لا يعرف، حتى الآن، إلا القليل عن الموسيقى التي كانت تطرب أبناء حضارة المايا، فلقد تعرضت للظروف ذاتها التي عانى منها أدبها الشفاهي والمكتوب، والتي تجلت في خسارة الجزء الأكبر من هذه الثروة المعرفية الإنسانية العريقة، بيد أن اللقى الأثرية في المقابر المدمرة والتشكيلات التي رسموها على الجدران للآلات الموسيقية التي استخدموها ذاتها، بالإضافة إلى المنحوتات والأواني والمخطوطات والقصص القديمة والتوصيفات- كل ذلك يفترض أن أبناء شعب المايا كانوا يعشقون الموسيقى إلى حد كبير.

اعتمادا على الدراسات التاريخية الأثرية، بوسعنا القول إن موسيقاهم ورقصهم كانا لا ينفصلان على الإطلاق عن الشعائر والطقوس والأوقات المكرسة للعبادة، ذلك أن جل نتاج تلك الموسيقى كان مرتبطا بالعالم السحري ـ الديني، حيث تشكل الموسيقى والصخب والضوء عناصر صديقة تعمل عن بعد من أجل إبعاد الأعداء وطرد قوى الخصوم أو من أجل طلب مساعدة القوى الصديقة. من بين آلات شعب المايا الموسيقية تبرز المزامير أو الصفارات المصنوعة من قصب عظام الأيل والأصداف كبيرة الحجم، والناي المصنوع من قصب السكر والطبول والأبواق والخشخاشة والـ «أوكار»- آلة موسيقية بيضوية الشكل من آلات النفخ- والمكحتة، فضلا عن الغناء الفردي طبعا.

لكن « مزمار الموت » يحظى بحصة الأسد من بين كل تلك الآلات الموسيقية لفاعلية صوته وقوته والوظائف الجليلة التي كان يؤديها في كنف حياة شعب المايا. مهندس مكسيكي يبلغ 66 عاما من العمر، شغوف بالموسيقى والآثار، كرس عدة سنوات من حياته لإعادة بناء سائر الآلات الموسيقية الخاصة بحضارة المايا بشكل دقيق، إلا أنه خص »مزمار الموت« على اعتباره الأداة الأكثر إيحاء من بين أمثالها من الآلات الموسيقية التي أجاد شعب المايا صناعتها والعزف عليها وعرفوا كيف يوظفونها في سائر مناحي حياتهم الدنيوية والغيبية.

قصب السكر، جلد الضفدع والريش تمثل بعض المواد الطبيعية التي استخدموها من أجل صناعة «مزمار الموت»، الأداة الموسيقية التي تم اكتشافها لأول مرة مع رفات أحد أفراد شعب المايا على يد آرند أدجي روث، المتخصص في علم الآثار وموسيقى الشعوب التي سادت أثناء مرحلة ما قبل مجيء الأسبان.

حتى وقت وجيز مضى، كانت تلك الآلات المستخدمة من قبل حضارتي المايا والأزتيك تعتبر دائما قطع زخرفية للزينة أو حللا كهنوتية في أحسن الأحوال، ولقد تم العثور عليها في المتاحف بين متعلقات النساء وأدوات الصيد. لكن روبرتو فيلازكيس، موضوع حديثنا، لم يكن قط على اقتناع بأن تلك كانت غايتها.

ويوضح هذا المتخصص فكرته قائلا: لم أشك في المتاحف المكسيكية فحسب، وإنما بمتاحف العالم كله أيضا . ذلك الهاجس دفعه إلى اتخاذ القرار المتعلق بنبش عالم تلك الموسيقى المعتمة، التي كان، حسب الكثير من الخبراء، مستخدمة لتحديد استراتيجيات الحرب وتكتيكات أخرى على غرار إدخال الفزع في قلب العدو.

لكن في المقابل، فإن فيلازكيس يرى أن مزمار الموت كان وسيلة للحوار مع الله وللإعلان عن حلول موسم الأضاحي وتأكيد نجاح مواسم الحصاد، فضلا عن أن صوته المخيف والمرعب والمشؤوم والمفعم بالطاقة والحيوية في آن يبدو صالحا بامتياز لمرافقة الأموات في طريقهم إلى العالم الآخر.

حتى يتمكن من إعادة بناء الآلات الموسيقية، جال فيلازكيس الجهات الأربع في بلاده المكسيك وقام بتحليل أغراض ومتعلقات عمرها أكثر من 2400 سنة، ومع ذلك، فإن جزءا لا بأس به من عمله المضني ما كان ليلقى ما يكفي من التقدير والاعتراف من دون جهده الرائع الأخير: إعادة بناء الموسيقى المعتمة، التي يصدح بها «مزمار الموت».

من أجل تحقيق هذا الهدف، ظل فيلازكيس لسنوات عدة يضع بين شفتيه قطعا من جلود الضفادع قبل أن يتمكن من اكتشاف السر ويجيب عن أسئلة من نوع: هل المسألة تتعلق بلحن يعزف في حفلة؟ أم أنها تتعلق بنغمة تخص لموت دون غيره؟

عمل الباحث المكسيكي هذا رافقه مساهمة على جانب كبير من الأهمية قام بها فريق من الباحثين مكون من علماء آثار ومؤرخين وموسيقيين من بين متخصصين آخرين مثل توماس باريونتوس مدير دائرة الآثار في جامعة «ديل فايي» في غواتيمالا، الذي يؤكد: منذ عشر سنوات خلت، لم يكن يعرف شيئا تقريبا حول عن هذه الأغراض، اليوم أصبحت هذه المادة، التي تثير اهتمام الكثيرين حول العالم، تعتبر استحقاقا باتجاه إعادة تقويم المجموعات الفنية في المتاحف وشغف بعض هواة جمع واقتناء التحف الفنية في القطاع الخاص .

حسب عالم الآثار بول هيلي الذي اكتشف في مطلع ثمانينات القرن الماضي بعض أهم الآلات الموسيقية التي يعود أصلها إلى حضارة المايا في «بيليس»، فإن الكثير من الآلات الموسيقية القديمة لا يزال صالحا لصناعة الموسيقى، حيث يوضح هيلي أن إيجاد بعض القطع المحطمة كان بادرة حظ طيب، لأنه سمح لنا بفهم كيفية صناعة تلك الآلات وماهية منطقها .

كما يرى متخصصون آخرون أن موسيقى مزامير الموت استخدمت في وقتها بغية الدخول إلى العالم الآخر حين يدنو الأجل أثناء الشعائر والطقوس الدينية، بيد أن الكثير من الغموض لا يزال يلف هذا الصوت أو هذه النغمة القادمة من أعماق التاريخ، بينما لا تزال الألغاز تحوم حول ثقافات السكان الأصليين في أميركا وسرعة اختفاء شعوبها، في ظل الأرقام المخيفة، التي تقدر بعشرات الملايين، والتي تبين أعداد القتلى من الهنود الهنود الحمر، الذين سقطوا جراء وحشية ودموية الحملات الصليبية الأسبانية على القارة الجديدة.

في الوقت الحاضر، لا نستطيع استدعاء أصوات ونغمات موسيقى المايا إلا عن طريق أوصافا تضمنها نصوص تعود إلى القرن السادس عشر أو استشفافها واستنباطها من أداءات الموسيقيين الحالية الغنية بفن المايا الكلاسيكي، أولئك الموسيقيين الذين يعزفون على الأبواق ويقرعون الطبول ويهزون الخشخاشة وقواقع السلاحف.

وسجل الأجناس والأعراق البشرية يوفر نماذج مهمة من تلك الموسيقى في الوقت الذي تنضم إلى هذه التجربة الموسيقية العريقة آلات وإيقاعات منشأها أفريقي أو اسباني. من أجل المساهمة في فهم واقع موسيقى المايا وكيف كان لها أن تطور وتزدهر مشكلة جزءا لا يتجزأ من واقع الناس وتطلعاتهم، رعى متحف « بوبول فوه » التابع لجامعة فرانسيسكو ماروكين في غواتيمالا بحثا علميا الهدف منه هو تدوين تنوع نغمات المزامير والنايات والأبواق المشغولة من الخزف ومن قواقع السلاحف.

وكذلك الخشاخش والطبول وآلات موسيقية أخرى يحتفظ بها في المتحف المذكور وضمن مجموعات فنية أخرى في غواتيمالا.وتم تحديد ثروة غير متوقعة من أشكال انتاج الصوت، بدءا بصفارات بسيطة تنتج نغمة واحدة فقط حتى الأبواق والنايات التي تتمتع بمقام واسع من النغمات والتركيبات الموسيقية.

هذا البحث في تاريخ الموسيقى أنجزه ألفونسو أريفياغا كورتيس المتخصص في علم الإنسان كجزء من مشروع بحثي أشرف عليه متحف «بوبول فوه» أنتج تحفة موسيقية حقيقية مسجلة على اسطوانة مدمجة تحت عنوان «أصوات المايا».

كما سمح هذا البحث الذي يحمل عنوان« أصوات المايا: الآلات الموسيقية لحضارة المايا القديمة» بتأمل وتثمين الفن البديع للفخاريات، التي تمكنت من الجمع بين احتياجات الإنتاج الصوتي وأصوات الأشخاص والحيوانات والآلهة، المتكيفة بشكل يثير الإعجاب مع الأشكال الأساسية للآلات الموسيقية.

بطريقة يبدو فيها الشكل الخارجي والمضمون الوظيفي لكل آلة مستوحيان من الفن الآلاتي الذي يعود لفترة ما قبل الغز الاسباني للعالم الجديد. ويبدو أن شعب المايا كان ينتظر من نفخة تلك الآلات جلب الحياة وليس مجرد استدعاء أصوات الكائنات المرغوبة.

في هذا الجو المفعم بالحماس باتجاه تقديم عرض فني جمالي حديث، لكن المتأصل في صوت الآلات الموسيقية القديمة، في هذا المناخ الجميل يمكن سماع صوت الآلهة وترنيمة قائمة على الأساطير المتناثرة في متحف «بوبول فوه»، وتشتمل على ألحان مثل «ليبزغ الفجر»، «كي لا يبقى أحد في الخلف» و«تزاكول».

وفي الآخر، فإن ترنيمة «نفخة الساحر» تمثل دعوة فنية ميالة إلى أصوات الطبيعة أكثر من ميلها إلى الفعل الإنساني. كما يضاف إلى أصوات الآلات الموسيقية الأصلية إيقاعات أعيد ابتكارها بواسطة آلات نقر معاصرة، لكن أصلها يعود لمرحلة ما قبل الأسبان.

الأصل والفصل

لا يزال شعب المايا يعيش في يومنا هذا ضمن حدود إمبراطوريته القديمة، تلك الحدود تشمل أراضي بيليس، غواتيمالا، هندوراس، السلفادور وخمس ولايات مكسيكية هي تاباسكو، شياباس، كامبيتشي، يوكاتان وكيناتا رو. عدد السكان الإجمالي يتنوع من مصدر إلى آخر، لكن عدد الذين يقطنون في هذه المنطقة يتراوح بين أربعة وستة ملايين نسمة وذلك تبعا لمنظور البحث والإحصاء.

باسل أبو حمدة