عندما تتلبسك حالة العشق المختلفة عن كل الحالات التي عرفها التاريخ تبدو كمن يسير عكس التيار إلا في بعض أوقات يشعر الذي أمامك أن هذا العشق بديهي ولا يدخل في إطار «التابو». ضمن سلسلة منشورات تراثنا التي تطلقها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دولة الإمارات العربية المتحدة والساعية إلى إحياء الموروث الإماراتي الفكري والثقافي وتوثيقه والحفاظ عليه، نتوقف عند محطة جمالية شغلت ولا تزال الإنسان على مر العصور، فكرس لها جل إبداعاته ووظف في سبيل إتقان تفاصيلها الساحرة طاقة العقل كلها ومهارة المحترف دون نقصان.

لم لا والمسألة تتعلق بحسن ليس أجمل الخلق فحسب، وإنما بفتنة جنسه الناعم اللطيف، الشق الثاني أو بالأحرى الأول من معادلة شطري الإنسان الجميلة الضامنة لاستمرارية نسله وبقائه مفعما بالحياة والمقدرة على التجدد على وجه الأرض. كتاب «زينة وأزياء المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة» باكورة أعمال الباحثة الإماراتية شيخة محمد الجابري ليس ككل الكتب المنتشرة في سائر الأرجاء، فهو مؤلف عن المرأة مخطوط بريشة المرأة نفسها. وهذا بحد ذاته يشكل قيمة فكرية وجمالية ذات مذاق خاص، إذا أحذت في الاعتبار تلك المحاولات الكثيرة الفاشلة التي تحاول مصادرة هذه الريشة أو الحد من حويتها ورشاقة أنامل مستخدماتها أو حتى الحلول محلها والتكلم بصوتها.

كرست مؤلفة هذا الكتاب، الذي يحمل عنوانا فرعيا هو: زينة الجسد، فلسفة الجمال لدى نساء الإمارات جلد سنوات من العمل البحثي المضني والقراءات المستفيضة وتدقيق المعطيات حتى يستوي هذا الكتاب ويرى النور مشرقا كما هو شكلا ومضمونا.

وكي لا نغوص في احتمالات التأويل والتفسير نرتأي إعطاء الكلمة للكاتبة نفسها حتى تضعنا عند اقرب نقطة ممكنة من حدود تعريف ماهية مؤلفها البديع هذا حيث تقول مقدمته: هو عمل ميداني وتفصيلي يحمل طهر الماضي ورائحة الجدات والسنين العبقات بعطر الياسمين والياس والبضاعة والحناء والكحل الذي جعل من عيون الجميلات أروع قصيدة شعر يكتبها هائم في حب وطن مختلف .

إذا، هي قصيدة عاشقة هائمة في حب وطن مساحته لا تحددها خطوط وضعت على عجل لضرورات تتعلق بالجغرافيا، إنه وطن من نوع مختلف، وطن الذاكرة وعبق الأزقة القديمة وفوانيس رمضان وفرح العيد للصغار وعطاء الكبار وحرقة الأمهات ولهفة الأخوات وشوق الزوجات.

جماليات مشهد للعراقة فيه مكان كان من الصعب إن لم يكن من المستحيل الإحاطة بتفاصيله ودقائق عناصره لو لم تكن اليد الممسكة على الريشة يد تتسع نعومتها لكل هذا السحر القادم من زينة جسد أنثى، زينة لا تمر على الجماليات المادية المباشرة إلا لتلج إلى ربوع فلسفة الجمال عند النساء عموما ونساء الإمارات على وجه الخصوص.

ويعكس هذا المؤلف لوحة بانورامية لوطن فسيح مترامي الأطراف غني بعادات أبنائه عموما وعادات نسوته على وجه الخصوص، حيث تقوم الكاتبة بمحاولة بحثية فيها الكثير من صدق المشاعر والأحاسيس والدقة المتناهية في تناول كل عنصر من عناصر الموروث الشعبي المتعلق بزينة المرأة الإماراتية والبيئة المحيطة بها، التي تعد جزءا لا يتجزأ من ملاحتها الشخصية.

الأمر الذي يبدو للوهلة الأولى أنه يحيد عن فكرة العمل الرئيسية، إلا أنه، في واقع الأمر، يعد أحد الضرورات الملحة ساعة الحديث عن منظومة العلاقات الاجتماعية بين الناس وعلاقة هؤلاء بالطبيعة المحيطة بهم، التي تبرز كحاضنة دافئة لذلك المعلم الجمالي المتعلق بزينة المرأة.

الزينة والتزين والتطيب في فلسفة الجمال عند المرأة الإماراتية لا تقتصر على الجسد فحسب، بل تمتد لتطال كل مكونات المنزل، الذي كان يحظى بعناية خاصة عند اقتراب موعد عودة الزوج من رحلة الغوص وكان يطيب بالصمغ الأحمر والأبيض واللبان العماني والشبه والخطيف.

لكن لا بد من ملاحظة الفوارق الكبيرة، التي كانت قائمة بين مجتمع البداوة المتواري في قلب الصحراء ومجتمع المدن الساحلية، إذ كان من الطبيعي أن تحظى النسوة في المناطق الساحلية بنصيب الأسد من مواد الزينة بسبب التبادل التجاري مع بلدان أخرى في المنطقة.

ففي حين تشكل الشبة والنيل والورس والكحل والصمغ والشب والصابون وسركة صالح والحناء مفردات تعين المرأة الساحلية على الغوص عميقا في تأمل فلسفة الجمال، كانت المرأة البدوية تعيش في بيئة قاسية مختلفة تماما بسبب ترحال قبيلتها الدائم إلى درجة أن غذاء شعرها كان الرمل وبول النوق الصغيرة، الذي كان يعد طاهرا لأنها لا تعتمد في غذائها على أعشاب الأرض.

وتلاحظ الباحثة أن مواد الزينة في المجتمع الإماراتي كانت تستخدم لهدفين، علاجي وجمالي فالحناء والكحل، على سبيل المثال، في الثقافة المجتمعية العامة يعدان وسائل طبية ناجعة لعلاج كثير من العلل .

وعندما كانت المرأة تتوجه إلى شجرة الصقل لعلاج جفافا أصاب يديها، فهي تسعى بذلك إلى العلاج ولا تفكر بالزينة، أخذا في الاعتبار أن الصقل يتمتع بخواص تشعر الجسم بالليونة، الأمر الذي يدخل الراحة والبهجة إلى قلب المرأة لنضارة بشرتها وزوال القشور وذهاب الجفاف من يديها وقدميها، ولانعكاسات ذلك الطيبة على علاقتها بالزوج.

ولم تغفل الباحثة في مؤلفها الفريد هذا طرح جانب لا بأس به من الخواص التي تميز مجتمع الإمارات عن مجتمعات عربية أخرى من حيث استخدام الرجال لبعض مواد زينة المرأة وذلك لضرورات وقائية تفرضها فرادة البيئة المحيط، حيث كان رجال البحر يلجأون إلى طلي كفوفهم بالحناء لحمايتها من أنواء البحر وملوحة مياهه.

لكن يمكن القول إن العوامل المناخية ليست وحدها التي كانت تلعب دورا حاسما ساعة استخدام مواد الزينة، إذ يضاف إلى ذلك عوامل وعادات اجتماعية تجعل الحق في ممارسة فعل التزين يقتصر على المرأة المتزوجة دون غيرها.

اعتمادا على 71 مرجعا ومولودا ثقافيا يقع في 95 صفحة موزعة على 90 بابا، تمخر الباحثة شيخة محمد الجابري عباب التراث الإماراتي العريق من أوسع أبوابه وأجملها، ملقية الضوء على مكانة المرأة في المجتمع الإماراتي، امرأة لعبت، على مر العصور، دورا حيويا جنبا إلى جنب الأخ والزوج والابن والأب لبناء أسرتها ومجتمعها على خير وجه.

فعملت في ميدان الحرف اليدوية وكانت عندما يغيب الرجل أثناء رحلات الغوص الطويلة تدير شؤون المنزل وترعى الأطفال وتقوم بكل واجباتها كامرأة وتحل ومحل الرجل في أداء ما يقع عليه من مسؤوليات في الوقت نفسه.

المؤلفة في سطور

شيخة محمد الجابري ، شاعرة وباحثة وإعلامية ، تعمل في جامعة الإمارات، وهي عضو رابطة أديبات الإمارات، وعضو مؤسس لعدد من الجمعيات ذات النفع العام. باحثة في مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية، باحثة في مركز زايد للتراث والتاريخ. تكتب الشعر الفصيح والشعر العامي والمقال والقصة، لها عمود أسبوعي في جريدة الاتحاد، إضافة لعمودها الذي تكتبه في عذب المعاني.

تعمل حالياً على إنجاز «معجم لهجة الإمارات» لـ صالح مركز زايد للتراث والتاريخ. من نتاجها الفكري : ديوان عن شاعرات الإمارات بعنوان (نساء في مضارب الشعر) وقصة بعنوان «سندريلا الخليج». قدمت بحوثا في التراث أهمها العادات والتقاليد المرتبطة بمرحلة ميلاد دولة الإمارات والعادات والتقاليد المرتبطة بدورة الحياة فيها.

باسل أبو حمدة

الكتاب: زينة وأزياء المرأة

تأليف: شيخة محمد الجابري

الناشر: وزارة الثقافة ـ ابوظبي 2008

الصفحات: 95 صفحة

القطع: المتوسط