في فيلم «وداعاً بونابرت» إخراج يوسف شاهين، 1994، ثمة مشهد مستقى في جوهره من التاريخ الموثّق، وهو مشهد بونابرت يخطب في قواته أمام الأهرامات قائلاً لها «إن أربعين قرناً من التاريخ تتأملنا من أعلى هذه الأهرامات»

يبدأ الناقد ابراهيم العريس في كتابة « السينما التاريخ والعالم » بتعريف السينما التاريخية، فهي بالتحديد مجموع الشرائط التي تعيد إلى الشاشة الكبيرة أحداثاً وقعت في الماضي، القريب أو البعيد، سواء استخدمت في ذلك مجموعات من الشرائط الوثائقية التي سجلت الحدث بالفعل أم بنت ديكورات وأتت بممثلين أوقفتهم أمام الكاميرا ليلعبوا أدوار شخصيات تاريخية.

وحسبنا أن نذكر أن العالم 2005 وحده شهد عرض شرائط عديدة تتصدى للتاريخ: من تاريخ طروادة إلى سيرة الإسكندر، إلى حكاية الملك آرثر، إلى الحروب الصليبية حتى ندرك كم يلقى هذا النوع من الإقبال... فهل علينا أن نتساءل عما إذا كان هناك اهتمام كبير بتاريخ الدين، هو ما وقف وراء النجاح الأسطوري الذي حققه فيلم «آلام المسيح، لميل غيبسون»؟ وهل ننطلق من هنا لنتساءل عمّا يجعل الجمهور العريض مهتماً كل هذا الاهتمام بمعرفة ما حدث في التاريخ« عن طريق السينما؟

من الصعب إدراك كل الأسباب التي تشدّ المتفرج إلى صالة السينما لمشاهدة فيلم تاريخي، ولكن يمكن اختصار بعض الدوافع في ثلاثة: 1- الفضول. 2- الرغبة في الهرب من الحاضر. 3- استخلاص دروس التاريخ التي يمكن أن يحملها الفيلم بطياته.

إن علم اجتماع السينما تصّدى كثيراً لدراسة كل دافع من هذه الدوافع، دون أن يغرب عن بالها الواقع الجمالي البحت، طالما أنّ الفيلم التاريخي، يكون عادة استعراضياً، حافلاً بالألوان والأحداث والشخصيات، عابقاً بالأزياء والإكسسوارات، بحيث يمكن لكل مشهد أن يساوي ألف لوحة تشكيلية.

وهذا البعد الجمالي، أدركته السينما منذ بداياتها، إذ يذكر لنا تاريخ السينما أن توماس أديسون قام في العام 1894، (قبل عامين من الولادة الرسمية لفن السينما)، بتحقيق فيلم رسوم متحركة حول إعدام «ماري ستيوارت» ملكة اسكتلندا، وعرضه في آلة سحرية كان قد اخترعها، ولا بدّ من القول إنّ شريط أديسون كان الرحم الشرعي الذي ولدت منه السينما التاريخية ككل.

ومنذ ذلك الحين، بدءاً من الأخوين «لومبير» إلى «جورج ميلياس» وصولاً إلى المخرج العربي «يوسف شاهين» وتلميذه «يسري نصر الله» لم يتوقف فن السينما عن سبر أغوار التاريخ، سواء أكان تاريخ الأمم والأحداث الكبرى أم تاريخ الأفراد الكبار أو العاديين... وصولاً إلى تاريخ الذات، وهذا يفتح الباب على سؤال إضافي: هل يمكن اعتماد كل هذه الشرائط كوثائق يكتب تاريخ ما على أساسها.

يفتح هذا السؤال سجلاً طويلاً لم يتوقف الباحثون عن خوضه، هذه الأفلام لا يمكنها أن تكون محايدة، وحين يصوّر مشهد ما كما كان التاريخ قد وثقه كتابة ـ فإن السينما تمارس تدخلاً لا يمكن أن يكون بريئاً، كما في المشهد التالي:

في فيلم «وداعاً بونابرت» إخراج يوسف شاهين، 1994، ثمة مشهد مستقى في جوهره من التاريخ الموثّق، وهو مشهد بونابرت يخطب في قواته أمام الأهرامات قائلاً لها إن أربعين قرناً من التاريخ تتأملنا من أعلى هذه الأهرامات . الصورة أمينة، لكن الكاميرا تنتقل إلى العالم كافاريللي ليقول ها هو الأحمق يقع في الفخ . فكافاريللي لم يقل هذه الجملة إطلاقاً، بل إن شاهين وضعها في الفيلم لينتقل من حيّز التاريخ إلى حيّز الإيديولوجيا.

إن مؤرخي السينما قسموا تعامل الفن السابع مع التاريخ إلى ثلاثة أقسام: 1- التاريخ الجمالي. 2- التاريخ البراغماتي. 3- التاريخ النقدي. غير أنّ التاريخ النقدي (أو الإيديولوجي) ظهر مع ولادة فن التوليف الفكري الحقيقي مع المخرج «سرغاي أيز نشتاين» ولسوف يكون فيلم «الدارعة بوتمكين» 1925، واحداً من أوّل وأعظم الأفلام التي أعطت الصورة معناها هذا.

إنّ أيز نشتاين حول التاريخ إلى درس سياسي يخدم أفكاره الاشتراكية في ذلك الحين. إنّ خارطة الإنتاج السينمائي العالمي طوال قرن وأكثر، عرفت السينما كيف تقول أحداث التاريخ كلّها ومرات لامتناهية بالنسبة لكل ما حدث.

فمن فيلم أميركي عنوانه «مليون سنة قبل المسيح» إلى «حروب النار» إلى كل ذلك، الرهط من الأفلام عن الإمبراطورية الرومانية وشعوب سهوب آسيا والحروب الصليبية وثورة كرومويل وعصر النهضة وأيام الفراعنة والحروب الدينية ثم القومية ثم الأهلية ثم العالمية، وصولاً إلى تدخلات نهاية القرن العشرين العسكرية، فغزوات نابليون والثورات الفرنسية والروسية، عرفت السينما كيف تؤرخ للبشرية، وكيف تضع متفرجيها على تماس مباشر مع كل حدث سمع به الإنسان تقريباً.

وفي هذا الإطار كان للسينما التاريخية أبطالها المفضلون، من هرقل إلى نابليون، ومن جان دارك إلى توماس بيكيت، ومن نيرون إلى سبارتكوس، وصولاً إلى هتلر وستالين وابراهام لنكولن ولينين، وقد نضيف مدام دي بومبادور وليونادر دافنشي وفان جوخ وسقراط وانبادوقلس وتشارلز لندبرغ.

ومن المفيد ذكر أهم الأفلام التي أثبتت دائماً فعاليتها ومكانتها، من كابيريا إلى تعصب إلى أكتوبر و حروب النار و نابليون ، آبيل غانس و جان دارك ، دراير وحتى انتصار الإرادة للألمانية النازية الراحلة ليني ريفشتهال و الديكتاتور لشابلن و سقوط الإمبراطورية الرومانية لأنطوني مان، و ذهب مع الريح لفكتور فلمنغ و دانتون للبولندي فاجدا... وصولاً إلى المهاجر و المصير و الناصر صلاح الدين ليوسف شاهين، و عنتر وعبلة لصلاح أبو سيف، أضف إلى ذلك الرسالة و عمر المختار لمصطفى العقاد.

ترى أفليس في إمكاننا أن نقول انطلاقاً من هذا أن السينما تكاد تكون اليوم الوعاء الأكثر حضوراً في احتوائه تاريخ البشرية، من الصعب اعتماد السينما كوسيط صادق ونزيه في رواية التاريخ، ولكن هل في إمكاننا أن نعتبر كتب التاريخ نفسها، السلف الحقيقي للسينما التاريخية كمصدر صادق ونهائي لرواية التاريخ.

إن التاريخ يكتبه المنتصرون، وأصحاب المصلحة في كتابته، كما يلائم مصلحتهم، إن آلاف الأفلام السينمائية التاريخية التي حققت منذ 1894 وحتى العام 2007، إنها تقول تاريخها الخاص، تاريخ صانعيها، ويقيناً أنّ يوسف شاهين حين يجعل العالم كافاريللي على ذلك النحو في عبارة نابليون الخالدة إنما يعبر عن يوسف شاهين نفسه، وعن رأيه في نابليون وفي حملة نابليون على مصر، وفي هذا كلّه غش لذيذ ما بعده غش.

إنّ شاهين كان يعرف ما الذي سيحدث خلال الزمن اللاحق، وكان يعرف أن الجمهور سوف يضحك معه على بونابرت إذ وقع في الفخ. إنها مباراة بين شاهين وبونابرت غير متكافئة على الإطلاق.

المؤلف في سطور

إبراهيم العريس كاتب ومؤرخ لبناني يهتم بقضايا السينما من كتبه الحلم المعلّق: سينما مارون بغدادي، 1994، دار النهار ، رحلة في السينما العربية 1989، دار الفارابي، الصورة والواقع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

فيصل خرتش

الكتاب : السينما التاريخ والعالم

تأليف: إبراهيم العريس

الناشر: وزارة الثقافة دمشق 2008

الصفحات : 288 صفحة

القطع: الكبير