دفعة واحدة اختار مكاناً قصياً ليسكنه، والتوقف عن صناعة الصخب الجميل.. لحظة واحدة توقف معها رصف الشوارع فأضحت أرواحنا بلا مكان تستريح فيه.. هو صباح هجرت فيه النوارس الموانئ وسافرت صحبة موجة حزينة الى المكان القصي ثم عادت لتتوالد من جديد من دموع المودعين على الشواطئ.

جنكيز ايتماتوف الذي رحل ذات صباح قريب لا يقف على حافة البحر بل.. في أعماق القلوب. النزق والتسرع هو ما ميز العديد من الآراء والأحكام النقدية التي أطلقت فجأة لدى الإعلان عن وفاة الأديب القيرغيزي الكبير جنكيز ايتماتوف، والتي أخذت اتجاهين رئيسيين.. رأى الأول أن ايتماتوف تجاهل بشكل متعمد كل ما يمكن أن يجعله في حالة احتكاك بالسلطة السياسية القائمة آنذاك. بل كان في موقع المجامل لها في أغلب كتاباته، فيما رأى الاتجاه الآخر الذي كانت محاكمته لإيتماتوف أدبية بحتة أنه فعلياً لم يقدم أثاراً أدبية مهمة سوى «وداعاً غولساري» و«السفينة البيضاء»، مشيرين أصحاب هذا الاتجاه بخجل وعلى الهامش الى رواية «جميلة» هذه الإشارة التي جاءت انطلاقا من إشادة الشاعر الفرنسي الكبير «لويس آراغون» بها فور نشرها باعتبارها أجمل قصة حب قرأها...

في الواقع إن كلا الاتجاهين كان منطلقهما واحداً وهو إعلاء شأن الأعمال التي تمثل نقداً به قدر كبير من الصراحة للنظام السائد آنذاك والتي كانت عدم المواربة بهذا الشأن في الروايتين المذكورتين واضحة الى حد ما، حيث يتجاهل أصحاب هذين الاتجاهين الهاجس الذي كان يدفع «ايتماتوف» للكتابة. وكان يجهد لتحقيقه متمثلاً بإعلاء القيم الإنسانية الرفيعة، مقابل القيم الطارئة التي يحاول السلطة القمعية المتحكمة بالمجتمع تكريسها وتعميمها، هذه السلطة التي يطالب أصحاب هذين الاتجاهين «ايتماتوف» بالوقوف في وجهها بشكل صريح وواضح وإلا كان جباناً ولا تحمل أعماله أي قيمة أدبية، والذي يمثل بدوره إضافة للجهل بقيمة ما قدمه ايتماتوف، تماهياً مع مقتضيات عمل السلطة القمعية ذاتها.

فالآثار الأدبية «لإيتماتوف» تمثل كلاً متكاملا ونسيجاً واحداً يحكمها سعيه الدؤوب لحماية هذه القيم الجميلة، حتى أن عمله الذي حمل عنوان «الكلب الأبلق الذي يقف على حافة البحر» كان في الإطار نفسه على الرغم من أنه جاء بما يشبه البكائية على القيم الإنسانية الرائعة التي تهدر بصلف وشراسة.

وكتب ذات مرة قائلاً «على الأدب أن يتوغل في تعقيدات الحياة، لكي يحب المرء ويحمي كل ما هو خير في نفسه وفي نفوس الآخرين.. لأن الإنسان يبحث في الفن عن مساعيه الخيرة برفض كل ما هو شرير وغير عادل، كل ما يتعارض مع مثله الاجتماعية والتقليدية»، عموماً لابد لنا أن ندرك بأننا في نهاية المطاف نتعامل مع الأدب ونشهر سلاح الكلمة فقط بوجه الظلم والقهر.

ونستذكر في هذا السياق ما قاله الأديب العالمي الكبير «اسماعيل كاداريه» بأن الآثار الأدبية لا تغيّر العالم لأنها إذا اصطدمت بالواقع، لا تستطيع تحمل ذلك، مشيراً الى أن الأدب قوة روحيّة ليست لها وسائل مواجهة عنيفة شاملة، فحينما يواجه الأدب الواقع يحتكم الأدب إلى خطة تقوم على استدراج الواقع إلى أرض الروح، الساحة الوحيدة التي يمكن للأدب أن يقاتل فيها بندية.

وعلينا أن نعي بأنه من حق الأديب أن يواصل تطوير لغته التي تصاب على مر الزمن بالإرهاق، لأن تجديد العلاقة مع المتلقي ضرورة موضوعية لنسهم بتطوير ذائقته، فليس صحيحاً أن نكتب لهم ما يريدون.

الملامح المشتركة

حملت «جميلة» الرواية التي أطلقت شهرة ايتماتوف العالمية كل معاني الصلابة والأنفة التي حلم دائماً بأن تبقى راسخة الجذور في المجتمع والتي أضحت مهددة بفعل الاتجاه السياسي الشمولي الحاكم عبر سعيه لتكريس قيم الإذعان والخنوع والجمود الفكري، فهذه الفتاة التي كانت ترعى الخيل في أحد أطراف قريتها خطفها شاب قادم من قرية مجاورة، وقادها الى إلى بيت أمه ليتزوجها إكراهاً، ولكنها رفضته وصدته بشدة فقد كانت أصيلةً ونابضةً بالحيوية .

وعندما اشتعلت رحى الحرب العالمية الثانية، وجُنّد خاطف جميلة في الجيش السوفييتي وسيق إلى الجبهة، واصلت هي حالة عدم الإذعان والانحناء لحماتها المسيطرة، وظلت نمرة مشاكسة تعشق الغناء، وحينما صدر قرار الدولة السوفييتية بأن تحل النساء محل الجنود والعمال في أداء عملهم داخل المدن والقرى جرى تكليف جميلة بنقل القمح.

فتعرفت أثناء ذلك على عامل يستطيع الإنشاد على الرغم من كونه أعرجاً ومريضاً، حيث كان قد جندياً في الجبهة تعرض للإصابة فأعيد إلى الحياة المدنية. أحبته «جميلة» وأحبها، وخرجا سوياً من القرية إلى فضاء أكثر اتساعاً ليتزوجا.

وفي «وداعا يا غولساري» يقدم «تاناباي» مشهداً رمزياً لقيمة «الوفاء» التي يحاول الحزبيون مسحها من الذاكرة كونها من وجه نظرهم تمثل رذيلة بورجوازية ترسخ فكرة الأنا مقابل المجموع الذي يجب أن يسود .. «غولساري» حصان ارتبط بعلاقة وجدانية عميقة مع مربي الخيول «تاناباي»، الذي كان مرغماً على وضعه تحت تصرف الآخرين كي يستغلوه في العمل والركوب.

وكانت العلاقة بين «غولساري» وتاناباي مثار إزعاج للحزبيين البيروقراطيين في «الكولوخوز» (القرية التعاونية) فقاموا بإخصاء الحصان، وإنجاز عملية الفصل بينهما بعد إحالة «غولساري» إلى التقاعد قسرياً، «تاناباي» لم يستطع التعامل مع الأمر وكأن شيئاً لم يكن فهجر أسرته وهام في الطرقات حزناً على صديقه.

وربما كانت رواية «السفينة البيضاء» فاتحة أعمال ايتماتوف التي لفتت الى أن إشارات اليأس والخوف قد بدءا يتسللان الى أعماله ونفسه من إمكانية انتصار القيم الطارئة على الأصيلة بفعل الخوف والترهيب، حيث يمزج في عمله هذا بين الواقعي والأسطوري ليجسد مقولة إن العالم يختزن شحنة كبيرة من الشر قد تصيب بالتلوث أكثر الأشخاص قداسة بالنسبة لنا، فالجد الذي عمل لأعوام طويلة على غرس القيم الإنسانية العميقة في نفس حفيده كان هو الذي انتهكها لاحقاً عندما وقع تحت ضغط.

هناك أمران يتمظهران في هذه الرواية.. أولهما يتمثل في إدانته للقوى المسيطرة التي تسعى لتدمير كل ما هو جميل عبر فرض منطقها الخاص واعتباره الحقيقة الوحيدة والمطلقة، والأمر الثاني يتمثل في أنه قد نجح في تحقيق ذلك.

فالحفيد اليتيم الذي تشكل وعيه الأول على إيقاع حكايات جده «مأمون» حول أسطورة غزالة (المارال) أم القرون وقدسيتها، وتأكيده على تحريم التعرض لها أو صيدها، لأنها تبنت في أزمنة غابرة الطفلين التائهين اللذين أسسا القبيلة القيرغيزية الأولى، وكانت صدمة عنيفة تلك التي تلقاها الحفيد عندما عرف أن جده قد قتل بنفسه غزال «المارال» المقدس خوفاً من بطش «أرزوكول».

وتنكسر أمامه في لحظة واحدة كل الأشياء الجميلة، ويختار «ايتماتوف» لبطله «الطفل اليتيم» نهاية أسطورية تليق به حيث يتحول إلى سمكة تنساب بهدوء إلى أعماق النهر، الذي طالما رأى على سطحه، حقيقةً أو وهماً، سفينةً بيضاء، طويلةً وقويةً وجميلةً، تسير بانتظام واستقامة كأنها مشدودة بوتر، لترمز إلى أفق النجاة والقيم النبيلة السامية مقابل واقع الشر وانتهاك القيم المقدسة في عالم الغابة.

الكلب الأبلق.. منزلة بين منزلتين

في (الكلب الأبلق الواقف على حافة البحر) يقدم ايتماتوف رواية بكائية على القيم والمعاني الإنسانية العميقة الآخذة بالاندثار أو التي اندثرت فعلاً بفعل فاعل متمثلة بالإيثار والوفاء والتضحية بالنفس في لحظة يأس كانت قد تبدت ملامحها الأولى في رواية «السفينة البيضاء»، مع عدم إغفال بعض هذه الانكسارات في «وداعاً غولساري».

ويبدو أنه إطلاق ايتماتوف اسم «الكلب الأبلق» على روايته لم يكن عفوياً بالنظر لما يحمله من رموز مكثفة في الوعي الجمعي حول الوفاء والجرأة، حيث يشكل الجبل الذي نحتته الطبيعة على شكل كلب أبلق منارة للصيادين وهم في عرض البحر الذين لوحتهم الشمس وهدهم الجوع والتعب وهم يسعون لتأمين النزر اليسير من قوت عائلاتهم التي تقطن تلك القرية الصغيرة الرابضة على حافة البحر.

قدر هؤلاء السكان هو الكد والتعب فالأجيال تتوارث المعاناة دون تذمر طالما أن الصياد يحمل في قلبه عائلته وأبناء قريته وهو يقتحم الأمواج التي قد تحمل الكثير من الأسرار، في وقت تحمل فيه العائلة والقرية صورته في أعماق المخيلة وهو عائد يغوص بساقيه العاريتين في المياه الضحلة على شاطئ القرية جاراً خلفه زورقه الذي يتحرق شوقاً للرحلة المقبلة.

اليوم التاريخي في حياة تلك العائلة التي انطلق فيها الجد والابن والحفيد في رحلة تدريب للحفيد على المعاناة التي يتوجب عليها حملها بحكم سنه انطوى على الكثير من المحطات بالغة القسوة لهذا الفتى دفعة واحدة، فما هي إلا ساعات من إبحارهم حتى داهمتهم العاصفة والأمواج والضباب ليختفي من أمام ناظرهم «جبل الكلب الأبلق».. اشتداد العاصفة وزيادة حدتها وتناقص الماء والغذاء دفع بالجد الى التضحية بنفسه بالقفز الى الماء بشكل مفاجئ.

معتبراً أنه قد رأى كل شيء و(استمتع بحياته) كما ينبغي وآن الأوان بالنسبة له أن يخلي الطريق لآخرين مازال أمامهم متسع في العمر للتمتع بالحياة أسوة به، وخلق استمرار شدة العاصفة والضباب المعطيات نفسها في قلب الأب الذي آثر أن يضحي بنفسه لينجو ولده الذي لازال العمر في أوله ويمكنه أن يفعل الكثير.. الكثير، فيلقي بنفسه في الماء في خطوة شكلت صدمة عنيفة للابن الذي كاد أن يلقي بنفسه في الماء أيضاً لولا أن خيوط الضوء بدأت تلوح من بين كتل الضباب البليد ليظهر من خلفها تباشير.. الكلب الأبلق.

لقد شكلت هذه الرواية منزلة بين منزلتين فيما يخص وجهة نظره تجاه القيم الإنسانية الجميلة.. حيث كان في المحطات الأولى ينظر إلى هذه القيم بأنها منتصرة في نهاية المطاف مهما بلغت التحديات، وفي المحطات اللاحقة رأى «ايتماتوف» أن هناك شكوكا تحيط بإمكانية انتصارها كما في «السفينة البيضاء» وقبلها «وداعاً غولساري»، إلا أنه في الكلب «الأبلق الواقف على حافة البحر» كان يبكي ويبكي فقط قيماً تكسرت تحت ضغط الأقدام الغليظة.

خالد اللوباني