في قاعات قصر «ديمانتي» التاريخي العريق في مدينة فيرارا الإيطالية يقام معرض للفنان الأسباني خوان ميرو (1893- 1983) تحت عنوان«ميرو ، الأرض» ويضم نحو 250 عملا فنيا جمعت من عشرة متاحف عالمية.

كتب الرسام الأسباني خوان ميرو عن الفنون الشعبية الإسبانية والتي كان لها تأثير كبير على فنه يقول: الفن الشعبي كان على الدوام يسحرني، إذ لا توجد فيه المساحيق التجميلية، ولا الخداع والرياء والانفعال المزيف، انه يتجه مباشرة نحو القلب وبمحبة كبيرة. هكذا يعبر هذا الفنان عن محبته للمناظر الريفية والفنون الشعبية، فهو بدأ حياته الفنية كرسام فطري للمناظر الريفية في مقاطعة كاتالونيا والتي كانت عاصمتها الإقليمية برشلونة أحد أبرز القلاع الأوروبية للحركة »الفوضوية«، التي انتشرت أفكارها في الثقافة والفن، وتركزت على التخلص من الواقع في العمل الفني.

كما أن ألوانه الساخنة الفرحة تعود إلى مرحلة الطفولة التي أمضاها في مناطق أميركا الوسطى. وكان ميرو يقوم في الكثير من الأحيان بتأويل المظاهر الطبيعية للريف الإسباني مع التركيز على الطابع الخيالي الذي يحاول إضفاءه بين الحين والآخر على جزئيات هذه الطبيعة في عمله الفني. وسافر الى باريس عام 1934 ليبدأ رحلة التأويل الحقيقي مع السوريالية التي يعتبر أحد أبرز مؤسسيها، ومن أوائل الموقعين على بيانها الأول الذي صدر عام 1934 وأعلن ثورته خارج أي اهتمام جمالي أو أخلاقي. وجد ميرو في السوريالية الملاذ التعبيري التلقائي والمباشر، واعتبرها أسلوباً وسلوكاً في التفكير والشعور والحياة، وظل مخلصاً لأهدافها.

تفرد خوان ميرو عن غيره من فناني السوريالية بنزوعه نحو التبسيط والاختزال، فلم يبق يمارس صناعة اللوحة حسب مقتضيات المفاهيم الفنية السابقة، فتخلى عن خط الأفق، والمساحات المبنية، وتحولت اللوحة عنده الى فضاء كوني مسطح . اتخذ ميرو من أحلام الطفولة وخيالاتها، منابع واستلهامات لأشكاله البسيطة التي تهيم وتنطلق في العاب الفرح الإنساني وتنفصل عن كل قوانين الاتصال بالواقع. ولعل فنه، الذي ساهم في خلق التحولات الكبيرة في المفاهيم الفنية، استعار من الصفات المعطاة له وبشكل مباشر، مما ساد المرحلة التاريخية تلك من وسائل للتعبير.

وهي ترتكز على أن فنان تلك المرحلة كان يصور ما يشعر به من دون الاستعانة بما يقدمه العالم المرئي. وقد مهدت لهذا التحول في المفاهيم الفنية، أمور متعددة، أولها دخول المواد غير المألوفة من قبل في المجالات الفنية، وثانياً ما خلفته الحرب العالمية الأولى والحركات التي سادها التفتح والتنوع، وثالثاً الدعوات الى التخلص من هيمنة العقل ومحاولة إدراك أبعاده وكياناته المغمورة، وهي تمثلت في المدارس والاتجاهات الثقافية.

هذه الحركات تقف بالتضاد من الآراء والنظريات والمفاهيم التي كانت تحث الفنان عادة على أن يلتزم بالحرية ويتعلم قوانينها وملاءمتها للاستخدام الإنساني. فأصبح الفن عموماً في تلك المرحلة يمتلك هماً أساسيا هو الاستنباط الغيبي الإيهامي واللغزي، والتحرر الشامل من المصطلحات التشكيلية التي كانت سائدة. وقاد ميرو تياراً خاصاً بالتشويهات ورموز الأحلام.

وهو فن اللاشعور الذي يُستلهم من نظريات فرويد في التحليل النفسي فأصبح عنده الواقع أو العقل السائد هو اللاشعور، وهو المفهوم الذي طوره العالم النفسي يونغ والقائم على أن قوانين اللاشعور تتكون من أساطير وذكريات وأمور لا عقلية انحدرت من الحياة البدائية.

ولا يمكن إغفال ناحية مهمة في مواقف الفنان ميرو وهي أنه ظل بعيداً الى حد كبير عن الروابط العميقة التي تجمعه بقضايا شعبه الإسباني، وذلك باختياره أن يكون بعيداً عن الصراعات الحياتية الحادة التي شهدتها اسبانيا بعد سقوط الجمهورية.

إلا أنه تعاطف مع الجمهورية الإسبانية ورسم ملصقات جدارية مساندة لها.إلا أنه لا يمكن من ناحية أخرى الانصياع التام للدعوات التي أطلقها العديد من النقاد الماركسيين متهمة فن خوان ميرو بكونه سخر من قبل الرجعية الإسبانية التي استثمرت فنه ووضعته في موقع منافس للفنان بيكاسو.

وسادت هذه الآراء أوساط العديد من نقاد الفن التشكيلي في جميع أنحاء العالم، وكال نقادها كل التهم لفن ميرو التجريدي.وللأسف، فإنه لا يمكن بناء الآراء على ضوء القطيعة التي ما زالت موجودة بين العمل الفني التجريدي والجمهور.فالجمهور العربي لا يزال حتى يومنا الحاضر متمسكاً بنظريات مثالية تقليدية لماهية اللوحة، والتي تقتضي في أبسط معالمها تقديم نفسها بصورة أقل ما يقال عنها بأنها واضحة.

ويمكن التعرف عليها وهناك ما يقابلها في العالم المرئي. إن شبكة الخطوط المتباينة، ووحدة الإيقاع التي تعتمد الصدفة والآلية والإرادة اللاواعية، لا تلغي بتقديرنا الحضور الإنساني والوجداني، ففي معظم أعمال ميرو توجد أجزاء من الجسد الإنساني، وهي إشارات تشكيلية تمتلك علاقة بالإدراك البصري للعوالم الخارجية للإنسان.

يقول ميرو: إن الأشياء التي أراها هي أشياء حية، السيجارة، علبة الكبريت، المنضدة، الكرسي، فهي تمتلك حياة سرية تفوق في بعض الأحيان حيوات الكثير من الأشياء الحية نفسها، إنها أشياء صامتة، ولكنها تمتلك حركتها وبعدها داخل الفضاء، داخل الحياة والروح الإنسانية، ولوحاتي متحركة وغير متحركة إلا أنها مليئة بالحياة.

وهكذا فإن ميرو عندما يرسم رموز الأحلام ليحرر نفسه من الرقابة، ويضع اللاشعور واللاعقلانية فوق الوعي والعقلانية، فإنه يقوم بتحرير الاصطلاحات التشكيلية التقليدية لممارسة حريته الكاملة وصوغ لوحته التي حشد فيها الرموز المجردة والتي باتت تضيء أي غرفة توضع فيها.

الرسام المتألق

وصف الرسام السويسري المعروف البرتو جياكو ميتي زميلة الفنان خوان ميرو وصفاً جميلاً ومرهفاً بالقول : من المعروف ان ميرو رسام متألق وسرعان مايدع سقوط ثلاث قطرات ملونة فقط على قماش اللوحة الابيض حتى تصبح لوحة ،وأما صديقه خوان براتس فقال بدوره عنه :عندما اجمع أنا الحصى الصغيرة فإنها حصى مجردة لكن عندما يجمعها ميرو فإنها قد جمعها «ميرو».

الفن الساحر

لقب ميرو بساحر الفنانين لانه لا يستطيع خلق عمل فني من اي شي كان، حيث كان ساحل البحر مصدر الاشياء التي حركت خياله وكان البحر موجوداً فيه لتطفوا رموز لوحاتة فوق سطحه ،انه يعطي قماشة اللوحة لوناً اساسياً ويأخذ بالارتعاش لصبه الالوان على اللوحة عله يجد رؤية جديدة أو متنفساً في ماضيه الاسباني.

خوان ميرو في سطور

ولد خوان ميرو عام 1893في برشلونة، العاصمة الإقليمية لمقاطعة كاتالونيا التي تعد إحدى ابرز القلاع الأوروبية للحركة الفوضوية ، التي انتشرت أفكارها آنذاك في الثقافة والفن وتركزت على التخلص من الواقع في العمل الفني.

بدأ ميرو حياته الفنية كرسام فطري للمناظر الريفية في مقاطعة كاتالونيا، وكانت الفنون الشعبية الاسبانية لها تأثير كبير على فنه. سافر خوان ميرو الى باريس عام 1934 ليبدأ رحلته الحقيقية مع السوريالية ، التي يعد احد ابرز مؤسسيها.

عاش ميرو تسعون عاما وتوفي عام 1983 في «بالما دي مايوركا » بعد أن صار واحدا من كبار رسامي القرن العشرين وعاش حياة مفعمة بالعطاء الفني متنقلا بين مدن وبلدان أوروبية وأميركية عدة، ظل المفضل لديه من بينها، إضافه الى برشلونة مسقط رأسه، مدينة باريس التي شهدت خير سنوات إنتاجه الفني.

موسى الخميسي