اصدرت مكتبة الإسكندرية مؤخرا كتابا بعنوان: «المخطوطات الموقّعة»، والذي يتضمن 21 بحثا علميا لنخبة من الباحثين العرب والأجانب، الذين تناولوا بالدراسة أربعة محاور، هي: مفهوم المخطوطة الموقّعة، ودراسات في الموقّعات، وتوقيعات مشاهير المؤلفين، وأخيرا المجموعات الموقّعة.
قدّم للكتاب الدكتور إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، حيث أكد أن مركز المخطوطات التابع للمكتبة قطع خطوات هامة على طريق تأسيس الوعي العميق بتراث الأمة، مشيرا إلى أن الخطوات المتجهة إلى الوعي بتراثنا المخطوط، هي تمثيل صادق لروح مكتبة الإسكندرية.
وأضاف: ان المكتبة في جوهرها، هي عملية إحياء لحلم إنساني بديع، صاغته باقتدار المكتبة القديمة، فكان معهدها العلمي وعلماؤها وأمناء مكتبتها لحظة مجيدة في تاريخ الإنسانية، لذا انتُقشت مكتبة الإسكندرية في وجدان الإنسانية وظلت حتى بعد قرون من اندثارها ملهمة للمفكرين والمبدعين والعلماء في كل مكان وزمان .
وأكد الدكتور سراج الدين أن المخطوط العربي يمثل شهادة بقاء وامتداد في الزمان وسجل حضارة يتم السعي لإحيائها وفهمها بعمق، من خلال جهود معرفية يقوم بها مركز المخطوطات بالمكتبة. من جانبه، قام الدكتور يوسف زيدان، مدير مركز ومتحف المخطوطات، بتوضيح المقصود بمفهوم المخطوطات الموقّعة كما جاءت في الكتاب، وهي تلك التي تحمل بصمة واحدة أو أكثر من مشاهير التراث العربي، حيث يكون التوقيع للمؤلف أو لغيره من تلامذته الأعلام أو أعلام الأساتذة اللاحقين.
وأضاف أن توقيع المؤلف يأتي عادة على نوعين: الأول أن يكون المؤلف هو الناسخ، وذلك في حالة نسخه مخطوطته بخط يده، كما في مخطوطة الفتوحات أو مخطوطة المقريزي، أما النوع الثاني فهو أن يكون المؤلف قد وقّع على نسخة من مخطوطته ليجيزها أو يجيز روايتها أو يشهد بصحتها، مثلما هو الحال في مخطوطة ابن الصلاح المحفوظة بمجموعة بلدية الإسكندرية.
ونوّه الدكتور زيدان بأنه ليس كل ما يخطّه الأعلام من الرجال يعد توقيعا بالمعنى الاصطلاحي المقصود في الكتاب، إذ لا يدخل في حدود هذا المصطلح ما يعرف في الفنون الإسلامية باسم الطغراء التي تفنن في رسمها العثمانيون، خاصة سلاطينهم، لافتا إلى أن العبرة من (التوقيع) تكمن فيما هو موّقع عليه، وليس في التوقيع ذاته منفردا.
وألمح زيدان إلى أن توقيعات العلماء تضيف أهمية خاصة على المخطوطات، سواء كان هذا (التوقيع) هو خط المؤلف وتدوينه لكتابه، أو كان إجازة أو تعليقا كتبه عالم لاحق على هوامش نسخة خطّية من مؤلفات غيره، حيث إن التوقيع في هاتين الحالتين هو شهادة لهذه المخطوطة أو تلك بالصحة، أو أنها على الأقل أصحّ من بقية نسخ هذا الكتاب أو ذاك، بما في ذلك النسخ المقابلة أو المصححة. ومن ثمّ، تكون المخطوطة الموقّعة هي الفيصل عند اختلاف القراءات وتفاوت النسخ الخطية من الكتاب.
ولفت الدكتور زيدان إلى أن الموقّعات بالغة الأهمية في الدلالة على ثقافة الموقعين من أعلام التراث العربي والإسلامي، فهي تكشف عن المكونات المعرفية لهذا العالم أو ذاك وتساعد في تتبع مسيرته العلمية، مضيفا ان أهمية المخطوطات الموقّعات لا تقتصر على دورها الحيوي في التعرف إلى الأعلام الموقعين، وإنما تتعدى هذه الأهمية إلى الفصل في المتشابهات والملتبسات في النصوص القديمة، بل وفي تحرير أسماء العلماء ذاتهم.
من جانب آخر، ركّز المحور الثاني من كتاب «المخطوطات الموقّعة» على دراسة الموقّعات، من خلال أبحاث لعدد من كبار العلماء العرب والأجانب، هم: الدكتور رشدي راشد، والدكتور عبد اللطيف الجيلاني، ود.جنفييف أمبير، والدكتور محمد كامل جاد، والدكتور أحمد شوقي بنبين، والدكتور فوزي تادرس، وأخيرا الدكتور عبد الحكيم الأنيس.
بينما تناول المحور الثالث توقيعات مشاهير المؤلفين.حيث جاء بحث الدكتور أيمن فؤاد سيد بعنوان: «خطوط المقريزي»، والدكتور رمضان ششن عن توقيعات أثير الدين الأبهري وشمس الدين السمرقندي، ود.ظمياء السامرائي عن توقيعات الألوسي، في حين جاء بحث الدكتور عبد الإله نبهان بعنوان: غوامض الصحاح (بخط المؤلف) ، بالإضافة إلى غيرها من الدراسات في هذا المجال.
واختتم الكتاب بعدد من الأبحاث التي تقع في إطار المحور الرابع، وهو: المجموعات الموقّعة . فقد كتب الدكتور حسين آتاي بحثا عن الإجازات العلمية في مدارس الدولة العثمانية العلية، كما كتب الدكتور عبد الواحد ذنون طه حول الإجازات العلمية الموقّعة، بينما تناولت الدكتورة ناهضة مطر المياح بالدراسة خطوط المؤلفين في خزانة المجمع العلمي العراقي، كما كتب الدكتور عبد الستار الحلوجي عن المخطوطات الموقّعة بمكتبة الأوقاف بالقاهرة.
طقوس الكتابة
أن أحد وجوه الأهمية والنفاسة في المخطوطات الموقّعة أنها تتيح قراءة شخصية العالم الموقّع، وتؤكد ما يروونه عنه من أخبار أو تنفيها، ولهذا مثال من موقّعات ابن النفيس، والذي قيل عنه أنه كان إذا أراد التأليف توضع له الأقلام مبرية ويولي وجه للحائط ويكتب على الأوراق مثل السيل إذا انحدر، فإذا كلّ القلم أو حفي رمى به وأخذ غيره لئلا يضيع منه الوقت في بري القلم ، وهذا الخبر الغريب تؤكده موقّعات ابن النفيس أو مؤلفاته التي كتبها بخط يده.
خالد عزب
الكتاب: المخطوطات الموقعة أعمال المؤتمر الدولي الثاني
إعداد وتحرير: يوسف زيدان
الناشر: مكتبة الإسكندرية 2008
الصفحات: 382 صفحة
القطع: الكبير
