أقيم في حلب على مسرح دار الكتب الوطنية أسبوع الثقافة الجزائرية وقد عرضت خلاله مسرحية «بيت برناردا ألبا» لفيدريكو غارسيا لوركا وإخراج احمد خودي. جاء الشاعر فيدريكو غارسيا لوركا (1989 - 1936) إلى المسرح الاسباني حين كان الظرف مناسباً لظهور موهبة متميزة. فقد كتب ثلاثية متميزة من التراجيديا الشعبية في السنوات القليلة التي سبقت وفاته المبكرة : ( عرس الدم 1933- إيرما، 1934 - بيت برناردا ألبا 1936)
لقد منحت هذه المسرحيات سمات فريدة من الرمزية والطقسية للمسرح الاسباني لم تكن لتنبثق إلا من المجتمع الريفي لجنوب اسبانيا، ومثلما قدّم لوركا روح الحياة الاسبانية في شعره قدمها أيضاً في مسرحه. حاول لوركا عن عمد ان يحدّ من العنصر الغنائي في أكثر مسرحياته شهرة (بيت برناردا ألبا) النثرية التي كتبها قبل اغتياله على يد قوات الدكتاتور فرانكو في عام 1936. خمس فتيات مكبوتات تحكمهن أم مستبدة أرملة تمثل أكثر ما في المجتمع الريفي الاسباني من القيم البائدة، بعد الانتهاء من مراسم دفن الزوج الثاني لبرناردا ألبا، تخبر الأم بناتها الخمس بقرارها ان تلتزم الأسرة الحداد لمدة ثمانية أعوام (لا يدخل خلالها هواء الشارع إلى البيت) وهكذا تغلق الباب عليهن ليبدأ صراع الطبيعة الضاري، رغم تقدم البنات في السنّ إلا أنهن امتثلن لمشيئة هذه الام القاسية.
كذلك الجدة العجوز ذات الثمانين عاماً «ماريا جوزيفا» المصابة بالجنون نتيجة سنوات الحب اللامتكافئ، وهي بهذا الشكل صورة دائمة الحضور لما يمكن ان تؤول اليه حالة ابنتها «برناردا» او أي من بناتها، في فترة غياب الام تعبّر البنات عن احلام الحب والحرية التي تملأ قلوبهن حيث تتحرك في كلّ منهن الرغبة الجامحة في الحياة والحب والجنس، وتم الإيحاء بجو الاندفاع الجنسي من خلال الأصوات التي يصدرها حصان فحل يضرب الأرض بلا توقف في مربطه. تشتد هذه الرغبة لدى «أديلا» المستعدة للتضحية بنفسها من اجل ان تنال حقها الشرعي في الحب، وكانت المناسبة عندما طلب اجمل فتيان القرية ( بيب آيل رومانو ) اللامرئي يد كبرى الاخوات «انجوستياس» ابنة «برناردا» من زوجها الاول، لتنفجر الأوضاع ويحتدم الصراع عندما تقع الكارثة حين تُمضي أصغرهن «أديلا» ليلة مع « بيب» ثم تشنق نفسها لإيمانها بأن امها قتلته نتيجة لذلك.
وبسخرية مريرة تأمر «برناردا» بأن تُكفَّن «أديلا» كعذراء قبل الدفن. المسرحية من إعداد «علال المحب» وقدمت باللهجة الجزائريةالتي بدت صعبة على المشاهد كي يفهمها ولذلك أضاع الكثير من الحوارات المهمة ومفاصل العرض التي لم تصله باستثناء المختصين ومَن قرأوا المسرحية سابقاً. لم يستطع الديكور الذي لم يُذكر اسم مصممه ان يحدد المكان بدقة.
وهذا امر ضروري في أي عرض مسرحي وخاصة في مثل هذا العرض، إضافة إلى فقره بالمقارنة بالمستوى المعيشي لآل ألبا، فإن وجود مجموعة من الكراسي في المدخل الرئيسي للبيت لم يكن مفهوماً بالنسبة لنا وخاصة أنها مصنوعة من اجل الجلوس والتحرك على المسرح بسرعة، فلم تقنعنا بأننا في منزل راقٍ وقد وضعت في مقدمة المسرح فشعرنا بأننا معزولون عن البيت.
اما الباب والنوافذ رغم انها صنعت لتوحي لنا بأن البيت هو عبارة عن سجن، إلا انها لم تُستعمل إلا مرة واحدة أثناء خروج النساء المعزيّات من الباب أثناء وفاة الزوج، كذلك لم تقنعنا الطاولة الغريبة الشكل التي تشبه السرير الموضوعة في زاوية ميتة ثم تم استخدامها كمائدة تناولت عائلة ألبا العشاء عليها.
بالنسبة للباس الخادمتين فكان خارج السرب، فهاتان الشخصيتان تعيشان مع العائلة والكل معني بلبس الأسود، فوحدة اللباس توحي بالحدث ولا يمكن الاستغناء عنها، فهي تمثل إحدى المفردات الدرامية في العرض.
لقد كان التمثيل شكلانياً ولم يكن هناك علاقة وتقييم درامي هادئ بين الشخصيات، بل كان الصراخ والتشنج والتصلب في المواقف هو السائد طوال العرض، لقد كنا بحاجة إلى الهدوء أثناء العرض لنشعر بشيء من شاعرية «لوركا»، علماً ان ذلك قد يساعد الممثلات على الاداء الصحيح.
ولا ندري لماذا كان المكياج مبالغ فيه لدى معظم الشخصيات، فقد ظهرت الشخصيات قبيحة دون أي مبرر، ان بنات «برناردا» بنات ذوات ولا يمكن ان يكنَّ على هذه الصورة، فلم يُبنَ النص على هذا الأساس، فلماذا تم تقديمهن في العرض بهذه القباحة ؟ كان اداء الممثلة الجديرة « فضيلة حشماوي» مبالغاً واعتمدت على أدواتها الخارجية في التعبير.
وظهرت وكأنها هي السيدة في مشاهدها مع «ألبا» وليست المربية أو الخادمة رغم ان شخصية «ألبا» شخصية صلبة وقوية، اما الممثلة « سعاد سبكي» التي مثلت دور «ألبا» فكانت قليلة الحركة وتحاول ان تدخل في صلب شخصية «ألبا»، إلا انها كانت تؤدي دورها بأسلوب مكرّر ومستلَب. « فائزة آمال » كانت مرعبة في أدائها الخارجي العنيف.
اما باقي الممثلات مثل : « آمال منيغده ـ فاطمة الشيخ ـ روبحي منيرة» فقد تميز اداؤهن بالحماس والاندفاع، عموماً يمكننا القول إن الممثلات حملن العرض على أكتافهن. كانت الإضاءة عامة طوال الوقت ولم تتغير إلا اثناء تناول العشاء وأصبحت توحي بجو الليل، ولا يخفى على أي شخص شاهد هذه المسرحية أهمية الإضاءة للتعبير عن الكثير من الحالات واللحظات الدرامية.
كان الإخراج يقدم النص دون أي رؤية فكرية عميقة او خلفية تاريخية وكانت الحلول الإخراجية الإبداعية شبه معدومة. لقد كان العرض فقيراً من الناحية الجمالية ولم تتميز كل شخصية على حدة بعالمها الخاص.. بل شاهدنا مجموعة من الشخصيات المتشابهة في مواقفها وردود أفعالها وتوترها وتشنجها. أما نهاية المسرحية فقد جاءت مفاجئة.
فبدلاً من أن تنتحر «أديلا» فإنها تموت ببندقية والدتها، وهذه النهاية المأساوية تحولت إلى حالة من الضحك عند الجمهور، خاصة أنها تمت على الطريقة المصرية: الركض من مكان إلى مكان والصراخ ثم سمعنا صوت طلقة عنيفة من الكواليس أدت إلى موت «أديلا»، لقد تحولت المأساة إلى كوميديا أساءت لمجمل العرض، في حين كان من المفروض اننا امام تراجيديا مفجعة.
لقد اراد «لوركا» ان يجعل من ثورة «أديلا» على امها إيحاء لثورة الشعب الاسباني ضد الدكتاتورية، لكننا لم نرَ ذلك في العرض لان المخرج اهتم بالشكل الخارجي لعرضه ولم يعالج مأساة إنسانية رفيعة المستوى فنياً وشاعرياً.
د. وانيس باندك


