لحظة متوترة

وصلت الأمور بين الشاب «محمود العجة جي»، المعروف ب«إبن الأرملة» من جهة، والمناضلَين العتيقين «أبي مراد الصفّيرة» و «أبي صطيف اللولية»، من جهة أخرى، إلى طريق مسدود، وعادت لا تنفع بين الطرفين أيةُ وساطة، أو مساعٍ توصل إلى مصالحة،.. ما يعني في مثل هذه الحالات ضرورةَ إيجاد حل سلمي وسطي يُجَمِّد الأوضاع على ما هي عليه، ويؤجل التصادم إلى وقت آخر مثلما يحصل في الحروب الدولية غير المتكافئة، حينما يفرض المجتمعُ الدولي على الأطراف المتحاربة هدنةً طويلة، ترافقها عمليةُ فصل للقوات، بقصد الحفاظ على مصالح الطرف الأقوى.

جذور المشكلة : القصة بدأت من لحظة هادئة في ليل بلدة «أم الجحافل»، حينما أطلقت السيدة أم نزار، زينةُ نساء البلدة، صيحةَ ذعر على زوجها الثاني «محمد علي العجة جي»، المعروف بأبي محمود: ـ الحقوني يا ناس، يا أهل البلد، يا نشامى، زوجي أبو محمود لا أعرف أيش صار له! فأنيرت نوافذ مطفأة، وفُتحت أبواب مغلقة، واندفع رجال ونساء وأولاد خارجين من أبواب منازلهم، بثياب النوم والراحة، مسرعين، متدافعين باتجاه الصوت المنبعث من بيت أبي محمود العجة جي. وفي اللحظة التي استطاع بعضهم الدخول إلى البيت لكي يساعدوا أم نزار في إسعافه، كان الرجل قد فارق الحياة، واضعاً رأسه بين ذراعي أم نزار الحنونتين.

قال أحد الرجال مواسياً: ـ لا إله إلا الله، لا يدوم إلا وجهه الكريم. أرسل رجل آخر بصره باتجاه محمود (وهو الولد الوحيد الذي خلفه أبو محمود من أم نزار التي تزوجها قبل ربع قرن بعدما ماتت زوجته العاقر بسرطان الدم، ومات زوج أم نزار الأول وأولادها الثلاثة بحادث سير مؤسف)، وقال مبطناً الجد والخشوع بالسخرية والغمز: ـ أي نعم، الأعمار بيد الله، ولكن المثل يقول: مَن خَلَّف ما مات! فارتسمت على وجه محمود، وهو ينظر إلى الرجل، ابتسامة لم يكن في مقدور أحد تفسيرها، فقد كانت حائرة بين الغباء والخبث، وممتزجة بشيء من الفرح بالحرية والخلاص من سلطة الأب.

فلاش باك : كان محمود العجه جي، لحظةَ وفاة أبيه، في الثالثة والعشرين من عمره، وكان قد تخلص، قبل سنوات، من المدرسة بطريقة تشبه طريقة طارق بن زياد المزعومة في حرق المراكب! فحينما كان يتعلم في الصف التاسع بثانوية الشهيد «مصطفى لعلي»، التي تطل على مقبرة البلدة القديمة، وبينما هو ساهم، لا يفهم، ولا يستوعب شيئاً مما يقوله مدرس الكيمياء الأستاذ فواز السكمنجي، إذ انفلت بالضحك على حين غرة، فترك الأستاذ فواز قطعة الطبشور من يده والتفت إليه، وسأله بهدوء ظاهر.

وغضب كظيم، عن سبب ضحكه المفاجئ، فلم يرد محمود، وبقي يغالب الضحك الذي استبد به وكأن شخصاً خفياً قد وقف خلفه وشرع يدغدغ خاصرتيه برؤوس أصابعه،.. وكان الضرب قد مُنع في المدارس في تلك الآونة، فكبح الأستاذ فواز السكمنجي رغبته العارمة في ركله بقدميه على مناطق جسمه المختلفة كيفما اتفق، واكتفى بإرساله مع عريف الصف إلى غرفة المدير الذي أخفق بدوره في جعل محمود يتوقف عن الضحك، فطرده من المدرسة مشترطاً عليه ألا يعود إليها إلا برفقة ولي أمره.

هاشم الشوشة يدخل على الخط:

وعلى الرغم من غبائه المستحكم، وغفلته الدائمة، أدرك الفتى محمود العجة جي، ربما من خلال الفطرة والتجربة، أنه إذا كان ثمة قرار أو نظام يمنع المدرسين من ضرب الطلاب في المدارس، فإنه لا يوجد قرار أو نظام مماثل يمنع الآباء من ضرب أبنائهم في البيوت، وبالأخص أبوه الذي ورث عن جده، عن أبيه، عن جده، دواليك حتى تصل إلى الجد التاسع لآل العجة جي.

حكمةً مفادُها أن الضرب للولد مثل «التبّ» للتين، فالتب هو التين المذكر، يلقح بحبياته فقوسةَ التين المؤنثة العجراء، فيمنعها من السقوط، ويساهم في إنضاجها وتحليتها.. وإن كون محمود وحيداً لأبويه المنكوبين، لم يجعل أباه يرأف بحاله فيخفف من معدلات ضربه، بل على العكس، كان أبو محمود يحسب كمية الضرب المخصصة للأولاد الذين كان من المحتمل أن يخلفهم، ويخصصها كلها لمحمود!.. لذلك، حينما طلب المدير من محمود إحضار ولي أمره إلى المدرسة.

وقع في حيص بيص، وأيقن أنه لو طلب من أبيه هذا الطلب فإن أقل شيء ممكن أن يفعله هو تعجيقه بقدميه مثلما كان يصعد هو، بناء على طلب أمه، فوق كيس من الخيش مملوء بالحصرم، ويعجق عليه صعوداً وهبوطاً بقصد أن يعصره لتعبئه أم نزار في القناني وترفعه على الأرفف لتصنع منه «الفتوش» و «مرقة المحشي» و«سلطة الخس» في الشتاء المقبل.

وبعد طول تفكير وصفن خطرت لمحمود فكرة لا تخطر ببال إنسان ذكي، أو غبي، أو متوسط الذكاء، نفذها من توه إذ ذهب إلى بائع «الكسيب والحلاوة» هاشم الشوشة، وهو رجل ذو كرش كبير للغاية، يبدأ، أعني الكرش، من منطقة الثديين، ويبلغ مداه الأقصى عند السرّة.

ثم يبدأ بالتراجع حتى يلتحم مع نقطة التقاء ساقيه القصيرتين البدينتين ببعضهما، وهذا ما يجعله أقرب إلى الشكل المغزلي الذي شرح لهم طبيعته أستاذ الرياضيات! ولكي يرفعَ محمود من حماس هاشم الشوشة، ويجعله يهب لنجدته، تَصَنَّعَ الذل والمسكنة وقال له:

ـ يا عمي هاشم، أبي سافر إلى العراق منذ ثلاثة أيام، وقد لا يرجع قبل عشرة أيام، وأنا طردني المدير من المدرسة، ظلماً وعدواناً، لذا أريدك أن تذهب معي إلى المدرسة، وتكون ولي أمري، ولكن انتبه، إن من عادة الأساتذة، حينما يتحدثون إلى أولياء الأمور، أن يضعوا الحق على الطالب، وكل التهم العاطلة يلصقونها به.

هاشم الشوشة في إدارة المدرسة

حينما دخل هاشم الشوشة برفقة الطالب محمود العجة جي إلى غرفة الإدارة أحس المديرُ وزملاؤه المتواجدون في مكتبه برغبة قوية في الضحك لرؤيتهم هذه الصحبة العجيبة بين طالب ترتسم على وجهه علائم البلاهة ورجل مغزلي الشكل تفوح منه روائح الكسيب والحلاوة وزيت السيرَج المقلي.

وأما هاشم الشوشة فقد شعر بالزهو حينما نهض هؤلاء الأفندية، ببدلاتهم الرسمية وربطات أعناقهم التي تتدلى إلى ما تحت أحزمة بنطلوناتهم، لاستقباله باحترام، وهو بدوره أصر على مصافحتهم واحداً واحداً مع أنهم حاولوا تجنب ذلك بسبب تلوث يديه بالكسيب والحلاوة والسيرَج. وحينما انتهى من المصافحة أجرى حركات مفتعلة لا تخلو من الاستعراض القصدُ منها إيهامُهم بأبوته لمحمود، ثم دق بيده على ظهر محمود وقال للشخص الواقف وراء الطاولة وقد خمن أنه المدير:

ـ هل أستطيع أن أعرف لماذا طردتم ولدنا محمود من المدرسة يا أستاذ افندي؟

فاندفع المدير، والموجه، وأمين السر، وأمين المكتبة، ورئيس المخبر الكيميائي، وبضعة المدرسين المتواجدين في الإدارة، يتحدثون على نحو متداخل، كل واحد منهم يحكي قصة أو حادثة أو مشكلة حصلت في الصف، أو في الباحة، أو في المخبر، أو في المكتبة، أو خارج المدرسة، بسبب هذا الطالب البليد الذي يشبه إلى حد بعيد ذَكَر النحل الذي يضايق المكان في الخلية، ويأكل العسل، ولا يرتجى منه خير في الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.

وفجأة،.. مد هاشم الشوشة يده موعزاً للمدرسين أن يتوقفوا عن الشرح وسرد الحكايات عن مشاكل محمود.. فلما توقفوا أمسك محموداً من رقبته بإصبعين كالكماشة، وشرع يشد عليها، ومحمود ينكمش ويهبط، من شدة الألم، إلى الأسفل، ثم أفلته ودفعه بأقصى ما يمتلك من عزم، فاندفع محمود، بفعل القوة النابذة، حتى ارتطم بالجدار، وقال له هاشم:

ـ اسمع ولاه، هذه مدرسة للحكومة، والحكومة ما معها لعبة، إن الذي يدخل إلى دار الحكومة إذا كان رأسه أكبر من البطيخة، فإنه يخرج منها ورأسه أصغر من حبة الحصرم!

والتفت نحو المدير والمدرسين قائلاً:

ـ لا تواخذوني يا أفندية، أوجعت رأسكم.

وخرج، فلحق به محمود، وافترق عنه عند عَدوة السُلَّم، ثم سبقه إلى خارج المدرسة، وحمل حجراً كبيرة، وكمن له عند الباب، وحينما أصبح في مرمى الحجر ضربه بها على مؤخرته، فتدحرج الشوشة عدة مرات، بينما لاذ محمود بالفرار، وقبل أن يصل إلى البيت، القى حقيبة المدرسة والكتب والدفاتر التي بداخلها في بئر مهجور، وتابع مسيره إلى البيت.

وهناك ارتمى على يدي أبيه وقدميه وشرع يتوسل إليه ألا يضربه هذه المرة، ثم أعلمه، بجمل مضطربة، بكل ما جرى له بخصوص هاشم الشوشة وحرق مراكب العلم، فزفر أبو محمود، وحوقل، ثم طلب من زوجته أم محمود (أم نزار سابقاً)، أن تلحق به إلى غرفة النوم، ففعلت.

المرحلة التالية

توصل أبو محمود وأم نزار بنتيجة اجتماعهما المغلق في غرفة النوم إلى أن قطع أسباب ابنهما الوحيد محمود بالمدرسة هو نوع من القضاء والقدر، ومشيئة الله سبحانه وتعالى التي لا رادَّ لها. ثم استطاعا أن يقنعا نفسيهما بأن الإنسان مُسَيَّرٌ لا مُخَيَّر، أي أنه لا يعرف أين ينتظره الخير، ولا أين يكمن له الشر، بدليل قوله تعالى في محكم التنزيل (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم)،..

وياما أناس تركوا المدارس باكراً، بسبب ظروف تعيسة، وهم لا يعرفون الخمسة من الطمسة، وإذا بهم يصبحون، خلال زمن ليس بالطويل، حِرْفيين ذوي أنامل ذهبية، يحصِّلُ الواحد منهم في الشهر أكثر مما يحصِّلُ عشرة أساتذة من الخريجين الجامعيين الذين يحمل بعضُهم عدا عن الإجازة الجامعية دبلوماً أو ماجستيراً أو دكتوراه.

أو يصبحون تجاراً يُلَعِّبون أسواق العقارات والسيارات والأسهم المالية على رؤوس أصابعهم، وحتى الدولة، حينما تضع خططها وبرامجها فإنها، تأخذ آراء هؤلاء التجار، رجال الاعمال، ومصالحهم بعين الاعتبار، بغض النظر عن كون بعضهم لا يحملون شهادات علمية.

ومنذ لحظة انفضاض هذا الاجتماع المغلق بين أبي محمود وأم نزار، بدأت مرحلة جديدة من حياة محمود، وهي أن أباه كان يسحبه من يده ويأخذه، مرة بعد مرة، إلى أحد أصدقائه من الحرفيين ويقول له، بعد السلام والكلام والسؤال عن الأحوال والصحة والعافية، ما معناه: إنه يتخذه أخاً من مبدأ (رب أخ لك لم تلده أمُّك)، والأخ هو من آزر أخاه ووقف إلى جانبه في السراء والضراء والمصائب.

وهل توجد مصيبة أكبر من أن يكون لك ولد وحيد، وأنت تفني حياتك لتؤمن له احتياجاته كلها، وإذا به يفاجئك عائداً من المدرسة خالي الوفاض، زاهداً بالعلم والمعرفة، واضعاً إحدى يديه من الأمام والأخرى من الخلف؟ فيا أخي ـ يتابع أبو محمود ـ الله يخليك ويسترك، علم لي ابني محموداً حرفتك، واجعله معلماً فيها، لأن حرفة في اليد ـ كما يقول المثل ـ أمان من الفقر.

وأثناء ذلك إياك ثم إياك أن تأخذك فيه رحمة أو شفقة، أو يخطر لك ان تشكوه إلي إذا ارتكب ذنباً أو مخالفة، اضربه أنت، رأساً ومباشرة، لأنه، في الحقيقة، لا يوجد فرق جوهري بين أن تشكوه إلي فأضربه أنا بوصفي أباه، أو أن تضربه أنت مباشرة بوصفك أخاً لأبيه، أي في مقام عمه، أخي باختصار: (اللحم لك والعظم لنا)، وهذا يعني، وأنت سيد العارفين أن الرضوض والكدمات وازرقاق الوجه واحمراره كلها أشياء مسموح بها أثناء الضرب، وأما تكسير العظام فلا!

وما هي إلا أيام حتى تبدأ أخبار محمود العاطلة تتناهى إلى مسامع أبيه وأمه، بعضها يقول إنه يغافل معلمه أثناء الدوام ويهرب ليقف ساعات طويلة ملصقاً وجهه بواجهات محلات الموبايل والفيديو (سي ـ دي)، ساهماً بمحتوياتها العجيبة، وبعضها الآخر يقول إن معلمه أرسله في عمل لا يحتاج إنجازه لأكثر من نصف ساعة فغاب ساعتين، وحينما خرج معلمه والصناع الآخرون للبحث عنه وجدوه جالساً في أحد محلات الكمبيوتر يلعب بالـ (كاونتر).

أو بالألعاب التي يقوم فيها رجل مسلح بقتل كل الأشخاص الذين يخرجون له من الزوايا والمكامن، أو أنه أخذ يُعدي الصُنَّاعَ الآخرين بسلوكه المتفلت من أية ضوابط، والغريب في الأمر أن معلم الحرفة الذي أوصاه أبو محمود بأن يضربه بقدر ما يستطيع، يمتنع عن ضربه قائلاً بينه وبين نفسه (لماذا أضربه أنا؟ لربما مرض بفعل الضرب أو تأذى فلماذا أتحمل أنا مسؤوليته؟.. يا سيدي فخار يكسر بعضه!).

ثم يطرده، مهدداً إياه إن هو مر أمام دكانه في المستقبل، مجرد مرور عابر، فسوف يسلمه للشرطة! فيمتثل محمود للتهديد، بل إنه يرى في الطرد فَرَجاً يخرج له من قلب الضيق، ويستمر أسبوعاً أو عشرة أيام وهو يخرج من البيت صباحاً زاعماً أنه ذاهب إلى دكان المعلم، ويعود مساء في وقت الانصراف، دواليك حتى ينتبه أبو محمود لما يجري فيذهب إلى المعلم ليعاتبه، فيفاجئه هذا الأخير بوجه ناشف، وفم شبه مغلق على الكلام، فإذا ألح عليه في الاستفسار صاح في وجهه وسط تجمع الجيران والصناع والمارة الفضوليين:

ـ أخي أنت صاحبي وصديقي وعِرق عيني، وتمون علي إلى درجة أنك تستطيع، إذا شئت، أن تأتي بصفيحة مملوءة بالكاز وتسفحها على دكاني ثم تشعل عود ثقاب وتحرقها، وهأنذا أُشهد كل هؤلاء الناس الطيبين على أني لن أشتكي عليك أو ألومك أو حتى أعاتبك على حرق الدكان، أما ابنك محمود فأرجوك، وأتوسل إليك، وأضع يدي في زنارك، لا تدع عينيَّ تقعان عليه!

أفضل الحلول السيئة

بعد هذه الفصول البائخة المتتالية التي كان محمود بطلها المطلق، يئس أبو محمود، ويئست معه أم نزار من قضية إصلاحه، وتوصلا إلى أن أقل الحلول ضرراً هو أن يتركاه عاطلاً عن العمل، ويعلفاه على حسابهما، ويعطياه بعض النقود التي تكفيه لنفقاته النثرية، وقد اعتذرت أم نزار عن الدعاء عليه بالموت، لسبب معروف، وهو أن قلب الأم لا يطاوعها بالدعاء على ولدها، وأما أبو محمود فاستمر يدعو عليه بالموت حتى لحظة وفاته هو.

محاولة للخروج من عنق الزجاجة

كان لأبي محمود راتب تقاعدي، أوقفته مؤسسة التأمين والمعاشات بعد وفاته مؤقتاً إلى حين تقديم «بيان بالوفاة» و«حصر إرث قانوني»، ورفع المعاملة إلى دمشق وانتظار عودتها إلى بلدة «أم الجحافل» بالبريد. وكان ـ رحمه الله ـ يتلقى بعض المعونات المالية من أخيه غسان تاجر البناء الذي أقلع عن دفع أي مبلغ بعد وفاة أخيه، بحجة أن سوق العقارات قد برد فجأة.

بسبب العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، وأن تجارته بدأت تخسر. ولكن هذا لم يكن السبب الحقيقي، بل إن غسان أسر لزوجته بأن ابن أخيه محمود يرضى على نفسه أن يكون عاطلاً عن العمل مع أن حجمه يزيد عن حجم «الكديش» بكثير، لذلك فإن إمداده بالمساعدات هو أمر خال من أي منطق أو عدل. وزوجة غسان بدورها همست بهذا السر إلى أم نزار التي قالت لها بشفافية عالية: (زوجك على حق، فمحمود لا يوجد أي شيء يعيقه عن العمل).

وفي مساء اليوم نفسه سحبته من يده، وخرجت من البيت دون أن تبين له إلى أين الوجهة، فلما أصبحا أمام فيلا «أبي مراد الصفّيرة» رنت جرس الباب وقالت للحراس إنها تريد أن تقابل السيدة أم مراد، وأوضحت لهم أن أم مراد كانت زميلتها على مقعد الدرس في المدرسة الابتدائي، وهي تحمل لها الكثيرمن المودة، ولا ريب في أنها ستوافق على استقبالها وابنها بمجرد ما تعلم بوجودهما عند الباب. وهذا ما كان بالفعل.

فكرة عبقرية

كان المناضل أبو صطيف اللولية وزوجته الملقبة «أم صافي» بالمصادفة المحضة، يسهران لدى أسرة أبي مراد الصفيرة، وقد دهشا كلاهما بالحفاوة التي استقبلت سيدةُ المجتمع الراقي أم مراد هذه المرأةَ الفقيرة «أم نزار» وابنَها الذي تبدو عليه علائم الغباء المستحكم، وزاد في دهشتهما أن أم نزار دخلت في الموضوع الذي حضرت لأجله بكل جرأة وطلاقة إذ قالت مخاطبة صديقتها أم مراد من دون ألقاب:

ـ اسمعي يا مريم، بالمختصر المفيد، أنا داخلة عليك «دَخلة عرب».

وابني هذا أمانة برقبتك، فخل أخي أبا مراد يتدبر له عملاً يعيش منه في الحال، وإذا لم يحصل هذا لا أنا رفيقتك ولا أعرفك! وقبل أن يجد أحد من الموجودين فرصة ليدلي بأي تعليق، سارعت أم نزار للتوضيح بأن ابنها محموداً لا يحمل شهادة ذات قيمة، ولا يجيد أية مهنة، أو مهارة، وهو، فوق هذا كله، غشيم، لا بل غبي!

ارتسمت على وجه أبي صطيف ابتسامة إجبارية، بسبب ما سمعه من أم نزار (ووجده صحيحاً حينما تفرس في ملامح محمود الغبية)، ثم مال على صديقه أبي مراد وهمس في إذنه وهو ما يزال يغالب الضحك:

ـ يستطيع الواحد أن يقول، دون أن يسمعه أحد من المخبرين، أن هذا الشاب يصلح، من فرط غبائه، لأن يكون مسؤولاً في الحكومة!

وضرب له مثلاً برجل يتسنم منصباً مهماً منذ عشرين سنة وهو لا يقل عن محمود غباءً وبلاهة. ولكي يمعن في إنشاء الدعابة أضاف قائلاً إنه مستعد أن يستضيفه لديه في المكتب لمدة عشرة أيام ويعلمه كتابة الخطابات في المناسبات الوطنية والقومية، ويخرِّجه من تحت يديه جاهزاً على أربع وعشرين قيراطاً.

ثم نقل كلامه إلى إطار الجد، وقال لأم نزار:

ـ يا أختي، اعتبري أن مشكلة ابنك انحلت، أنا وأخي أبو مراد سنجري له دورة مكثفة في مجال عملنا، وبعدها سنتدبر له عملاً بأقصى سرعة. وبالطبع فقد وافقت أم نزار دون أن تفهم ما هو المقصود بالضبط من هذه العبارة.

عَود على بدء القصة

إنها قصة بدأت بمزحة أطلقها المناضل أبو صطيف اللولية في منزل صديقه المناضل أبي مراد الصفيرة، بقصد أن يضحك على غباء واحد من خصومه يشغل مركزاً حساساً في البلاد رغم غبائه. ولكن تبين أن محموداً العجة جي لا يفهم المزاح جيداً، وبمجرد ما وضع رؤوس أصابع قدميه على أرض العمل السياسي، تفتقت مواهبُه بطريقة لم يسبق لها مثيل، وشرع يصعد ويصعد دون أن يلتفت إلى الوراء أو إلى الأسفل، حتى وصل إلى منصب رفيع جداً، وقد حاول أبو صطيف وأبو مراد التدخل معه ولجم مسيرته وقد رأيا أنها خرجت من يديهما، ولكنه عاملهما (على الرسمي)، ورفض التمحور معهما.

فشرعاً يشنان عليه حرباً لا هوادة فيها، محاولين تذكيره بماضيه الاجتماعي، ولكنه لم يأبه لذلك، وحفاظاً منه على القليل من المودة التي يكنها لهما فقد أرسل إليهما مَن يطلب منهما الامتناع عن مناطحته، فلم يقبلا بالعرض، ووقتها شن محمود حربه الكاسحة عليهما، مستخدماً أسلحته كلها، حتى كاد أن يضعهما في (خبر كان).. فأحسا بالعطب، وأرسلا إليه بالسر بعض المصلحين بقصد التفاوض وإيجاد تسوية.

إشاعة

تقول إحدى الإشاعات التي سبقت عملية التسوية أن أم مراد دخلت على أم نزار في الفيلا التي اشتراها محمود، وقالت لها من دون ألقاب:

ـ اسمعي يا عائشة، بالمختصر المفيد، أنا داخلة عليك «دخلة عرب»، فقولي لابنك أن يوقف حربه على زوجي وصديقه أبي صطيف، فإن لم تفعلي لا أنا رفيقتك ولا أعرفك!

الكاتب في سطور

خطيب بدله هو قاص وصحافي سوري، له سبع مجموعات قصصية آخرها بعنوان (التداوي بالأدب)، وله بضعة مسلسلات تلفزيونية وإذاعية، وقد صدر كتاب نقدي عنه للناقد محمد مينو بعنوان «تجارب جديدة في القصة السورية، عالم خطيب بدلة السردي». تتسم كتاباته بالسخرية والتهكم.