خور دبي نبض المدينة. علامتها المائية المستمرة منذ الأزل. صلة لا تنقطع بينه وبين الناس والشاهد: النواخذة. النوارس. البيوت القديمة في البستكية والشندغة. العَبْرَة. الزوارق الخشبية. الزمن. الساحل. بيت الوكيل. بيت الشيخ سعيد آل مكتوم. قرية الغوص. طيور البر. عرائس البحر. المسافرون. القراصنة. الغواصون. الرحّالة. قوارب الزمن البعيد. الرمال. كل مفردة تنبلج من البحر وتعود إليه.
من الماء وإلى الماء تجري إمارة دبي في انسيابية موجة تعرف طريقها إلى الساحل كما تعرف أنها جاءت من البحر وتعود إليه في آخر المطاف. فالموجة ابنة البحر. ودبي موجة. سليلة المياه الأزلية. ابنة البحار العميقة وحارسة الشواطئ الرطبة. موجة الإمارات المتدفقة بعطاءات لا تنضب. صديقة المياه وأم النواخذة المعمرين. فتاريخها الدائم مرتبط بالبحر والصيد والسفن والماء وكل ما هو حي في الذاكرة القديمة وإلى الحاضر الآخر الذي يتماهى في عصر الحداثة والمعارف والاتصالات والإعمار والتعمير والنزوع إلى الجمال والبقاء في شوط الحياة الطويل.
دبي مدينة من مياه وإن كانت على مشارف صحراء مترامية الأطراف، غير ان البحر يلمها من سرّتها ويجذبها بعيداً عن الرمال، لكن الصحراء ستبقى خلفيتها التاريخية والأزلية في ثنائية خالدة بين الماء والرمال. الضوء والحياة. ولا شك أن مدينة دبي بإخلاصها إلى الماضي البعيد والقريب تستفيد وهي في طور التطور من هذا الإرث العميق بصورتها العصرية المُحدثة القائمة على تجليات الحداثة في آخر أطروحاتها الميدانية والعملية. الماء سر الحياة. وسر المدن البحرية هو وجودها المتاخم للماء. ولنا من الشواهد في العالم ما يحيلنا إلى مدن بحرية تعيش في الماء وبين الماء، فالبندقية الإيطالية، فينيسيا العائمة، أشهر المدن التي تعيش على بحيرات من الماء وكثير من دول شرق آسيا ابتكرت من الماء موطناً لها ولاتزال تعيش فيه على قوارب متنقلة قريبة من البر فتجتذب الكثير من السياح والزائرين في مواسم الصيف التي تجعل منها أسطورة مائية بامتياز.
ويكاد يجمع المؤرخون المهتمون بتاريخ العراق القديم على إن أهوار الجنوب العراقي هي بقايا مائية أو امتدادات لبحار كانت تغطي منخفضات المنطقة قبل بضعة آلاف من السنين لم يجمعوا على تحديد عددها. لكن استمرار المنخفضات على احتواء المياه وإكسابها الاستقرار النسبي إلى جانب التجدد الهادئ لمناسيبها قد خلق واقعاً تضاريسياً خاصاً ذا سمات تختلف عن البحار من جهة وتختلف عن سمات مياه الأنهار من جهة أخرى، لذا فأهوار العراق الجنوبية فينيسيا عربية خالصة، إذ مازالت بعض الأقوام تعيش في جزر مائية عائمة ومنفصلة.
الخور والمنتجع العربي
ودبي المتاخمة للبحر لايزال الحنين يكتنفها لأن تكون مدينة مائية بمقدار ما تتيحه لها خطط الإعمار والبناء والتطور العمراني الذي تشهده منذ سنوات، مع أن المنتجع العربي في جميرا بطريقة بنائه التراثية كقلعة عربية شامخة أقرب إلى المدينة المائية التي تنقل زوارها بقوارب مائية في شبه جزيرة صناعية.
إذ يتخللها مجرى المياه الذي ينقل النزلاء بين مساراتها المائية كمدينة صغيرة انتمت إلى الماضي المائي بحاضر عمراني قائم على إمكانيات حداثة العمران بشكله المتطور. ويمكن عد هذا المنتجع مدينة مائية صغيرة تحتفل بمكوناتها الأثيرة المتشابكة بين التراث المحلي العريق بشكله الأول وبين ما أنتجته حضارة البناء الحديثة، وبينهما الماء الأزلي كطريق باقٍ لحياة تستمر ولا تتوقف.
خور دبي نبض المدينة. علامتها المائية المستمرة منذ الأزل. صلة لا تنقطع بينه وبين الناس والشاهد: النواخذة. النوارس. البيوت القديمة في البستكية والشندغة. العَبْرَة. الزوارق الخشبية. الزمن. الساحل. بيت الوكيل. بيت الشيخ سعيد آل مكتوم. قرية الغوص. طيور البر. عرائس البحر. المسافرون. القراصنة. الغواصون. الرحّالة. قوارب الزمن البعيد. الرمال. كل مفردة تنبلج من البحر وتعود إليه.
وتبقى «العبْرة» خالدة في ضمائر الجميع كبوصلة مائية لابد من أن يعبر عبرها الجميع بين الصوبين، فالماء سر الجميع والحياة الصاخبة تتجمل بالزوارق والنوارس والناس من كل الألوان والجنسيات واللغات في الطريق إلى العبور أو التفرج. فالعبرة لون حياتي مصدره الماء، وحتى البناء المطل على ضفتي الخور هو تجسيد لفكرة الاقتراب من مصدر الحياة والتلون به والسكن بين جنابته.
نفق الشندغة في بر دبي مرآة أخرى لدور الماء في حياة المدينة، فالنفق يسير تحت الماء! تحت مياه الخور ويعبر الضفتين تسهيلاً للمواصلات اليومية. وفكرة المرور من تحت المياه هي فكرة شاعرية أساساً عندما تمكن الإنسان أن يوطد علاقته بالمكان ويؤسس له برامجَ حياةٍ تتغلب على كل شيء وتنطلق على وفق ما يفكر ويخطط له، لتجاوز معضلات التنمية السكانية ومعضلات التكدس المكاني بشق الآفاق الجديدة وابتكار الطرق البديلة.
فبعد الجسور الطويلة والعملاقة استثمر العقل البشري مياه البحار لحرثها والدخول في أنفاقها فكانت الأنفاق الطويلة والقصيرة التي شقت البحر بشاعرية مثالية لتكون ممراً آمناً لإنسان القرن العشرين على وجه الخصوص الذي احتفل بمنجزات بشرية كبيرة، وها هو القرن الحادي والعشرون يلقي بإنجازاته العمرانية والتكنولوجية على البشرية في استثمار كل ما يخطر ولا يخطر على بال أحد في سبيل إنشاء منظومات مسلكية جديدة ترتقي بالإنسان إلى مصافات عليا .
وتؤسس تاريخاً جديداً في العلاقات الإنسانية في عصر وُصف بأنه عصر القرية الصغيرة القادرة على استيعاب البشرية في نقطة انطلاق واحدة رغم مسافات الجغرافيا المتباعدة بين القارات. نفق الشندغة من هذا التأطير الجمالي الحضاري كان بداية أولى للدخول في آفاق علمية ومسلكية جديدة تتجاوز القار من الانجازات العمرانية فيؤسس حضوره البسيط على أبجدية الحداثة المستجدة.
النخلة والفندق الغائص
علاقة دبي بالماء تتجدد دائماً وتتخذ أشكالاً معمارية مختلفة ولعل أعجوبة (جزيرة النخلة) إحدى أهم العلامات البارزة في هذا المخطط العمراني الذي ينتمي إلى المياه وهي أكبر ثلاث جزر اصطناعية في العالم بنيت على سواحل دبي، نخلة الجميرا (منطقة سكنية بفلل وفنادق).
نخلة جبل علي (تتضمن حديقة للألعاب المائية وقرية البحر ومواقع غوص متنوعة) ونخلة الديرة (وهي أكبر الجزر الثلاث بنواديها الرياضية ومناطقها السكنية ومراكز تسوقها) وبنيت كل منها على شكل نخلة وتتألف من ساق وتاج ذي 17 ورقة وتحيطها بيوت مائية بنيت على طوالات بين الأوراق وهلال بمثابة كاسر الأمواج.
وامتداداً لهذه العلاقة المائية فثمة في الأفق القريب والبعيد منتجعات مائية قادمة ستطوي الزمن وتختصر الأوقات لتكون حاضرة في عصر دبي الكبير إذ يجري حالياً تشييد أول فندق تحت الماء في العالم وهو فندق «هايدروبوليس» ويتكون من ثلاثة مرافق رئيسية، صالة برية مخصصة لاستقبال الضيوف، والمبنى الرئيسي للفندق، ونفق لربط صالة الاستقبال بالفندق عبر قطار لتوصيل النزلاء و220 جناحاً غائصاً تحت الماء.
ويعد الفندق من أكبر المنشآت المعمارية الخيالية في العالم المعاصر حيث يغطي مساحة 260 هكتاراً؛ أي نصف مساحة ميدان هايد بارك في لندن. وكما قال مصممه جوشيم هاوسر «إنه ليس مجرد مشروع. إنه ليس أقل من مدينة أحلام».
وقد تضمن تصميم الفندق نظرة مستقبلية بحيث صمم على أن يكون أساسه تحت مستوى سطح البحر ب(20) متراً على الخط الساحلي لشاطئ الجميرا في دبي. أما المباني التي يمكن تشييد مثل هذا الصرح فيها فهي نادرة تعد على أصابع اليد الواحدة.
جزر قارات العالم
جزر العالم أو جزر القارات ستكون هي الأخرى إضافة معمارية ونوعية وفيها من الشعرية والخيال ما يفوق الوصف، وهي مجموعة من جزر اصطناعية على شكل قارات العالم. ستشتمل على 300 جزيرة صناعية صغيرة وخصوصية، تقسم إلى أربعة أصناف: بيوت خصوصية، بيوت فخمة، منتجعات الأحلام وجزر مشتركة. كل جزيرة ستتراوح بين 250 و900 ألف قدم مربع حجماً.
بالإضافة إلى 50 إلى 100 متر من الماء بين كل جزيرة. ستغطي جزر العالم مساحة 9 كيلومتر (4. 5 أميال) طولاً و6 كيلومترات (6. 3 أميال) عرضاً، وتحيطها جزيرة بيضاوية تحميها من الماء. المواصلات البحرية والجوية ستكون الوسيلة الوحيدة للمواصلات بين الجزر. وستقع هذه الجزر قريبة من نخلة الجميرا، وبين برج العرب وميناء راشد.
مرسى دبي
قريباً من مدينة دبي للإعلام ثمة نسخة عربية من شواطئ الريفييرا الفرنسية تُسمى «مرسى دبي».
لكن هذه النسخة صممت بحداثة عربية مرتكزة إلى أسس محلية تستجيب لثنائية البحر والفضاء المفتوح بمساحة 50 مليون قدم مربع وتحتضن واجهة بحرية طولها 11 كيلومتراً وخمسة أحواض مائية لرسو اليخوت تتسع لأكثر من 500 مركب، إضافة إلى قناة مائية بطول 5. 5 كيلومترات لها منفذان إلى البحر وتحيط بها شقق سكنية ذات إطلالات رائعة.
ويعد مرسى دبي المشروع الأول والأكبر من نوعه في المنطقة، إذ ينفرد المرسى بإطلالات مائية ترسمها المطاعم الفاخرة المنتشرة على الواجهة البحرية، بالإضافة إلى سوق الجمعة الموسمي والمتاجر والأندية الصحية التي تجعل منه أحد أكبر المجمعات السكنية النابضة بالحياة في إمارة دبي. ويمنح المرسى سكانه وزواره إحساساً فريداً بالخصوصية، من خلال موقعه المميز البعيد عن صخب المدينة وازدحامها، ويسهل في الوقت ذاته الوصول إليه من مختلف مناطق الإمارة.
ويلعب «مرسى دبي» دوراً حيوياً في صياغة مفاهيم الحياة العصرية الراقية في دبي، بالإضافة إلى دوره المهم كمنطقة تجارية خصوصاً بعد كشف النقاب عن «مجمع مارينا مول مرسى دبي»، الذي سيفتتح هذا العام. ويضم هذا المجمع، الذي تمتلكه وتديره «مجموعة إعمار للضيافة»، ويضم كلاً من «مارينا مول مرسى دبي» وبرج «مارينا بلازا» التجاري وفندق «العنوان ـ مرسى دبي» من فئة الخمس نجوم، إضافة إلى برج جرى تخصيصه لمجموعة من أرقى المطاعم العالمية وأفخمها.
السندباد
استقر برج العرب الشامخ في البحر لينتمي إلى الماء في أروع ملحمة شعرية نادرة في تاريخ العمران السياحي بارتفاع 321 متراً ويشبه شراعاً مهيأً للإبحار على ساحل دبي. هذا الصرح الهائل بمكوناته التي لا عدّ لها ولا حصر بدا وكأنه انبثق من البحر بشراعه الطويل وقاعدته المتينة كأنما سيبحر في رحلة سندبادية طويلة المدى والأجل ليعود ثانية إلى نقطة انطلاقه.
حاملاً معه الكثير من الحكايات والأساطير ترويها حوريات البحر لزمن جديد هو زمن العولمة الذي عليه أن يتقبل مثل هذه الحكايات بجذورها المحلية الأصيلة التي تنزع إلى الجمال الأخّاذ لتستمر في قافلة الزمن مهما تطور ونما وتعقّد. من هذا المنظور يكتسب برج العرب صفته الشاعرية كونه (كائناً) بحرياً لا يغادر البحر مهما تقادمت عليه صنوف التكنولوجيا، ليبقى الشاخص الأثير في سماء دبي وبحرها علامة بحرية نادرة في تشكلاتها المعمارية الحداثوية.
غوتة والبندقية
فينيسيا أو البندقية كما يسميها العرب مدينة جميلة لا مثيل لها في العالم بنيت على الماء في وسط بحيرة آسنة ولها الآن 12 مليون موقع على الانترنت وتتكون من 116 جزيرة وفيها 416 جسراً و7 آلاف شارع وتبدو أبنيتها وكأنها لونت استعداداً لعرض مسرحي فالواجهات مزينة ومزخرفة يمكن للمسافر أن يستمتع برؤيتها من السفينة أو قارب الغندول الذي يعبر الشوارع المائية مما دعا الكاتب الألماني غوتة إلى وصف القناة الكبيرة بأنها أجمل شارع في العالم.
من أعلام البندقية
من أعلام الموسيقى الذين أنجبتهم المدينة الموسيقار فيفالدي صاحب قطعة «الفصول الأربعة» والرسامون تزيانو رائد الفن التصويري في القرن السادس عشر بثورته الفنية التي استخدمت التدرجات اللونية وكاناليتو الذي كرس نفسه لتصوير مشاهد المدينة بلوحات رائعة وكذلك الكاتب المسرحي غولدوني مؤسس الملهاة الحديثة.
ومن أشهر أبنائها الرحالة ماركو بولو الذي وصل إلى الصين عن طريق سوريا وعبر مضيق هرمز متبعاً طريق الحرير مروراً بالتيبت ثم عاد إلى البندقية ويقال إنه أدخل إليها السباغيتي والمعجنات كما جلب الزنجبيل. ولا ننسى أيضاً العاشق المغامر كازانوفا منافس دون خوان في أساطير الغرام.
قطط البندقية
من أسرار البندقية أن شارع الشيطان قد سمي بهذا الاسم لأنه يتفرع من جسر الشيطان حيث يغرق الكثيرون لخطورة عبوره. ومن عجائبها أنها مليئة بالقطط ولكل قهوة قطة للحراسة وقد جاؤوا ببعض الأنواع الشرسة من سوريا وفلسطين لإنقاذهم من الجرذان والفئران التي سببت الطاعون في القرون الوسطى لذا ما زالوا يعتقدون أن القط يجلب الحظ.
وارد بدر السالم



