بل أدركوا الامتداد الحضاري والثقافي للمعركة التي رأوا بأنها ستكون طويلة الأمد.

لذلك كانوا رواداً في ميادين الثقافة والتربية والتعليم، وبشكل علمي، حيث آمنوا بأهمية فتح المدارس وتعميم الثقافة الوطنية، ووضع البرامج والمناهج التربوية المستمدة من الواقع العربي ومن ظروفه وتطلعاته، وكوّنوا رؤية متكاملة تدمج المدرسة بإشكالية التحرر الإنساني.

وباتت مسلمة أن وظيفة العملية التربوية في شتى المجتمعات والعصور تتمثل في تعزيز العلاقات الاجتماعية القائمة وتطبيع الأجيال عليها، وتدعيمها وتوطيد قيمها. وكانت فلسفة التنوير لديهم فلسفته إنسانية، نظرا لانطلاقها من ضرورة تحرير إرادة الإنسان، وأساس ذلك مكافحة الاستبداد المفروض من قبل أنظمة القهر.

كما كانت فلسفة ديمقراطية، لأنها كانت تعتمد على الحوار في توعية المقهورين من خلال التعليم، وتشدد على ضرورة مساهمتهم في صنع القرار، وهي أيضاً فلسفة التغيير التقدمي، تفعل في الواقع لتحركه وتغير بنيته الاجتماعية.

المؤلف في سطور

سعيد مضية هو كاتب وناقد فلسطيني مهتم بقضايا الثقافة الفلسطينية سعيد مضيه، وسبق له أن أصدر بعض المؤلفات في هذا المجال منها: الثقافة الفلسطينية والممارسات الصهيونية 1983 و ثقافتنا ومهمات المرحلة، 1997 ، و الثقافة العربية في فلسطين الحرث والحرت، 2002 .

عمر كوش

الكتاب: رواد التنوير في فلسطين

تأليف: سعيد مضيه

الناشر: الانتشار العربي بيروت 2008

الصفحات: 333 صفحة

القطع: المتوسط